تستعد تركيا لزيارة مُحتملة هذا الشهر للرئيس الروسي فلاديمير بوتين لإجراء محادثات مع نظيره التركي رجب طيب اردوغان. وسيكون ملف اتفاقية الحبوب على قائمة القضايا الساخنة في القمة المنتظرة بين الزعيمين. عندما رفضت روسيا الشهر الماضي تمديداً جديداً للاتفاقية التي رعتها تركيا والأمم المتحدة قبل أكثر من عام، وتضمنت إنشاء ممر آمن لتصدير الحبوب عبر البحر الأسود، بدأت تركيا موجة جديدة من الدبلوماسية مع موسكو لحثها على إعادة إحياء الاتفاقية. في الثاني من آب/أغسطس الجاري، أجرى اردوغان وبوتين محادثة هاتفية، لكنّها لم تؤد إلى انفراجة في أزمة الاتفاقية. مع ذلك، فإن اتفاق الرئيسين على الاجتماع وجهاً لوجه يُشكل فرصة للتوصل إلى تفاهم جديد يُعيد إحياء الاتفاقية ويُعالج المطالب التي قدمتها موسكو كشرط للعودة إلى الاتفاقية وعلى رأسها الحصول على إعفاءات من العقوبات الغربية تُتيح لها تسهيل صادراتها من الحبوب والأسمدة.
مع أن اتفاقية الحبوب بعد إبرامها ساهمت إلى حد كبير من الحد من مخاطر اندلاع أزمة غذاء عالمية، إلآّ أن أهميتها بالنسبة لتركيا تتجاوز الفوائد المرتبط بالأمن الغذائي العالمي. لقد ساهمت بشكل معقول في الحد من النشاط العسكري المرتبط بالحرب في منطقة البحر الأسود وأتاحت للرئيس رجب طيب اردوغان استعراض عضلاته الدبلوماسية في إحداث بعض الخروقات في صراع دولي بهذا الحجم. لكنّه، مع انهيار الاتفاقية، بدأت العسكرة في البحر الأسود تتزايد بالفعل وتُنذر بخطر تحول البحر الأسود إلى منطقة صراع بين روسيا والغرب. في الثالث من اب/أغسطس الجاري، تكدست السفن التجارية في ممرات الملاحة بالبحر الأسود وسط شعور بالقلق المتزايد من جانب الشركات العاملة في مجالي التأمين والشحن بعدما أطلقت سفينة حربية روسية طلقات تحذيرية على ناقلة شحن ترفع علم جزيرة بالاو نظرا لعدم استجابة قائدها لطلب التوقف من أجل إجراء عملية تفتيش. سبق أن حذرت روسيا بالفعل من أنها ستتعامل مع أي سفينة تواصل شحن الحبوب من الموانئ الأوكرانية بعد انهيار اتفاقية الحبوب على أنها هدف عسكري معاد.
ما زاد من مخاطر تصاعد العسكرة في البحر الأسود دعوات الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لحلف الناتو إلى المساهمة في تأمين سفن شحن الحبوب. لم تلق هذه الدعوات حتى الآن آذاناً صاغية في الغرب لأن الكثير من الدول الغربية تتخوف من أن تؤدي خطوة من هذا القبيل إلى توسيع نطاق الحرب مع روسيا. بالنسبة لتركيا، فإن إصرارها على الدبلوماسية كسبيل لإعادة إحياء الاتفاقية ومعارضتها لأي مبادرات لمواصلة شحن الحبوب الأوكرانية بمعزل عن مشاركة روسيا، يُفسر إلى حد بعيد قلقها من تصعيد وتيرة العسكرة في البحر الأسود. في الثامن من اب/أغسطس الجاري، قال الرئيس رجب طيب اردوغان إن حل المشكلة المتعلقة بتمديد اتفاقية ممر الحبوب مرتبط بوفاء الدول الغربية بوعودها. وكان يُشير فيما يبدو إلى تصريحات لوزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن قال فيها إن الولايات المتحدة فعلت ما في وسعها من أجل إيجاد حل للمشكلات التي طرحتها روسيا للعودة إلى اتفاقية ممر الحبوب.
في مسعى للحفاظ على دورها كوسيط في الاتفاقية، تؤيد تركيا المطالب الروسية المتعلقة بإزالة القيود التي تقول موسكو إنها تُعرقل تصدير منتجاتها من الحبوب والأسمدة بسبب العقوبات الغربية. مع ذلك، يقول الغرب إن العقوبات التي فرضها على موسكو بعد حربها على أوكرانيا لا تؤثر على تصدير منتجاتها. مؤخراً، استشهد وزير الخارجية الأمريكي بأن صادرات روسيا من الحبوب والأسمدة بعد فرض العقوبات تجاوزت الأرقام المسجلة قبل فترة اندلاع الحرب وبلغت مستويات قياسية. تظهر بيانات سابقة للأمم المتحدة بالفعل أن صادرات الأسمدة الروسية زادت بنسبة 70 في المئة إلى 16.7 مليار دولار في الأشهر العشرة الأولى من عام 2022. سبق أن قدمت الأمم المتحدة مقترحا لروسيا تضمن إعادة شركة مرتبطة بالمصرف الزراعي الروسي إلى نظام سويفت العالمي للتحويلات المالية، لكنّ موسكو رفضت المقترح. يطمح بوتين إلى ما هو أبعد من ذلك بينما يرى في إمدادات الغذاء الأساسية ورقة قوة إضافية للضغط على الغرب من أجل الحصول على إعفاءات أكبر من العقوبات. من بين الإعفاءات التي تطمح لها موسكو إعادة البنك الزراعي الروسي إلى نظام سويفت، لكنّ الدول الغربية لم تُبد حتى الآن أي إشارة على استعدادها للموافقة على هذا الطلب، لأن ذلك من شأنه أن يحدث فجوة كبيرة في نظام العقوبات.
تصعيد العسكرة
إن استمرار تجميد اتفاقية الحبوب لفترة أطول لا يُخاطر بتصعيد العسكرة في منطقة البحر الأسود فحسب، بل يزيد من المخاطر على الأمن الغذائي العالمي. رغم ذلك، تقول روسيا إن الدول الفقيرة لم تستفد أصلاً من اتفاقية الحبوب بالقدر الذي استفادت منه الدول الغنية. وفقا لبيانات الأمم المتحدة، فإن جميع الحبوب المرسلة إلى أفريقيا منذ تنفيذ صفقة البحر الأسود تمثل أقل من 13 في المئة من إجمالي الصادرات، ولم يذهب سوى جزء صغير من هذا كمعونة غذائية لما يسمى بالبلدان المضطربة. كانت مصر وكينيا، وكلاهما لا يقعان ضمن هذا التصنيف أكبر المستوردين الأفارقة في إطار المبادرة ويمثلان ما يقرب من نصف 4 ملايين طن متري المرسل إلى أفريقيا. وبالمقارنة، حصلت إثيوبيا على ما يزيد قليلا عن 282000 طن متري. تمثل بلدان مثل جيبوتي والسودان، التي تتلقى هذه الحبوب بشكل رئيسي كمساعدات غذائية، أقل من ذلك.
على العكس من ذلك، فإن دولا مثل الصين وإسبانيا وتركيا وإيطاليا وهولندا استفادت بقدر أكبر من اتفاقية الحبوب، حيث حصلت على ما يقرب من 65 في المئة من صادرات الحبوب الأوكرانية عبر البحر الأسود بعد إبرام الاتفاقية. مع ذلك، فإن جانباً رئيسياً من الجدل بين روسيا والغرب بخصوص اتفاقية الحبوب مرتبط بصراع الطرفين على استمالة دول الجنوب العالمي الذي يتضرر بشدة من ارتفاع أسعار القمح والحبوب في الأسواق العالمية بمعزل عن الكمية التي تستوردها الدول الفقيرة من القمح الأوكراني عموماً. تطمح روسيا الآن إلى إبرام صفقة جديدة مع تركيا بمعزل عن مبادرة اتفاقية الحبوب تُتيح لها تصدير منتجاتها من الحبوب والأسمدة إلى الدول الأفريقية. وقال سيرغي فيرشينين نائب وزير الخارجية الروسي في الحادي والعشرين من تموز/يوليو الماضي إن «روسيا على استعداد للنظر في الخيارات المختلفة لمواصلة توريد الحبوب إلى الأسواق العالمية» بالتعاون مع أنقرة. لم تُظهر تركيا اعتراضاً على المقترح الروسي، لكنّها تسعى لأن يكون أي تعاون مع روسيا بشأن الصادرات الروسية بالتوازي مع إعادة إحياء ممر اتفاقية الحبوب عبر البحر الأسود.
مع أن تركيا تبدو الآن الطرف الوحيد الذي بمقدوره ممارسة نفوذ على بوتين من أجل إقناعه بالعودة إلى اتفاقية الحبوب، لكنّ قدرتها على فعل ذلك مرهونة بمدى استجابة الدول الغربية للمطالب الروسية. إن البديل عن فشل الجهود الدبلوماسية التركية في إعادة إحياء الاتفاقية سيكون مزيداً من حالة عدم اليقين بشأن الوضع في البحر الأسود واضطراباً متزايداً في إمدادات الغذاء الأساسية العالمية. في الوقت الذي يسعى فيه الرئيس رجب طيب اردوغان إلى إصلاح العلاقات مع الغرب بالتوازي مع الحفاظ على علاقة العمل الوثيقة مع روسيا، فإنه بحاجة مرة أخرى إلى إظهار أن الدبلوماسية التركية لا تزال قادرة على المساهمة في الحد من تداعيات الصراع الروسي الغربي حول أوكرانيا على الأمن الغذائي العالمي. حقيقة أن اتفاقية الحبوب تندرج في إطار تفاعلات جيوسياسية واسعة بين تركيا وروسيا عموماً تجعل من الصعب تجاوز آثار الفشل في إعادة إحياء الاتفاقية على سياق العلاقات التركية الروسية عموماً. وبقدر ما أن بوتين حريص على تحقيق الحد الأقصى من المكاسب من الغرب مقابل إعادة تنشيط ممر اتفاقية الحبوب، فإنه يُدرك أن منح اردوغان نصرا دبلوماسياً جديداً من خلال العودة إلى الاتفاقية يُساعد أنقرة في تعزيز نهجها المحايد في الحرب وتجنب المزيد من الضغوط الغربية لتبني موقف متشدد إزاء روسيا.
مصير اتفاقية الحبوب
منذ انتهاء الفترة الأولى للاتفاقية الحبوب، نجحت تركيا في إقناع روسيا لثلاث مرات متتالية بتمديد الاتفاقية. لكن نجاحاً تركياً محتملاً في تمديد الاتفاقية لفترة رابعة، لن يعني من منظور روسي العودة إلى الاتفاقية الأصلية من دون إدخال تعديلات عليها. على عكس عمليات التمديد السابقة التي وافقت عليها موسكو وكانت في الغالب تقديراً لدور تركيا، فإن بوتين لا يُريد الآن العودة إلى الاتفاقية قبل الحصول على إعفاءات واضحة من العقوبات. قد تؤدي زيارة بوتين إلى تركيا إلى إبداء موسكو صراحة استعدادها للعودة إلى الاتفاقية في حال استجابة الغرب لمطالبها، غير أن الخطوات الغربية اللاحقة بهذا الخصوص ستُحدد على نحو أكبر مصير اتفاقية الحبوب. مع أن العواصم الغربية تُراهن على النفوذ الذي يملكه اردوغان على بوتين لإقناعه بمزايا إعادة إحياء الاتفاقية، إلآّ أن تماهي الخطاب التركي إلى حد كبير مع الخطاب الروسي بشأن مسألة صادرات الحبوب والأسمدة الروسية يجعل من الصعب تصور إعادة تنشيط ممر تصدير الحبوب قبل أن تجد روسيا أنها تحصل على الفوائد التي كانت تطمح إليها عند إبرام الاتفاقية على غرار المكاسب الاقتصادية التي حصلت عليها أوكرانيا.
كانت اتفاقية الحبوب أحد الخروقات الدبلوماسية النادرة التي نجحت تركيا في تحقيقها منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية إلى جانب رعايتها بعض الاتفاقيات لتبادل الأسرى بين البلدين واستضافة وزيري الخارجية الروسي والأوكراني على طاولة واحدة في بداية الحرب. يعتقد اردوغان أن الحفاظ على هذه الاتفاقية يُعظم فرص أنقرة في لعب دور فعال في دفع مسار التسوية السياسية للصراع في المستقبل. بعد محادثته الهاتفية مع بوتين في الثاني من آب/أغسطس الجاري، وصف اردوغان اتفاقية الحبوب بأنها «جسر سلام» وحذر من أن توقف مبادرة شحن الحبوب لفترة طويلة ليس في مصلحة أحد وسيُلحق الضرر الأكبر بالدول المحتاجة للحبوب وذات الدخل المنخفض. إن مصير اتفاقية الحبوب أصبح مرهوناً بشكل متزايد بالزيارة المرتقبة لبوتين إلى تركيا وقدرة دبلوماسية القادة بين أنقرة وموسكو على تجنيب منطقة البحر الأسود والأمن الغذائي العالمي مزيداً من الاضطرابات.