تونس ـ «القدس العربي»: لقد كان الهدف غير المعلن من تأسيس الكثير من المهرجانات التونسية هو تطوير المشهد الثقافي والانفتاح على مختلف الأنماط من مختلف أنحاء العالم، مع تطوير الفن التونسي وتهذيب الذوق العام وإبقاء البلاد قطبا ثقافيا وحضاريا في محيطها مثلما كانت على الدوام. فقد كان رجال الاستقلال وبناة الدولة الأوائل من أعضاد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، مثل الشاذلي القليبي ومحمود المسعدي والبشير بن سلامة ومحمد الناصر وغيرهم، مثقفون بكل ما للكلمة من معنى وأيضا من ذوي الذوق الراقي والزاد المعرفي الهام.
لذلك كانت المهرجانات التونسية في سنوات حكم الرئيس بورقيبة مضرب الأمثال في الفن الراقي والملتزم، وقبلة الفنانين الكبار من كل أصقاع العالم ومن مختلف ثقافات المعمورة. فالرئيس بورقيبة لم يكن فقط المحامي خريج كلية الحقوق بجامعة السوربون بباريس في عشرينات القرن الماضي، والسياسي المتمرس، بل كان أيضا صاحب مشروع ثقافي وحضاري، ورجل مسرح، مارس هذا الفن في سنوات شبابه الأولى وانتمى إلى فرقة مسرحية، فشجعه ودعم عروضه مثلما شجع الإنتاج الغنائي وشتى أنواع الفنون الأخرى.
لكن هذه العروض الفرجوية الراقية لمسرح موليير وشكسبير، وعروض فيروز والرحابنة ومارسيل خليفة وخوليو إيغليسياس وشارل آزنفور، والعروض الأوبرالية لأرقى فناني اليونان وإيطاليا وروسيا وغيرها، والأوركسترا السيمفونية لفيينا عاصمة النمسا، وغيرها من العروض الراقية، لا تستجيب لأذواق كل التونسيين. فهناك فئة هامة من حيث العدد من الشعب تعشق الفنون الشعبية المحلية على غرار فن المزود وغيره وجدت حظها في زمن الرئيس بن علي وفُتحت لها المنابر والمهرجانات على مصراعيها، وهو ما جعل البعض يتحدث يومها عن تدهور الذوق العام في المهرجانات مقارنة بالعهد البورقيبي.
فمنذ ذلك الزمن والمشرفون على المهرجانات الكبرى في تونس يراوحون بين العروض الراقية لكبار الفنانين، وبين العروض التجارية الشعبية التي تحاول إرضاء الذوق العام وجلب الجماهير الغفيرة لتغطية النفقات. ومع حاجة المهرجانات إلى السيولة المالية لإنجاح الموسم الصيفي غلبت العروض التجارية الشعبية على الفن الراقي وبدأت كثير من المهرجانات تفقد بريقها ورقيها الذي تميزت به في سنوات مجدها وألقها.
انتقادات واسعة
وفي هذا الإطار تقول الروائية والناقدة الفنية والثقافية التونسية هيام الفرشيشي لـ«القدس العربي» إن «مهرجان قرطاج الدولي الأعرق على الإطلاق عربيا وأفريقيا يمر بأزمة هذه الصائفة. فقد كان الهدف من تأسيسه احتضان أرقى العروض الفنية وأجمل الأصوات وأصفاها، من ثقافات وبلدان مختلفة، ليعكس حوار الأنماط الموسيقية. فكان بمثابة الحدث الراسخ في الذاكرة بعروض الغناء لأشهر الفنانين والعازفين، وبالحرص على تنويع أنماط الموسيقى العربية والغربية والأفريقية وغيرها، دون إغفال عناصر الفرجة والتفاعل الحي مع الجمهور المتعطش للموسيقى بكل أنواعها، وبذلك تحول مهرجان قرطاج الدولي إلى علامة ثقافية وفنية عالية.
ولكن المهرجان انفتح بعد ذلك على الأغاني الشبابية وعلى الشعبية وذلك بعد تهذيب هذه الأغاني. ومنذ ذلك الوقت، بدأت تعلو أصوات النقد المستنكرة المنادية بانتقاء العروض واحترام هيبة المهرجان. ويبدو أن التوجه التجاري هو الذي أصبح معادلة صعبة في تنظيم العروض، واختيارها، وبرمجة تلك التي يقبل عليها الجمهور بكثافة. فالعروض النخبوية ظل مجالها محصورا في الفضاءات الضيقة، ومع جمهور صغير ومحدد، وقد فشلت أغلب هذه العروض في مسرح الهواء الطلق بطاقة استيعابه الكبيرة».
وتوضح الروائية والناقدة الفنية والثقافية بالقول بإن مهرجان قرطاج الدولي دخل كغيره من المهرجانات الدولية الكبرى في الدورة الاقتصادية ودمج بين البعد الفني والجانب التجاري. سيما وان المهرجانات الكبرى في العالم تكسب، حسب محدثتنا، مئات ملايين الدولارات، كما تحولت إلى علامات فنية تجارية تجذب الزوار، وتنشط السياحة، وتروج للأكلات والصناعات التقليدية المحلية وبعض هذه المهرجانات متخصص في نمط موسيقي معين، والبعض الآخر منفتح على تعدد الأنماط الموسيقية.
التفاعل مع العرض
ويذهب الجمهور، حسب الفرشيشي، ليتفاعل مع العرض من خلال أداء المطرب لأغانيه وحركته والفريق الراقص إن وجد وحوار الآلات الموسيقية. وبذلك تغلب برأيها البعد الاجتماعي والاقتصادي على تنظيم المهرجانات. فالمطرب الذي يعتلي الركح مهما كان رأي النقاد بخصوص فنه وسواء كان فنانا حقيقيا أو ظاهرة صنعتها شركات إنتاج ووسائل دعاية ضخمة، فهو القادر، على سحر الجمهور وشده ليقبل على حفلاته مهما كان سعر التذكرة، ويدخل ذلك في إطار تكييف مجتمعات صحية.
فالإقبال على تلك العروض يدخل، برأي الكاتبة، ضمن باب التنفيس عن الضغوط النفسية والاجتماعية، أو مصاحبة أفراد من العائلة أو مرافقة الأصدقاء، حتى الجمهور يصبح عائلة واحدة متناغمة تنسجم مع نفس النوتات والذبذبات الصوتية والأصوات التي تحرك الذهن والروح أو الجسد. وحين ينجح المغني في تحقيق هذا الهدف مهما كانت درجته الفنية يكون قد ساعد، حسب محدثتنا، على إحداث نوع من التوازن في العلاقات الاجتماعية. إذ تُنحت هذه العروض، برأيها، في باب الذاكرة المشتركة ويكون لها الأثر الإيجابي، فهي تساعد في الاندماج مع الآخرين بغض النظر عن الفوارق الاجتماعية والثقافية.
وتضيف: «رغم ارتفاع الأسعار والأزمة الاقتصادية فقد كان الجمهور حاضرا وشبابيك التذاكر مغلقة في أغلب العروض. فالجمهور يحتاج إلى راحة واسترخاء ورقص وتمايل لكي يتطهر من همومه وضغوط الحياة. ومن ثمة نتساءل: إن كان العرض الفني دون المأمول، فكيف نجح في التأثير على الجمهور؟ أليس الفن تأثير وسحر، وتطهير نفسي، ومتعة ذهنية؟ أليس هو الكفيل بإخراج الناس من الروتين والتعبير عن بعدهم الداخلي وعن توقهم للفرح والتعبير عن العواطف والأحاسيس الإنسانية؟ أليست كلمات الأغاني مهما كانت عادية لها رنين ووقع في حياة الناس على غرار عبارة «وسع وسع لاحمد سعد». ألا تخرج تلك العبارة السامع من الضيق النفسي نحو عوالم أرحب؟
تغليب الجانب الإبداعي
لقد تعددت مشارب الجمهور الذوقية من الأغاني الشبابية إلى أغاني التراث مثل عرض «المحفل» للفاضل الجزيري وعرض رؤوف ماهر المُعبر عن ثقافة الجنوب. كان الجمهور متعطشا لإخراج تنهيداته وتهدجاته رغم عدم فهمه لبعض الكلمات، ولكن اللحن كفيل بإخراج الوجع وغسل الروح وتجديد الطاقة.
ورغم الأهداف الاجتماعية لهذه العروض، والتركيز على البعد الفني والتجاري لمهرجان قرطاج ارتفعت بعض الأصوات مبينة أن النجاح الجماهيري ليس هو المحدد. بل يجب تغليب كلمة نجاح فني خاصة وان المهرجان، يحظى بميزانية مهمة ودعاية لا تقل أهمية. وعليه يجب تغليب الجانب الإبداعي ليبقى بمثابة الحدث الرائع. فهل يمكن الحديث عن عروض أرقى، وقد جادت الساحة الفنية بما عندها من فنانين مؤثرين في اللحظة الراهنة؟