آفي شلايم في «ثلاثة عوالم: مذكرات عربي ـ يهودي»: العراقيون اليهود في إسرائيل ما زالوا متمسكين بهويتهم العراقية

سمير ناصيف
حجم الخط
2

يكتسب كتاب البروفيسور آفي شلايم، الأستاذ في جامعة اوكسفورد البريطانية بعنوان «ثلاثة عوالم: مذكرات عربي ـ يهودي» أهمية خاصة، ليس فقط لتأكيد الكاتب بأن المواطنين العراقيين اليهودي الانتماء الديني الذين هُجِروا قسراً من وطنهم العراق عن طريق إرهابهم من قِبل عصابات صهيونية زُرِعت بينهم وقامت بعمليات تفجير ضد مراكز يهودية ثقافية ودينية في العاصمة العراقية (قبل وخلال عام 1950) بل لأنه يوضح بصدق ووجدانية، وعبر التحليل الموثق، استمرار تمسك عدد كبير من أبناء الجالية اليهودية العراقية بهويتهم العراقية حتى بعد اضطرارهم إلى الهجرة الجماعية إلى إسرائيل بين عامي 1950 و1951 وعلى مراحل تبعت اعتداءات «الفرهود» التي ارتكبت ضدهم في الأسبوع الأول من حزيران (يونيو) 1941 والتي نفذتها مجموعات عراقية متشددة ضمت ضباطاً في الجيش والشرطة جرت معاقبتهم لاحقاً. وقد غطى الكاتب هذه الأحداث في الفصل الخامس.
شلايم كان في الخامسة من عمره عندما هاجرت عائلته إلى إسرائيل حيث عانت اقتصادياً واجتماعياً هناك بعدما كانت في أفضل أحوالها المادية والاجتماعية في بغداد وكان والده تاجراً محترماً يمتلك علاقات وثيقة بالمواطنين والمسؤولين العراقيين.
وبعدما كانت والدته (سعيدة) سيدة مجتمع تتهافت على التعاطي معها سيدات المجتمع العراقي آنذاك فهي تحولت بعد الهجرة إلى إسرائيل إلى عاملة هاتف في مؤسسة للخدمات اضطراراً لإعالة عائلتها بعدما أصبح زوجها عاطلاً عن العمل في إسرائيل وماكثاً في منزل متواضع يستمع فيه إلى الأخبار والموسيقى باللغة العربية لعدم تمكنه التحادث بالعبرية التي لم يتعلمها ولم يمارسها ولاستمرار انتمائه الحضاري والثقافي إلى العربية الذي ربما أدى إلى طلاقه من زوجته بسبب غربته ومن ثمة وفاته وحيداً في منزله المتواضع الصغير في إسرائيل في عام 1970.
حصل شلايم على كثير من المعلومات حول حياة العرب اليهود في بغداد من والدته سعيدة بالإضافة إلى أبحاثه في جامعة اوكسفورد ولقاءاته مع أشخاص عرب يهود من الأجيال التي عاشت في بغداد قبل انتقالها إلى إسرائيل.
يستهل شلايم الفصل الأول بالقول إنه «فشل في دراسته وفي علاقاته في السنين الأولى لحياته بسبب إصابته بعقدة نقص نظراً لأن المجتمع الإسرائيلي آنذاك كان عنصرياً تجاه اليهود الوافدين إلى إسرائيل من دول عربية وشمال أفريقيا، وكانت تتحكم فيه المجموعة اليهودية العنصرية الوافدة من أوروبا (الاشكناز) التي احتقرت اليهود (السافارديين) الآتين من مجتمعات شرقية واستخدمتهم للزيادة الديموغرافية على حساب العرب الفلسطينيين الذين بقوا في بلدهم فلسطين بعد عمليات التهجير العنيف الذي مارسته العصابات الصهيونية ضدهم للاستيلاء على أراضيهم ومنازلهم وحقوقهم.
ويقول شلايم جملةً معبّرة في الفقرة التمهيدية للفصل الأول وهي: «صرت بعد الهجرة من العراق إلى إسرائيل ولداً عربياً في أرضٍ أوروبية يهيمن عليها الأوروبيون اليهود ويقبع في أسفلها العرب والأفارقة اليهود». (ص 5).
ويعتبر ان هذا الواقع المؤلم كانت له حسناته، إذ ساهم في اكتسابه قدرة حرة على تجاوز العنصريات القومية في المراحل التالية من حياته وفي اختياره موقعاً متوازناً بالنسبة للصراع العربي ـ الإسرائيلي وللحقوق الفلسطينية المشروعة.
ويوضح المؤلف انه في شبابه تحمس لبعض مواقف أحزاب يمينية إسرائيلية كانت تستخدم سياسياً أوضاع اليهود الشرقيين الوافدين إلى إسرائيل من دول عربية وأفريقية لمصالحها السياسية. ولكن حرب 1967 قلبت رأساً على عقب مواقفه في هذا المجال، حيث يقول في الفصل الختامي: «إن حرب الأيام الستة (1967) بدلت نظرتي إلى دولة إسرائيل. ولم تحدث خيبة أملي في هذا المجال فجأة بل على مراحل بلغت ذروتها في حرب 1967 عندما تحولت بنظري إسرائيل إلى دولة كولونيالية تقمع الفلسطينيين في الأراضي التي احتلتها في تلك الحرب. وبعد إعادة نظر في مواقفي السابقة، اتضح لي بشكل مباشر بان دولة إسرائيل أنشأتها حركة أوروبية استعمارية استيطانية. فسنتا 1948 و1967 كانتا مرحلتين في عملية استيطان مخطط له صهيونياً للاستيلاء على فلسطين بأكملها. إن بناء المستوطنات على الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد حرب 1967 شكّل استمراراً للمشروع الصهيوني الكولونيالي الذي بدأ قبل ذلك. ففي حرب 1948 مارست المجموعات المسلحة الصهيونية التطهير العرقي في فلسطين ما هجّر قسرا أكثر من نصف السكان الفلسطينيين. وفي عام 1967 تم تهجير ربع مليون فلسطيني من الضفة الغربية، وبعضهم هُجر قسراً للمرة الثانية». (ص294).
عمليات التهجير هذه وما تلاها حتى الآن برأي الكاتب حولت إسرائيل إلى دولة فصل وتمييز عنصري ضحاياها أبناء الشعب الفلسطيني. أما ضحايا الصهيونية القاسية الآخرين فكانوا، حسب شلايم اليهود الشرقيون الذين هُجروا قسراً من بلدانهم الشرق أوسطية والأفريقية، وبينهم عائلة الكاتب والعائلات العربية اليهودية التي كانت تعيش حياة أفضل في بلدها.
ويعتبر شلايم أن هناك تشابها في تعامل المنظمات «الصهيونية القاسية» التي تسللت إلى العراق في الأربعينيات من القرن الماضي ونفذت تفجيرات ضد المراكز اليهودية هناك أدت إلى الهجرة الجماعية ليهود العراق مع عمليات قمع نفذتها هذه المنظمات «الصهيونية القاسية» في فلسطين، إذ انه بنتيجة ما فعلته هذه المنظمات في العراق انتقل قسراً ما يوازي مئة و25 ألف عراقي يهودي من العراق إلى إسرائيل نتيجة للترهيب والتفجير التي نفذته هذه العصابات في العاصمة العراقية خصوصاً.
ويضيف: «الصهيونية القاسية لم تحول فقط الفلسطينيين إلى لاجئين بل حولت اليهود الشرقيين إلى غرباء في أوطانهم الأصلية. ولم تنفذ تلك الصهيونية تقسيم فلسطين فحسب بل قسمت في عام 1947 ـ 1948 وبعده التعايش الإيجابي بين اليهود الشرقيين ومواطنيهم الآخرين في دول الشرق الأوسط وأفريقيا وخصوصاً بين اليهود والمسلمين والمسيحيين في العراق». (ص 296).
في الفصل السابع يوضح شلايم بالوقائع والأرقام أن عامي 1950 و1951 كانا الأسوأ بالنسبة إلى العراقيين اليهود، ففي خلال عام غادرت أكثريتهم بلدهم الأصلي باتجاه إسرائيل (وبينهم عائلة الكاتب) ولم يبق في العراق سوى ستة آلاف عراقي يهودي (العدد الفعلي بالأرقام للعراقيين اليهود) الذين هاجروا بين حزيران (يونيو) 1950 وحزيران (يونيو) 1951 كان مئة وعشرة آلاف ليصبح العدد الإجمالي لهؤلاء مئة و25 ألف في فترة 1948 إلى 1953. وكان التعايش اليهودي الإسلامي قبل ذلك نموذجياً، برأي الكاتب وحسب مصادر أبحاثه. وتتذرع أوساط صهيونية بان عدداً كبيراً من المهاجرين اليهود من العراق فعلوا ذلك برضاهم بعد اعتداءات «الفرهود» عام 1941 والتعديات المباشرة وغير المباشرة التي خططتها ونفذتها أحزاب فاشية عربية تأثرت بالنازية الألمانية وبكرهها لليهود في العالم. في المقابل فإن التفجيرات التي حدثت ضد المراكز اليهودية في بغداد (حسب شلايم) نفذ ثلاثة منها على الأقل عملاء صهاينة الاثنين الآخرين على الأرجح أطراف قومية عراقية متعصبة دينياً.
العملية الأشد خطورة ضد يهود العراق. نُفذت في 14 كانون الثاني (يناير) 1951 عندما رميت قنبلة ضد كنيس سعيدة شيمتوب في بغداد ما أدى إلى مقتل أربعة عراقيين يهود وجرح عشرين آخرين. ولم يؤكد الكاتب هوية مرتكبيها ولكنه أشار إلى إمكان ارتباطهم بجهات عراقية قومية متعصبة كانت تسعى إلى المزيد من هجرة اليهود، أو بدوافع شخصية.
أما التفجيرات الثلاثة التي تأكد شلايم من ان الجهة الصهيونية ارتكبتها، فقد نجح الكاتب (من خلال اتصالاته بأصدقاء لوالدته في إسرائيل كانوا على علم بالخطط الصهيونية التهجيرية ليهود العراق) في كشف هوية مفجريها. واثنان منهما قبضت عليهما السلطات العراقية آنذاك ونفذت فيهما حكم الإعدام، وأحدهما اسمه يوسف بصري والآخر مساعده شالوم يوسف شالوم، وكان يديرهم من طهران (في عصر شاه إيران) مسؤول الاستخبارات الإسرائيلية «الموساد» هناك ماكس بينيت، الذي أدار عمليات تفجير مشابهة في مصر بعد ذلك بسنوات قليلة وقبضت عليه السلطات المصرية وسجنته فانتحر في السجن. وهذه المعلومات واردة بالتفصيل في الفصل السابع.
بالنسبة لهوية صديق والدة شلايم الذي أبلغه بتفاصيل عمليات التفجير في بغداد عام 1950 ـ 1951 فاسمه ياكوف كاركوكلي، وكان عضواً في الخلية الصهيونية في بغداد ويعرف تفاصيل كثيرة عن عمليات التفجير وقرر الكشف عنها الكاتب في المراحل الأخيرة من حياته (اجتمع به شلايم في صيف وفي خريف عام 2017) وهو عراقي يهودي ولد في بغداد عام 1928 وسُجن عدة مرات في العراق لنشاطاته الصهيونية. (ص 131). ومن بين هذه النشاطات إبلاغ القيادات الصهيونية في إسرائيل عن نوعية وكميات الأسلحة التي كان يتسلمها الجيش العراقي عام 1948.
يقول شلايم إن كاركوكلي، وعددا من الذين عملوا مع الاستخبارات الصهيونية في العراق لم يتحولوا إلى مناوئين لإسرائيل بعد ذلك ولكن مخبره اقتنع بإبلاغه هذه الأسرار خدمةً للحقيقة التاريخية وبسبب صداقته لوالدة الكاتب، وانه فعل ذلك بعد تردد كبير وبعد تأكده ان شلايم سيذكر في كتابه بأن اثنين من التفجيرات الخمسة لم ترتكبها المجموعة الصهيونية وخصوصاُ التفجير الذي أدى إلى إزهاق في الأرواح اليهودية في كانون الثاني (يناير) 1951 والذي نسبه كاركوكلي إلى شخص اسمه صالح الحيدري، وهو مسلم سني من سوريا كان على خصومة مع بعض العراقيين اليهود الذين اتهموه بالاحتيال واشتكوا عليه إلى الشرطة ما أدى إلى سجنه فانتقم برمي القنبلة بعد خروجه من السجن». (ص 135).
ويوضح شلايم موقفه إزاء الحل الذي برأيه هو الحل العادل بالنسبة للشعب الفلسطيني وللعرب اليهود الذين هُجروا من أرضهم ولباقي سكان فلسطين من عرب فلسطينيين ويهود رافضين لدولة الابارتيد فيقول: «على الرغم من ان كثيرين من سكان إسرائيل اليهود (وبينهم بعض أقربائي) يرفضون إطلاق لقب دولة ابارتيد على إسرائيل فأنا أعتقد أن عليهم أن يرضخوا لهذا الواقع. أنا أرفض الوضع الحالي لإسرائيل، وكنت أؤيد حل الدولتين بالنسبة إلى الصراع العربي ـ الإسرائيلي الذي تؤيده المجموعة الدولية، والذي قبلت به منظمة التحرير الفلسطينية بعد توقيعها على اتفاقيات أوسلو عام 1993 ولكن إسرائيل لم تنفذ جهتها من الاتفاق واستخدمته لإعادة تغليف عمليات الاستيطان على الأراضي الفلسطينية. إنها تنفذ مشروعا كولونياليا لإنشاء دولة إسرائيل الكبرى على حساب الفلسطينيين. الآن أنا أدعم مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين من نهر الأردن إلى البحر الأبيض المتوسط برغم استمرار أكثرية الإسرائيليين في مشروع الدولة اليهودية. فالدولة الواحدة الديمقراطية مفيدة لهم أيضاً كما حدث في جنوب أفريقيا بعد القضاء على النظام العنصري هناك ولعلاقة إسرائيل بجيرانها في الشرق الأوسط».

Avi ShlaimM «Three Worlds: Memoirs of an Arab – Jew»
One World Publications, London 2023
Pages 324.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية