أهمّ ما يجب البدء به أثناء الحديث عن أفلام من قبيل «أوبنهايمر» «توب غان» «أفاتار طريق الماء» وهي أفلام عظيمة في أي معيار حكّمناه – ضمن متطلبات الصناعة والفن – قدرتها على خلق صخب ونقاش ملتهب يُنعش الصناعة (صناعة السينما) في زمن كثر فيه الحديث عن المنصات، وموت السينما الوشيك؛ خصوصا أنّ نزولها أعقب أزمة إغلاق دور العرض. ولا بدّ أن نتذكر هنا همسة ستيفن سبيلبيرغ في أذن توم كروز وهو يهنئه بنجاح فيلمه «توب غان»، لقد أنقذت صناعة السينما»، وهي صدقاً عبارة في محلها تماماً إذا استحضرنا ظرفية عرض الفيلم بعد أزمة الإغلاق، وتردّد الجميع في تحديد موعد نهائي لعرض فيلمه مخافة انتكاسة، «توب غان» ونجومية توم كروز كانا سببين في إعلان عودة الجمهور إلى القاعات في زمن حساس جداً.
الصراع المحموم بين «أوبنهايمر» و»باربي» ـ بغض النظر عن أي كلام عن حجم الترويج لهذا التنافس – يقول لنا إن قاعات السّينما تحييها مثل هذه الأحداث/الأفلام، كما يقول إنّ اسم نولان لوحده صار ترويجا لأي فيلم يُنجزه، هذا التقدير لا يخطئ وجهته عندما يتعلّق الأمر بمخرج يصرّ على عدم استخدام «الصور التي يطوّرها الكومبيوتر» والحفاظ على جمالية الإبهار البصري المتولد عن عين الكاميرا أساسا. تقول وأنت تشاهد أيّا من أفلامه، إنه فيلم لكريستوفر نولان، أنت ملزم بالاستعداد لركوب قطار سرد غير اعتيادي، فلا فرصة أمامك لمشاهدة قصّة بسرد خطّي. «أوبنهايمر» هو مسارات ومنعرجات وتنقّل عبر تفرّعات زمنية، دون تحديد تواريخ أو سياق.. كما أنّ المشاهد تنتقل بين التلوين والأبيض والأسود، بل تتغير أحيانا في منتصف المشهد نفسه. صحيح أن هذه الانتقالات لا تتخذ حدة فيلم «تينيت»، لكن مع ذلك يتسرّب لك الإحساس بأنّ بعضها مقحم، «نولان رغم خيبة تينيت التي كان مصدرها الأساس هو الارتجاج في خطّية السّرد لم يحِد عن أسلوبه، رغم أنه في «تينيت» بدا أكثر إصرارا على فكرة/ أسلوب، كان يمكن أن يتّخذ مسارا آخر، القليل من ذلك حاضر في «أوبنهايمر»، أنت مثلا لا ترى مبرراً لقطع الحديث في نقطة مهمة من التحقيق مع «اوبنهايمر» وهو بصدد شرح وجهة نظر ما، ثم العودة إلى الماضي فالرجوع إلى تكلمة المشهد بجملة واحدة كان أنسب أن تقال قبل هذا القطع.
تهمس وأنت تحس بهذه المنعرجات إنّه نولان! ومن الجيّد أنه حوّل سيرة إلى صرح معماري بهذا التعقيد والجمال، وأن أسلوبه ذاك كان عكسا لما يعتمل في عقل أوبنهايمر وهو يخوض صراعا أخلاقيا داخيا بين فداحة ما صنعته يداه وما يمكن أن يقوم به لتقليل أضرار صنيعه. كانت خيبة من شاهد الفيلم في رؤية انفجار القنبلة في شكل آخر، غير تجربة تفجير قنبلة «فات مان» التي رأى فريق أوبنهايمر أنّ تجربتها أمر ضروري بعكس القنبلة الثانية، التي كانت مضمونة النجاح، دون الحاجة إلى اختبارها، كان التوقّع أن يكون انفجارا يدوم لوقت أطول، أو أن يكون فوق أرض هيروشيما وناكازاكي، ورؤية عبقرية نولان في تصوير الدّمار على أرض الواقع وأن يدوم الإشعاع على الشاشة أطول، ومشاهدة وقع الجحيم على الناس وعلى الأرض، كان ذلك كفيلا بخلق توازن بين فداحة الفعل، ونوع من التطهير على الأقل، لا شيء من ذلك التوقع حصل، كان الجميع متحفزا لشيء ما لم يكن موجودا في الفيلم، لكن بدل ذلك كان انعكاس الجحيم في تعابير أوبنهايمر، أي استنطاق هذه الفداحة عبر تعابير صانعها!

روبرت داوني جونيور و كيليان مورفي في الفيلم
يستطيع الفيلم دون أدنى شك، هدم بعض الانتقادات التي واجهتها بعض أفلام نولان مثل افتقاد النهج السردي إلى العمق العاطفي، بحيث تصير الحبكة انتقالا ميكانيكيا يطغى على تطوّر الشخصيات ونموّها، فلا وقت أمام المشاهد للتواصل مع الشخصيات وبناء وجهة نظر إزاءها، بل على العكس في «أوبنهايمر» هناك عاطفة طافحة بيننا وبين الشخصيات، حتّى إن كانت شخصيات تقف ضدّ أوبنهايمر مثل لويس شتراوس، في دور بديع لروبرت داوني جونيور، الذي حجبت شخصية «أيرون مان» الكثير من قدراته وحرمت الجمهور من ممثل بموهبة كبيرة، مثل ما قدّمه في: «شابلن» (1993) «زودياك» (2007) «رعد استوائي» (2008)، في أوبنهايمر» صار بامكانه أن يقول أنا أكبر من ذلك الزي الحديدي. وصار بإمكان الجمهور أن يكتشف موهبته بعيداً عن فضاءات استوديوهات مارفيل، أنت تحس من المشهد الأوّل أن وراء هذه الشخصية قصّة ما، هذه الملامح الخادعة المحتمية بجدية وحس نكتة مفتعل وشعور واضح بنقص مجهول المصدر، هذا الخليط تطوّر رغم ارتباك خط السرد في اتجاه سعيه للانتقام حتّى إن كان ذلك عبر القضاء على مسيرة أحد العباقرة ممن يعلم هو تحديدا براءته وكفاءته، الآن صار بإمكانه اختبار وقع تمثال الأوسكار بين اليدين، بل تجهيز خطاب لتلك المناسبة.
كيليان مورفي أيضاً، تسلّق مع نولان السّلم من عتبته الأولى إلى أعلى درجة، ففضلا عن حضوره في ثلاثية «فارس الظلام»، اقترنت مسيرته بالمخرج في «أنسيبشن» و»دونكيرك» ها هما الآن يحقّقان معا قفزة كبرى، ممثل كان بحاجة إلى مساحة تلائم موهبته، وهو الذي حقّق مجدا كبيرا بعيدا عن الشاشة الكبيرة في مسلسل «بيكي بلايندرز»، وجعلنا نعترف أنّ جزءا كبيرا من الجمهور جاء لمشاهدة الفيلم على هذا الاعتبار جاء لمشاهدة «توماس شيلبي» (اسمه شخصيته في المسلسل)، الآن قفز إلى مستوى آخر في مسيرة متمهّلة ومصرّة ومنتظرة للحظة تفتق، كان أداؤه المرتكز على التعبيير عن العزلة والابتعاد عن الناس، ثم الإحساس بسوط الندم بعد الوعي بهول ما أقدم عليه عظيما، سواء في حق «جين تاتلوك» أو في حقّ العالم الذي أعلن أنه صار مدمره، كانت الأحداث نافذة على هول الحدث رغم أن «الكلوس آب» حاصره طيلة الفيلم، ظلت وتيرة التعبير نفسها، بل تماهت مع توتر الحدث إلى نهايته.
ناقد سينمائي من المغرب