الجسدية المُهينة في عرض «الحليب الساخن» للفرنسية المعاصرة جينا بان

حجم الخط
0

لا يختلف اِثنان في مقدار مأساوية مخلفات الحربين الأولى والثانية، وما زرعته من يأس وتلاش لدى البشرية. وهي نتائج مثلت – بلا شك – المحرك الأساسي لإرادة شاملة في النهوض من جديد، عبر مراجعة معايير القيمة الإنسانية، وإعلاء شأن الفرد وإعادة النظر في تجارب معرفية جمالية سابقة، وخوض تجارب جديدة وليدة عصرها، قادرة على خدمته ومحاكمته في الآن ذاته.
أدى هذا الصخب والغليان إلى ولادة أنماط فنية جديدة نادت بالتجديد ونددت بالتقليد، لاسيما في ما يتعلق بالتمايز بين الرجل والمرأة. كما استلهمت الكثير من الثقافة الوافدة بفعل تأثيرات الاستعباد أولا، فروافد الاستشراق ثانيا، ثم بفعل مخططات الاستعمار ثالثا. تزامن ذلك مع صعود ملحوظ لتيار الحركة الأنثوية وسط اهتزاز وتلاش لمركزية سلطات المجتمع الذكوري، فوجدت المرأة الفرصة متاحة لفرض الأمر الواقع في خضم الفراغات المتراكمة في الريادة والسيادة والإنتاج والترويج والتتويج. تبعا لذلك توسعت فجوة التعبيرات النضالية والنقابية والسياسية والفكرية الفنية، وتدعمت الإنسانيات بمبادئ ثورية جعلت المركزية الإثنية الأوروبية المقدسة تتزعزع. كان ذلك إثر الدور التاريخي المشع الذي قدمته المرأة إلى جانب الرجل، سواء كان الأمر في الريف أو في الحاضرة. حدثت هذه التغيرات في ميادين الاقتصاد والسياسة والفن، يقول فلاديمير لينين في هذا السياق معترفا بقيمة العنصر الأنثوي إبان الثورة البلشفية (1917-1921): «المرأة تقف بجانب الرجل، تساعده في إنجاز المهمة المشتركة».
انعكست مجمل معاني هذه اليقظة المتنامية على الجانب البصري، مخلفة عددا من التناولات المجددة والمواضيع اللافتة والمتحررة، وأدت الرغبة في الانفتاح إلى التخلي عن السياسات والاستراتيجيات الفاشلة والكاذبة المنمقة والمغلفة، ونبذ الكراهية والمطالبة بالحرية الجسدية للمرأة، ورفع شعار العدالة الاجتماعية، ظهر ذلك في عدد من الحركات وعرض الفيديو بالأبيض والأسود على الأغلب التي تحوي جملة تسجيلات البرفرمنس التي قدمتها ووثقتها الفرنسية جينا بان ( Gina Pane) أغلبها في بداية سبعينيات القرن الماضي من ذلك الإجراء الأوتوبرتريه (فيديو ناطق) والإجراء العبثي ( فيديو ناطق) والإجراء العاطفي ( فيديو ناطق) وعرضالحليب الساخن (فيديو صامت) محور التناول، وقد قُدم لأول مرة في باريس عام 1972 في شريط مسجل دام 41 دقيقة و13 ثانية، اختزلت فيه الفنانة المعاناة النسوية خصوصا، والبشرية عموما. والأكيد أن هذا العمل التصويري النوعي المؤلم والفاضح تم التمهيد له بسلسلة أعمال أخرى تفجرت منذ فجر العشرينيات مع ما يعرف بسنوات الجنون ( les années folles) التي امتدت إلى حدود فترة الكساد الكبير (la grande dépression) والمعروفة بأزمة الثلاثينيات.

رمزية إجراء «الحليب الساخن»

ما يمكن أن يستخلص من الحليب في الحقل التشكيلي، وعبر تاريخ الفنون الجميلة هو اللون الأبيض، الذي يرمز للهدوء والصفاء والاستقرار. وهو معطى يحيل غالبا إلى الخصب والولادة الجديدة والأمومة، بما فيها من معاني الرعاية والرقة ولمّ الشمل والحنان. وقد تم تضمين أهمية الحليب في الأسطورة منذ التاريخ العتيق من خلال الميثولوجيا الإغريقية، مع هرقل ووالده ملك الآلهة زيوس وزوجة الأخير الآلهة هيرا، في حادثة فريدة أدت إلى ترسيم وتخليد الممر اللبني، وهي المجرة الشمسية الحلزونية، التي تُعرف إلى اليوم بدرب التبانة (la voie lactée). عندما نثرت الآلهة ثديها رافضة إرضاع هرقل الابن غير الشرعي من إحدى خليلات زوجها الملك زيوس، فتناثر اللبن في الفضاء، وشكلت قطراته مجموعة من النجوم ظاهرة للعيان منذ تلك الحادثة. وقد تم تناول الأسطورة في أمهات اللوحات وفي عدد لا يحصى من الأعمال في الرسم والطلاء والنحت والنقش طيلة مسار الفنون البصرية، لاسيما على امتداد فترات الفن الحديث.

غير أن أهمية العرض الذي قدمته المعاصرة بان يرتكز على التأثر والاقتباس الثوري لهذه الحادثة، في مسعى إلى التنويه والتشويه والتشهير والتنديد عبر جملة من الطقوس الوثنية الخاصة، التي تهدف بالأساس إلى طرد جانب من معاناة البشرية، معتمدة في ذلك على الوجع والدم والجسد كأداة تعبير مفضلة، فالحليب الساخن يرمز إلى ما في العروق، لاسيما عندما تكون المقاربة دموية شنيعة ومتهورة، في شكل مجموعة حركات تذكرنا بعملها الرمزي «الإجراء العاطفي» (1973) الذي تمثل في الإمساك بقبضة من الورود البيضاء بيدها اليمنى قبل أن تغرز أشواكها في العمق – ودون تخدير – على طول الذراع اليسرى في حين تجرح الكف الأيسر بشفرة حلاقة لرسم وردة حمراء ما جعل السائل الأحمر (دمها الحقيقي) يسيل اِنطلاقا من الوردة إلى الوريد ومن الوردة البيضاء إلى الوردة الحمراء، في إجراء نوعي فريد بمثابة احتفال بالدم كأحد العناصر الجوهرية، كان فيه الوجع الموقدَ والجسد المَعقلَ، وتناظرت فيه الألوان في مسار ينطلق من القسوة إلى اللين في تواصل مباشر مع الجمهور تستحضر فيه معاناة المرأة والعذابات الجسدية المهينة للبشر.
فالجسد وسيلة رائعة للعمل ومهمة لطرح متاعب ومطالبات العنصر الأنثوي ومقياسا مهما لإيصال الذل والحقارة والخضوع وما لحقه من مسكينيات
(meskinités) للعالم عبر حركته التي تشكل الفضاء، وعبر شكله الذي يحدد الوقت. كما أنه إجراء تكتشف من خلاله المرأة حدود جسدها ومدى صلابته في تزاوج بين ثنائيات متعددة، منها التفاصيل الخاصة والعامة، الجنس والحب، الكمال والاستغلال، الموت والحياة، الأمن والخطر، التأمين والتهديد، الألم والعلاج، الصمت والصوت من خلال دور الجمهور الناظر (voyeur) المتلصص والمتجسس. فيما تعبر حركة جرح (شق) الشفتين وما تحدثه من مسار مطول من الدماء عن الصرخة التي يقيدها الكلام، فحضور الجسد كفيل بإيقاف معاني الضعف والانتهازية والوهن عندما يتعطل الكلام. تقول بان في إحدى مداخلاتها: «هذه الإجراءات بمثابة الطبيب المداوي من أوجاع هو نفسه يحملها».

كوريغرافيا الوجع

لا شك في أن التقديم الجسدي الشنيع الذي أوردته المعاصرة بان تعدى كل المقاييس المعهودة والمعروفة باعتمادها على الجسد الدموي في التقديم وعلى الجمهور في التوكيل والتحكيم، معتمدة في ذلك على مشاهد تشقيق وتقطيع بدنية ذاتية في تحد فني معاصر عجز عنه أو تلافاه غيرها، لاسيما في بناء العمل الإجرائي الذي عمل على إحداث توازن عجيب بين الدراماتورجيا باعتماد عناصر الجرح، الألم، الدم، القسوة، الصمت، التشقيق، التقطيع، الرعب، الفضح، الترهيب، والفنتازيا، ثم اعتماد عناصر الورد، اللون (الأبيض والأحمر)، الحركة، الحدث، الترغيب. وهي مقاربات تحملنا لثنائية عبثية ساخطة وصارخة في ثنائية المدح والازدراء.
بهذا التناول التدريبي الراديكالي المليء بالقسوة والتهور المقصود والهمجية المبرمجة، وفي تحد ملحوظ لصمت المشهد تحملنا بان إلى إعادة النظر في جانب من التناولات الإيمانية المقدسة في الفنون من جهة، وتبني لعدد آخر من المبادئ التحررية، على الرغم من حضور علامات السذاجة والتهور حينا والسادية المرضية حينا آخر، من خلال تتالي الإجراءات الجسدية والتعلق بالجوانب المحرمة في الدين وفي المجتمع والمغالاة في التعذيب والتنكيل بأعضائها، في اقتراب واضح من الشخصية السادية، وتجاوز قياسي للشخصية الجنسية التي تبنتها الأمريكية كارول شنيمان (Carole Schneemann) في برفرمنس «فرحة اللحم» (meat joy)، وسلسلة التحولات الجسدية في العمل الأنثوي «عين الجسد» (eye body) أو العمل الخشبي الهيكلي المعتدي (squelettique) للسويسري جياكوميتي (Giacometti) «تصويب في العين» (pointe à l’œil) الذي يعرض منحوتة خشبية حادة متجهة لطمس مقلة عين.

كاتب تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية