عازفة الماندولين الإيكارية… الحب والفن ينتصران

هذه رواية لإنجيل عزيز.. السكندرية المولودة من أب مصري وأم يونانية، دارسة الهندسة وعلوم الذرة، والمفتونة بالأدب والموسيقى. عنوانها «عازفة الماندولين الإيكارية.. حلم في شوارع الإسكندرية» قد تتصورها سيرة مما فيها من حقائق، لكنها رواية بما فيها من خيال. استوحتها الكاتبة من سيرة والدتها عازفة الماندولين في الإسكندرية. تبدأ بالأصول في جزيرة إيكاريا في اليونان. وإيكاريا جزيرة شهيرة جاء اسمها من الإله إيكاروس اليوناني. تفاصيل ولغة مدهشة تصور ما جرى للعائلة في إيكاريا من حب وحرب واستيلاء الألمان على اليونان في الحرب العالمية الثانية، وبالطبع على الجزيرة. كيف هربت أنستاسيا الفتاة الثالثة لأختين توأمين هما ألبيدا وإليسا إلى الإسكندرية، بينما هربت أختاها الأكبر قليلا إلى معسكر إنكليزي في ميدنة حلب في سوريا وأسباب هذه الفرقة الاضطرارية. كان أهم ما حرصت عليه أنستاسيا هو آلة الماندولين التي أهداها يوما سانت كلوز في عيد الميلاد لأمها التي فارقت الدنيا بعد أبيها في وقت مبكر.
تفاصيل هذا الفراق المؤلم المبكر لهما عن الدنيا.. رحلة الهروب في السفينة مذهلة، تفاصيل الرحلة في النهار والليل والهاربون، ومقابلتها لشخص يوناني اسمه ستافروس أنيق جميل رأت فيه أملا وهي لا تنسى أمها في نومها أو خيالها. كان ستافروس مشجعا يقول لها انتِ شجاعة لا تستسلمي، وهي تعاني من أعراض دوار البحر من قيء ودوخة حتى وصلوا الإسكندرية، تم نقلها إلى المستشفى اليوناني، ووصف رائع للإسكندرية، التي أيضا على روعتها كانت تعاني من الغارات من قوات المحور. في المستشفي وصف لحياة المرضى تحت ظلام الغارات وبعدها وعمل الأطباء والممرضات العظيم. توضع في الغرفة رقم «13» وهو رقم شؤم، لكن معها امرأة أربعينية هي مدام كلارا تشجعها رغم مرضهما معا، والنزف من صدريهما وأعراض البرد العجيبة. حوارات رائعة مع مدام كلارا، التي كانت أشهر عازفة ومغنية في الإسكندرية، فكانت تعزف وتغني لإديث بياف في الغرفة ويتجمع المرضى، ولم يعد رقم 13 شؤما.
في فصل رائع تحدثها مدام كلارا عن الإسكندرية وشوارعها ومن عرفتهم من الكتاب والفنانين، تحدثها عن شوارع فؤاد وسعد زغلول والنبي دانيال، ومحلات وبارات ومطاعم مثل، تريانون وديليس وباستاراودس وأتينيوس، التي كانت تعزف فيه البيانو وطريقة جلوس الناس خارجه وداخله، وحدائق أنطونايدس والشلالات والمنتزه، ونوادي مثل نادي محمد علي، الذي كان مكانا للفنون ونادي سبورتنغ، وكتّاب مثل داريل وكفافيس وجورج سيفيرس، وأحيانا تحية كاريوكا التي ترقص في أحد الكافتيريات. تستغرق في شرح كل معالم كوزموبوليتانية المدينة، ومن يسكنها من كل الأجناس ويعيشون في سلام. فصل رائع أبكاني على زمن مضى، كل ذلك وهما في المستشفى لم تبرآ من المرض بعد، كأنها تعطيها الأمل وهي تنهي الرحلة بالحديث عن فندق سيسيل ومن نزله من المشاهير مثل، تشرشل وأم كلثوم وجوزفين بيكر وأجاثا كريستي وهنري مور وغيرهم. كانت أنستاسيا تتقدم في العزف تعلمها مدام كلارا المهارات، وبعد شهرين قلّت أعراض البنيومونيا أو الالتهاب الرئوي. سمح للمرضى بدخول الصحف، وكانت مدام كلارا تقرأ الصحف الفرنسية، فطلبت منها أنستاسيا أن تعلمها الفرنسية، فهي لغة تصل إلى القلب، ومرت الأيام تشعر بها انستاسيا بالساعة والدقيقة. كل وقت تحدثها مدام كلارا عن تاريخ الإسكندرية عبر العصور والهجرات إليها قديما وحديثا.

هنا تأتي قصة الحب بين الأحداث وتتطور ويطول فيها الحديث، لقد أحبته أنستاسيا حبا عظيما. على الناحية الأخرى كان هناك الأمير علي برهان قد وقع في غرامها. وباعتباره أميرا لا يوافق ان تحب غيره.

وكيف وفدت هي إليها من باريس، ولم تعد إذ فتنتها المدينة. جذبتها كوزموبوليتانية المدينة وأحداثها الفنية وعرف كثيرا من الموسيقيين مثل مستر إيمانويل بيناكي قائد أوركسترا نادي محمد علي، الذي كان يقيم الحفلات في فيلته في الحي اليوناني. أحداث كثيرة حتى جاء يوم خروج أنستاسيا ومدام كلارا من المستشفى. صارت أنستاسيا تسكن مع مدام كلارا، وجدت نفسها في قلب المدينة الكوزموبوليتانية حتى الطعام عرفت الفارق بينه لدى الجاليات، وتبدع الكاتبة في ذلك، فللإيطاليين الباستا وصلصة الثوم، ولليونان رائحة خليط من الثوم والزعتر مع اللحم، وللمصريين الملوخية والفسيخ، وللبنانيين الكبة والمنقوش، وما للأرمن واليهود وغيرهم. ما زالت الغارات والنوافذ المغطاة بالورق الأزرق والسيارات الملونة بالأزرق. حدثتها مدام كلارا كالعادة عن الباشوات وشرحت لها المراتب من الباشوية للبكوية للشيخ ومعناها، وخرجتا من المستشفى. رأت أنستاسيا المدينة بكل تجلياتها في العمارة والناس. حديث عن الحرب العالمية الثانية وكيف وصلت قوات المحور إلى مرسى مطروح واستولت عليها، وأخذت طريقها إلى الإسكندرية لتقترب من مدينة العلمين. اليهود وكيف كان خوفهم من الألمان كبيرا وهجرة بعضهم من المدينة. الإيطاليون كانوا في وضع صعب منذ شارك موسوليني هتلر في الحرب في مايو/أيار 1939 فأقيمت لهم معسكرات خاصة. كثيرون تركوا وسط الإسكندرية إلى أطرافها في أبوقير وسيدي بشر أو رشيد، لكن كان هناك من يعيشون حياتهم فالكورنيش المليء بالعربات المسلحة يجلس فيه الناس يأكلون الذرة المشوية، والسينمات تعمل وعليها زحام، والنشاط الفني في المدينة مستمر في الملاهي وقاعات الموسيقى فالحياة الفنية مستمرة.

استمرت أنستاسيا في التدريب على الماندولين ودراسة الموسيقى وساعدها ستافروس عازف الفيولين فلا فرق بين الاثنين في المقامات الموسيقية، واقترحت عليها مدام كلارا أن تشاركها في العزف في أتينيوس. كان أتينيوس مكان كلارا الذي غابت عنه ستة أشهر، ووافقت أنستاسيا وحضر الحفل باشوات يضيق المقال عن أسمائهم كما سيحدث في كل حفل. كانت أنستاسيا تتوق إلى مثل هذا اليوم وأدت أداء مذهلا هي كعازفة ماندولين ومدام كلارا كعازفة بيانو ومغنية، وانتقلت نقلة عظيمة للعزف في مسرح محمد علي أو أوبرا الإسكندرية، ومن كان وراء كل ما يحدث من المشاهير. أُعلن عن الحفل في يونيو/حزيران 1942 وروميل يقترب من العلمين وحديث سياسي عن حزب الوفد وحادث 4 فبراير/شباط في العام نفسه، وتولي النحاس باشا رئاسة الوزارة بواسطة المندوب السامي البريطاني مايلز لامبسون. دائما تمزج الكاتبة ما هو عام بما هو خاص فتقدم إليك صورة رائعة عن البلاد. تصوير أجواء الحفل والحاضرين ومن بينهم الشاب مراد بك الذي وقع في غرام أنستاسيا.

هنا تأتي قصة الحب بين الأحداث وتتطور ويطول فيها الحديث، لقد أحبته أنستاسيا حبا عظيما. على الناحية الأخرى كان هناك الأمير علي برهان قد وقع في غرامها. وباعتباره أميرا لا يوافق ان تحب غيره. راقبها هي ومراد بك وأرسل من يتجسس عليهما في دراما سينمائية فائقة الروعة، رغم الألم والدراما النفسية في روح أنستاسيا، التي لا تستطيع الابتعاد عن حبيبها وتعيش أيضا في رعب عليه. حاول الأمير علي برهان اغتيال الشاب مراد بك مرتين وتمت إصابته بالرصاص في كتفه وذراعه ودراما الأحداث تجري بك بين الفصول. دراما رفض عائلة الشاب مراد بك الباشوات أن يتزوج من فنانة لأن أصولهم صعيدية من جنوب مصر، والزواج هناك يكون بين الأقارب حفاظا على الأملاك والسمعة. في النهاية لم يجدا هي والشاب مراد بك إلا الهروب من الإسكندرية إلى كازابلانكا في المغرب في طريقهما إلى أمريكا. يحدث هذا في الوقت الذي صارت فيه تعزف في أوبرا القاهرة أيضا، وتلتقي بفنانين عالميين وتزداد شهرتها لكنه الحب. تنتهي الرواية وتكون قد عرفت الكثير حقا عن جزيرة إيكاريا اليونانية وعن الإسكندرية والحرب العالمية الثانية في لغة فنية وطريقة تعبير تجعلك ترى وتعيش كل شيء من القصور إلى الشوارع والموالد، وتستعيد مدينة عظيمة تكالب عليها الجهلاء، ففقدت اسمها وتاريخها، وتتقلب المواجع والألام بمن هم مثلي رأي ذلك في صباه وشبابه، وكتب عنه روايات. لكن الرأفة تأتي من الكتابة فائقة الجمال وتطور الأحداث الخاصة بين ما يحدث في العالم، والطموح العظيم في وقت يتقاتل فيه العالم ويشيع الخراب ولا يخلو من الأشرار، وترتفع في النهاية راية الحب والفن في السماء.

روائي مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية