صار السواد الأعظم من الجمهور المصري بعيداً بمسافة شاسعة عن الحراك الثقافي في المؤسسات الرسمية، فقد طغت ثقافة العالم الافتراضي في وسائل التواصل الاجتماعي على نشاط القطاعات الثقافية المُختلفة في وزارة الثقافة، رغم تعددها وتنوعها، فلم يعد هناك من يهتم بمتابعة أمسية شعرية أو ندوة ثقافية عن كتاب جديد، أو رواية أو مجموعة قصصية، حتى الفعاليات الثقافية الكبرى التي تُقام سنوياً وفق برنامج الوزارة لم تعد هي الحدث الجلل الذي يُثير الاهتمام كما كان الأمر من قبل.
الظاهرة التي بدأت بوادرها على استحياء قبل عدة سنوات، مع اكتشاف آليات التثقيف الحديثة في البرامج الإلكترونية المُختلفة، أصبحت الآن سمة العصر الأساسية، وقد ظهر تأثيرها السلبي جلياً في عدة مناسبات كانت تُمثل في السنوات العشرين الماضية أعياداً بالنسبة للنُخب المثقفة من شباب المُبدعين والشيوخ، وأول هذه المناسبات كان المهرجان القومي للمسرح، بما يحمل من جديد على مستوى الثقافة المسرحية، وألوان الإبداع، والتقاء الثقافات العربية في إطار التبادل الطبيعي للمعرفة والفنون، وأنماط التعبير الإبداعي لشكل ومضمون المسرح العربي الكلاسيكي والمتطور.
لقد مرت أيام المهرجان يوماً تلو الآخر، دون تأثير يُذكر في الشارع الثقافي المصري، على عكس ما كان يحدث في الماضي، حيث الدعاية المُكثفة للعروض وحلقات البحث والنقاش، وأضواء المسارح المُضاءة طوال الموسم والطوابير المُمتدة للجمهور النوعي من كل حدب وصوب والتناول الإعلامي للحدث في جميع النوافذ الإذاعية والتلفزيونية، وغيرها من الصحف والمجلات والإصدارات الدورية المُتخصصة.
لقد اختفت كل هذه العلامات والإشارات الدالة على الاهتمام والوعي بقيمة المسرح كرافد ثقافي له اعتبار خاص مع اختفاء الجمهور وتراجع الذوق الثقافي العام، والغريب أن المسرح ليس الإبداع الوحيد المُهمل والمُهمش جماهيرياً وشعبياً الآن وإنما ما أصابه أصاب الكثير من الفنون فتداعت بفعل الإهمال أسباب الفوضى والانصراف عن كل جاد وقيم في الثقافة المصرية واحتفالاتها الموسمية، كمهرجان الموسيقى العربية ومؤتمر الشعر ومؤتمر الرواية ومهرجانات السينما في العاصمة والمُحافظات.
وعلى مستوى الندوات والأمسيات التي تُقام في المؤسسات الثقافية الرئيسية والفرعية، باتت مُعظم البرامج روتينية، مجرد تحصيل حاصل لإثبات وجود التفاعل الشكلي، فهناك ندوات يتم تنظيمها وإعدادها في محاور قوية وعناوين براقة للنقاش وتبادل وجهات النظر، وفي النهاية تأتي نسبة الحضور أقل من المتوسط، فتضيع كل الترتيبات سُدى، ويذهب المجهود المبذول فيها من المحاورين والضيوف أدراج الرياح. وهذه الإشكالية لا تُستثنى منها أماكن بعينها، فالغالبية العظمى من الندوات والأمسيات التي تُعقد في الجمعيات الأهلية وغير الأهلية، والمواقع الرسمية يجري عليها ما يجري على غيرها من نُدرة الحضور، ولا فرق في ذلك بين مناقشة فيلم أو رواية، أو ديوان شعر، أو مجموعة قصصية، فالكل أمام الروتين سواء!
لقد أفلحت وسائل التواصل الاجتماعي على مدار السنوات الماضية في خلق تيار ثقافي بديل، يجمع بين كل ألوان الطيف دون تمييز بين مُبدع كبير أو مُبدع صغير أو مُفكر مشهور وآخر مغمور، إنما جرى التعامل بين الأعضاء والأصدقاء على صفحات فيسبوك والتويتر والإنستغرام والتليغرام بشكل تلقائي، وبلا حسابات مُسبقة فنمت العلاقات وتعمقت وازداد تأثيرها. وعلى أساس ذلك استُحدثت المنصات الإلكترونية وتنوعت نشاطاتها وظهرت ألوان إبداعية مُغايرة ومُبهرة، وتم تسويق الكتب والروايات في كل المجالات، وتأسست المُنتديات وصارت الساحة الثقافية في العالم الافتراضي أكثر اتساعاً واستيعاباً لكل الفنون والابتكارات، ولم يعد الجمهور بحاجة لزيارات ميدانية لمواقع وزارة الثقافة وصروحها الشاهقة، خاصة أنه لم يجد فيها ما يشجعه على التواصل وتجديد الثقة.
لقد انصرف الجمهور عن متابعة الأنشطة الثقافية مُكتفياً بما يحققه من إنجازات ملموسة في عالمه الخاص بعد ما أضناه الروتين وأعيته البيروقراطية في المؤسسات الرسمية، إذ لم يتمكن الكاتب الشاب من أن يكون جزءاً أصيلاً في الحركة الإبداعية، باعتباره مُمثلاً للمُستقبل الثقافي في الغد القريب، فآثر الابتعاد واختار النفي الإرادي خارج حلبة المنافسة الشرسة بين المُنتفعين وأصحاب القرار، من المُتحكمين في مصائر المواهب الواعدة والناكرين لوجودها، ومن ثم إجهاض محاولات ظهورها كنبت جديد في تربة الإبداع الخصبة، لأن في إعاقة المواهب الشابة بقاء أطول لمسيرة الكبار.
كاتب مصري