نكبر وتصغر نجوى إبراهيم، وهي تظهر الآن في مناسبات متفرقة، فتبدو كما لو أن الشيخوخة لم تعرف لها طريقاً، وقد كانت واحدة من نجمات التلفزيون المصري، في زمن الأبيض والأسود، وعاصرت مرحلة الألوان، وكنت طفلاً وهي نجمة، وها أنا اقترب من سن التقاعد، بينما لا تزال كما هي، إلا من بضع كيلوات زائدة، ربما لها أهمية لمواجهة «غدر الزمان»، في حين أن من بقين على قيد الحياة من زميلاتها على الشاشة الصغيرة، سرى عليهن ما يسري على عموم الناس، من شيخوخة، وتجاعيد، وتقوس العمود الفقري!
وهذه السطور ليست عن نجوى إبراهيم، والتي أذكرها هنا من باب أن الشيء بالشيء يذكر، أما الشيء الأصيل فهو «أزمة السيفون»، ولا نستطيع القول إنها أزمة مياه، فالحكومة لم تعلن تعرض مصر لأزمة من هذا النوع، رغم أن مخاطباتها لمجلس الأمن، عن أن أثار سد النهضة على مصر مفزعة، وهو أمر لا تُطلع المصريين عليه، حيث تطمئنهم أن الأمور تسير على ما يرام، وها هم يُبشرون بوعد من رئيس الوزراء الإثيوبي أن اتفاقاً سيتم التوصل اليه في غضون أربعة شهور!
وأهل الحكم بذلك يطمئنون المصريين لا أكثر، لأن أهمية التوصل إلى اتفاق قد مرت، فقد كان الهدف منها أن تكون كل من مصر والسودان حاضرتين في عملية البناء، والاتفاق على تصميمات السد وسعته وسنوات الملء، وقدرته على مواجهة التحديات، ثم الاتفاق على الحصص، التي لن تكون أبداً كما كانت قبل مرحلة السد، ومن يقول إنها لن تتأثر إنما يخدعون المصريين، وإثيوبيا تقترب من مرحلة الملء الرابع، وما يمثله هذا من مخاطر على دولتي المصب، واستهانة بالجانب المصري، الذي أعطى موافقة مصر كتابة على بناء السد بدون قيد أو شرط، بموجب التوقيع على اتفاق المبادئ!
التوصل إلى اتفاق في غضون أربعة أشهر، أعلن من الجانب المصري، وأذاعه الإعلام المصري، لكن الإعلام الإثيوبي لم يتعرض له، على نحو كاشف بأنه اتفاق «فض مجالس» لتبرير هذا الاحتفال الكبير من جانب الجنرال المصري بالجنرال الإثيوبي، رئيس الوزراء، وبإعلان يشبه قسمه بألا يضر بمصالح مصر في مياه النيل، وقد ردد القسم خلف السيسي، وبلغة لا يفهمها الرجل، وليلتها جرى التعامل مع ذلك على أنه فتح جديد في علم العلاقات الدولية!
ما علينا، فالحكومة لا تعترف أن هناك أزمة مياه تتعرض لها مصر، والبلد تعاني من أزمة كبيرة، دفعت حتى إعلام المولاة للصراخ، وهي أزمة انقطاع التيار الكهربائي، فحتى لميس الحديدي سخرت من الحكومة، لاسيما في موضوع رأس الساعة، وعدم استخدام المصعد الكهربائي «الأسانسير» قبل رأس الساعة بعشر دقائق، وبعدها بعشر دقائق، وقيل إنها حذفت سخريتها من صفحتها على تويتر، بيد أني لم أتأكد من هذا بنفسي!
أزمة الكهرباء لم تحل
إذا حدث ما يمكن فهمه من بيان الحكومة في عملية ترشيد استخدام المياه، لكنا أمام أزمة جديدة قاتلة هذه المرة، ولا يجوز القول إننا خرجنا من أزمة إلى أزمة، لأن أزمة الكهرباء لم تحل، وإن لم تعلن الحكومة أسبابها، فقد قيل في البداية إنها أزمة الغاز، مع أن أولي الأمر منهم هم قالوا إن مصر حققت الاكتفاء الذاتي منه منذ سبتمبر/أيلول 2018، ولديهم فائض معتبر للتصدير، وقال السيسي لقد أحرزنا هدفاً باكتشاف حقل ظهر، وفي المساء والسهرة قال مقدمو برامج «التوك شو»، إن الهدف المقصود أحرزته مصر في مرمى تركيا!
فقال البعض إذاً الأزمة مردها إلى تصدير الغاز في مهمة جلب دولارات البلد في أمس الحاجة اليها، لكن الوزير المختص نفى ذلك تماماً، وقال إن مصر تتوقف عن تصدير الغاز في أشهر الصيف، ثم ذهب وزير النقل الجنرال كامل الوزير بعيداً، فقال إن مصر تستورد الغاز الطبيعي من الخارج بالدولار!
ولو أخذ الناس تصريحات المسؤولين، من أول رئيس الحكومة، مروراً بوزيري الاختصاص (الكهرباء والبترول)، إلى وزيري المسؤولية التضامنية (النقل والبيئة) فسوف يصاب بدوار البحر!
احذر عند استخدام السيفون!
إنها أزمة، في وجود أزمة لم تحل، ولا يمكنني أن أصف الأزمة الجديدة بأنها أزمة مياه، لشح المعلومات الحكومية في هذا الصدد، فهي حتى ساعته وتاريخه هي «أزمة السيفون»، على النحو الذي ذكرني بخالدة الذكر ومذيعة الأجيال نجوى إبراهيم!
أما أنها أزمة السيفون، فلأن الحكومة طالبت المصريين في بيان رسمي أن يحذروا «السيفون»، ولست متأكداً أن اسمه متفق عليه بين العرب الأقحاح، والعرب العاربة، والعرب ثقافة، وهو أداة بقاعدة الحمام مسؤولة عن انهمار المياه بعد أن يقضي المرء حاجته، ويأخذ أشكالاً مختلفة!
وبيان الحكومة ينادي الجماهير العريضة أن تأخذ حذرها وهي تضغط على «السيفون»، والتأكد من سلامته، ترشيداً لاستهلاك المياه، وهو ضمن إرشادات أخرى مثل التقليل من كميات استخدام المياه عند «الاستحمام»، واستخدام البرنامج الموفر للمياه عند استخدام غسالة الملابس والأطباق.. إلى غير ذلك؟!
وهو بيان ذكرني ببرنامج كانت تقدمه نجوى إبراهيم على التلفزيون المصري، قبل أربعين عاماً؛ كانت هي مذيعة ملء السمع والبصر، وكنت أنا صبياً يافعاً مقبلا على الحياة بلا مبرر موضوعي. وفي واحدة من الحلقات استضافت مخترعا لنظام يقلل استهلاك المياه من «السيفون»، وكان يغلب عليها طابع الخفة، فصعدت ذات حلقة أعلى القطار، وركبت في حلقة أخرى حماراً، مما كان سبباً في هجوم الصحافة عليها، لأنها تخرج عن الوقار المفترض في المذيعة، ولم تشفع لها خفت دمها، فلم يكن الناس في بلدي قد وصلوا لمرحلة المذيعة ثقيلة الظل، بائسة الأداء، المصنوعة من مادة البلاستيك، ولهذا هي تفتقد للروح!
في حلقة «السيفون» قام المخترع بتقديم اختراعه عملياً، بعد طلب المذيعة منه ذلك، فوضع في القاعدة قطعة من البلاستيك أيضاً وأعمل اختراعه لإزالتها، انظر كيف يرشد اختراعه استهلاك المياه؟ ومع هذا كان هجوم الصحافة على خفة نجوى إبراهيم، ولم ير واحد مثلي صبياً يافعاً مبرراً لذلك، فما المبرر لمثل هذا الاختراع، ولا توجد لدينا أزمة مياه، وكانت الحلقة صيفاً، بينما نبدأ عملية رش المياه أمام منازلنا في العصاري للتخفيف من حرارة الشمس، فتهل نسمات الصيف المنعشة؛ في زمن كان فيه مناخ مصر حارا جافا صيفاً، دافئا ممطرا شتاء!
بدا حديث «السيفون»، ومشهد تجريب الاختراع، يفتقد للياقة، لكن وبينما أقتربمن سن الإحالة للمعاش، فإذا بالحكومة نفسها تتحدث عن «السيفون»، وآداب استخدامه، وقد أكدت الحكومة على منع رش المياه، فهل مصر تواجه أزمة مياه، أم أن الحكومة قررت بهذه الإرشادات أن تمارس حق الأمومة على الشعب القاصر، بمثل هذه النصائح، التي كانت ضمن النصائح المدونة على «الكراسات المدرسية»، التي توزعها وزارة التربية والتعليم على تلاميذ المدارس مجاناً؟ وإن كانت هذه النصائح الإرشادية لم تتضمن «السيفون»!
هل هي أزمة مياه، أم أن الحكومة قررت أن تكون نجوى إبراهيم في حديث السيفون؟!
إني أشعر بالقلق!
أرض جو:
في الأسبوع الماضي قامت الشركة المتحدة، المالكة لترسانة من وسائل الإعلام المختلفة، بإحداث تغييرات في قيادة بعض وحداتها في هذه الترسانة أو الإقطاعية.
وهي تغييرات أقرب إلى حركة تنقلات الشرطة، لأنها تغيير في المواقع وليس في الأشخاص، فثقافة دولة في حدود المعسكر، تجعل الخيارات محصورة في مجموعة مختارة، مع أنها لم تظهر كرامة في مواقعها السابقة، وجيء بالمذيعة ريهام السهلي، لتكون رئيسة لقناة أريد بها أن تنافس «الجزيرة»، فولدت ميتة، وهي «دي إم سي»!
وليست لدينا سابق معرفة بالإمكانيات الإدارية للمذكورة، لكن نؤمن أن أحداً الآن ليس بإمكانه أن يحيي الموتى، والقصة ليست في إمكانيات المختارة، ولكن في أن الماكينة ليست مؤهلة لأن تنتج قماشاً.
أتمنى من القوم أن يخيبوا ظننا فيهم وأن ينجحوا، ولو في قناة واحدة، أو صحيفة واحدة، أو في عمل فني واحد!
انجحوا ولو من أجل احراجنا!
صحافي من مصر