القاهرة- “القدس العربي”: دفعت أزمة نقص النقد الأجنبي خلال الأشهر الماضية، الحكومة المصرية للاقتراض أكثر من مرة لشراء الحبوب.
ومنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير/ شباط 2022، لجأت مصر أكثر من مرة إلى المؤسسات الدولية لتمويلها بقروض لشراء الحبوب الغذائية، تحديدا القمح، وتجاوز إجمالي ما حصلت عليه نحو 1.8 مليار دولار.
مؤخرا وقعت مصر اتفاقا مع الإمارات للحصول على قرض جديد قيمته 500 مليون دولار لشراء القمح.
وزير التموين المصري علي المصيلحي، توقع أن تبدأ بلاده الاستفادة من صفقة تمويل السنوات الخمس بـ500 مليون دولار قدمتها الإمارات لتمويل واردات القمح، في يناير/ كانون الثاني المقبل، في وقت يواجه اتفاق القرض انتقادات تتعلق بتوفير الإمارات القمح من الإنتاج المحلي في مصر، ما نفاه الوزير المصري.
وقال المصيلحي في تصريحات صحافية، إن الاتفاق الذي أُعلن في وقت سابق من الشهر الجاري، ما يزال بحاجة إلى موافقة مجلس النواب، مضيفاً أنه يتوقع أن يصادق البرلمان عليه في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل.
الموعد الذي حدده الوزير لمصادقة البرلمان على اتفاق القرض، يرتبط بعودة مجلس النواب للانعقاد في نهاية اكتوبر/ تشرين الأول المقبل، عقب انتهاء الإجازة البرلمانية التي بدأت مع فض دور الانعقاد الثاني في يوليو/ تموز الماضي.
المصيلحي بين أن شركة “الظاهرة” الزراعية الإماراتية، سيسمح لها بعرض القمح المستورد إلى مصر خلال المشاركة في المناقصات الدولية التي تجريها الحكومة بشكل دوري، وأن سداد هذه الواردات سيكون من خلال التمويل الذي أتاحته دولة الإمارات.
كانت الإمارات اتفقت عبر إحدى مؤسساتها على تزويد مصر بقمح عالي الجودة على مدار خمس سنوات، بقيمة إجمالية تبلغ نصف مليار دولار.
وأبرمت شركة “الظاهرة” الإماراتية مع مكتب أبوظبي للصادرات، اتفاقية شراكة تتضمن صفقة مدتها 5 سنوات تبدأ من 2023 لتزويد مصر بقمح مستورَد عالي الجودة، وبقيمة 100 مليون دولار سنوياً، وفق بيان صادر عن الشركة.
شركة “الظاهرة” تعمل بالفعل في مصر، وورّدت خلال السنوات الثلاث الماضية أكثر من 180 ألف طن من القمح بسعر السوق المحلية للهيئة العامة للسلع التموينية في مصر.
وفي عام 2014، أعلنت شركة “الظاهرة” عن تطلعها إلى التوسع في زراعة القمح في مصر مستهدفة إنتاج 300 ألف طن من القمح، أو ما يعادل 10% من التوريد المحلي بحلول عام 2016، وأكدت أن كل إنتاج الشركة من القمح سيباع في السوق المصرية.
الشركات الإماراتية تزرع القمح في أراضي مصرية وتبيعه بـ”الدولار”
وأوضحت الظاهرة وكذلك الشركة الإماراتية “جنان” حينها أنهما بصدد تغيير استراتيجيتهم والاتجاه إلى زراعة القمح بدلا من العلف بناءً على نصائح الحكومة الإماراتية لتلبية احتياجات مصر المحلية.
“مركز حلول السياسات البديلة” البحثي التابع للجامعة الأمريكية في القاهرة، انتقد اتفاق القرض، وقال إنه استدعى لدى بعض الخبراء مقارنات وتشابهات بالمعونة الأمريكية، التي تشترط فيها الولايات المتحدة على مصر استخدام جزء منها في شراء أسلحة من شركات أمريكية، وإن الأصل في الصفقة، وهو الاقتراض من أجل شراء غذاء قد يكون مزروع محليا، وفي صورته الخام، هو “أمر غير مسبوق”.
وبحسب المركز، فإن الاقتراض من أجل شراء قمح مصري، يثير أسئلة حول ماهية الاستثمارات الزراعية الأجنبية والخليجية في مصر، وشروط التعاقد، وكيفية تحقيق العدالة والاستدامة في تلك الأنشطة الاستثمارية.
وتابع المركز: يتزامن الاتفاق الجديد من نوعه مع مجموعة تحديات تواجهها مصر في توفير القمح اللازم، منها ارتفاع أسعار القمح العالمية بنسبة 9 في المئة، إضافة إلى انسحاب روسيا من اتفاقية الحبوب الشهر الماضي، وهي الاتفاقية التي كانت تسمح لأوكرانيا بتصدير الحبوب رغم الحرب، ما يحرم مصر من تأمين أكثر من 10 في المئة من احتياجاتها القمحية.
تحديات أخرى بحسب الدراسة، تتمثل في نقص العملة الدولارية، وعدم تحقيق مصر هدفها من شراء القمح المحلي سوى بنسبة 91 في المئة، حيث جمعت مصر 3.8 مليون طن من 4 ملايين طن مستهدفة.
وتحت عنوان الاستثمار الزراعي الخليجي في مصر وغياب مقومات العدالة، قال المشروع، أكبر حيازات الأراضي الزراعية السعودية والإماراتية تتركز في مصر والسودان، بسبب قربهم الجغرافي والتقارب السياسي بين هذه الدول، وتتحمل الدولة المضيفة تكاليف البنية التحتية من ترع وأعمال صناعية مقامة عليها ولا يتم تحميلها على المستثمرين، الذين يكتفون بنفقات أعمال الاستصلاح الداخلي.
وتبلغ الحيازات الزراعية للسعودية والإمارات في مصر 450 ألف فدان ما يساوي 5 في المئة من المساحة الكلية المزروعة في مصر، وتمثل الحيازات الإماراتية النسبة الأكبر بـ296 ألف فدان، مقسمة، 143 ألف فدان لشركة الظاهرة، و153 ألف فدان لشركة جنان.
المركز وجه انتقادات للاستثمار الزراعي الإماراتي في مصر، وقال إن بعض التقديرات تشير إلى أن شركات مثل “الظاهرة” و”جنان” توظف 200 شخص فقط- مصريين وأجانب- في مواقعها في مصر، وهو عدد أقل بكثير من العمالة المطلوبة لزراعة مساحات مماثلة بالوادي والدلتا، كما أنه رقم يبتعد كثيرًا عن أحد أهم أهداف مشروع توشكى وهو خلق 450 ألف وظيفة سنويا.
وزاد: لم تلتزم تلك الشركات بالشروط التعاقدية والتي تسمح لهم بزراعة نسب منخفضة (5%) من المحاصيل عالية الاستهلاك للمياه، مثل: البرسيم الحجازي، وما زالت مستمرة في زراعتها بشكل موسع بلغ 25% من إجمالي الزراعات.
البيع بأسعار غير عادلة، كان أحد الانتقادات، وتناول المركز البحثي، ما ذكره الجهاز المركزي المصري للمحاسبات في تقرير عام 2014 أنه تم التصرف بالبيع في أراضي المشروع لشركة “الظاهرة” بسعر 50 جنيها للفدان في 2005، بينما بلغ سعرها السوقي آنذاك حوالي 11 ألف جنيه، ما أثار دعوى قضائية ضدها في 2011، حصل فيه الطرف المصري على حكم مبدئي لصالحه قبل أن يغلق الملف بأكمله لعدم استكمال التحقيق، لتستأنف الشركة الإماراتية أعمالها.
وقال المركز، إن اتجاه الدولة إلى تخصيص موارد وأراضي للاستثمارات الزراعية الخاصة والأجنبية في العقود الأخيرة تزامن مع انخفاض دعمها للمزارعين أصحاب الحيازات الصغيرة وتقلص فرصهم في الوصول إلى الأراضي أو التمويل، مؤكدا أن نمط الزراعة المعتمدة على العمالة المحلية والإنتاج التعاوني والتملك الجماعي للأرض، يحقق تنمية أكثر عدلًا واستدامة، وقد يؤدي إلى إنتاجية أعلى من مجموع الاستثمارات الأجنبية، بشرط دعم الدولة وتيسير آليات تمويلية مبتكرة.
ويكفي مخزون القمح المصري لتغطية 4.7 أشهر من الاستهلاك المحلي بحسب وزير التموين المصري.
ومصر التي يبلغ عدد سكانها 104 ملايين نسمة، تعد أكبر مستورد للقمح في العالم بمتوسط سنوي يتجاوز 13 مليون طن، بينما تستهلك 22 مليون طن كل عام.
وتواجه مصر أزمة اقتصادية طاحنة، ونقصا في العملة الصعبة وخسر الجنيه حوالي 50 بالمئة من قيمته أمام الدولار بعد خفض قيمته عدة مرات منذ مارس، حيث تضررت البلاد من أزمة الحرب الروسية الأوكرانية التي رفعت أسعار المواد الأولية، وخروج مبالغ كبيرة من الأموال التي كانت مستثمرة في أدوات الدين المحلية، إلى جانب ارتفاع معدلات الفائدة عالميا.
وتتهم المعارضة السلطة بالتسبب في الأزمة بتبنيها سياسة الاقتراض والاستدانة خلال الأعوام الماضية.