تونس ـ «القدس العربي»: كانت العودة المدرسية في تونس بمثابة العيد، باعتبارها مناسبة احتفالية للتلاميذ والأولياء والمنتمين إلى القطاع التربوي من معلمين وأساتذة ومديرين وقيمين وعمال وغيرهم. فتونس هي من بين الدول التي أولت في الماضي القريب الاهتمام الكبير للتعليم بعد أن أنفقت دولة استقلالها ثلث ميزانيتها على هذا القطاع وذلك على حساب أشياء كثيرة كالبنى التحتية والتسليح وغيره. حيث اختارت حكومات ما بعد الاستقلال تسليح التونسيين بالعلم عوض تكديس ما ضاقت به مخازن الدول الكبرى من أسلحة، وساندتها العائلات التونسية في هذا التوجه باعتبار تقديسها للعلم والمعرفة واستعدادها لدفع الغالي والنفيس من أجل تعليم أبنائها.
أما اليوم، في ظل الأزمة التي انهكت التونسيين وأثرّت سلبا على حياتهم، فقد تغير الحال كثيرا ولم يعد كما كان عليه في السابق، حيث غابت مظاهر الاحتفال، وتحولت العودة المدرسية إلى كابوس حقيقي يؤرق عددا هاما من الأسر بسبب غلاء المعيشة وتدهورها. كما أن صراعات نقابات التعليم الابتدائي والثانوي المنضوية تحت راية الاتحاد العام التونسي للشغل مع الحكومات المتعاقبة ألقت بظلالها على القطاع، وخلقت أجواء مشحونة وحالة من الضغط النفسي والقلق المستمر في صفوف التلاميذ والمربين والأولياء والذي يزداد كل سنة مع العودة المدرسية.
الإنقطاع المبكر
وفي هذا الإطار تعتبر الناشطة الحقوقية آمنة الشابي في حديثها لـ«القدس العربي» أن الحق الدستوري في التعليم، الذي من المفروض أن يتمتع به كل التونسيين دون استثناء أصبح على المحك في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي تعيشها العائلات التونسية. فهناك عائلات في الأرياف وفي الأحياء الفقيرة على أطراف المدن الكبرى ستضطر هذا العام، حسب محدثتنا إلى عدم إرسالها أبنائها إلى المدارس مع العودة المدرسية يوم 15 أيلول/سبتمبر بسبب قلة ذات اليد وعدم القدرة على الإنفاق على تعليم أبنائها.
وتؤكد الشابي على أن لا أحد فكر جديا في السنوات الأخيرة في معالجة ظاهرة الإنقطاع عن التعليم التي استفحلت كثيرا خاصة في المناطق الداخلية وفي الأحياء الفقيرة في المدن الكبرى التي تتشكل بالأساس من نازحي المناطق الداخلية. وتضيف بأن العائلات التي لم تجبر أبنائها على الإنقطاع، من الطبقتين الفقيرة والوسطى، تعاني الأمرين مع بداية كل سنة لتوفير مستلزمات الدراسة من كتب وأدوات مدرسية وغيرها مع غلاء المعيشة وتدهور القدرة الشرائية للمواطن في السنوات الأخيرة.
وتضيف الشابي قائلة: «لقد زاد الطين بلة هذا الصراع النقابي مع الحكومة الذي يذهب ضحيته التلميذ التونسي، ففي بداية كل سنة دراسية تعم الأولياء والتلاميذ خشية من أن تعلن نقابتا التعليمين الإبتدائي والثانوي عن الإضراب ويبقى التلاميذ بلا دروس خلال الأشهر الأولى، ثم يتم لاحقا حجب علاماتهم عنهم وذلك عندما لا تستجيب الحكومة لما وعدت به هذه النقابات مثلما حصل السنة الماضية. كما أن غياب الإصلاح التربوي طيلة الفترة الماضية رغم الحاجة الأكيدة إليه لمواكبة العصر والتطورات العالمية في مجال التعليم، خلق شعورا عاما لدى المواطنين بأن الدولة تهمل هذا القطاع الحيوي وحادت عن مسار دولة الاستقلال في هذا المجال».
تراكمات
سامية العموري أستاذة تعليم ابتدائي وناشطة في المجتمع المدني ونقابية سابقة أعربت في حديثها لـ«القدس العربي» عن أسفها للعودة المدرسية في مثل هذه الظروف والمعاناة التي يشعر بها المعلم والمربي والأولياء وتشعر بها الأسر. وقالت: «أتمنى ان لا يشعر التلميذ بهذه الأزمة فنحن في زمن نتحمل الأوجاع ونفعل كل ما بوسعنا كي لا تنتقل هذه الأوجاع الى أبنائنا». وتضيف بالقول: «في كل دول العالم الشأن التربوي تكون له أولوية وشأن أساسي لدى الوزارة المعنية والمؤسسات، ولكن للأسف الشديد الشأن التربوي في تونس يعاني من تراكمات متخلدّة، ومشاكل فاقت العشرين سنة، وما من أحد استطاع ان يجد حلا رغم المحاولات. هذا الجانب هو مسؤولية الحكومة ومن المفروض ان يأخذ الشأن التربوي أولوية الأولويات بالنسبة إليها خاصة في مثل هكذا ظروف».
أما عن الصعوبات بالنسبة للأولياء خاصة فيما يتعلق بغلاء الأسعار فقالت: «أنا أستاذة تعليم وبنفس الوقت أم لبنتين لذلك أشعر جيدا بغلاء الأسعار الذي امتد للقطاع التربوي وكل ما يتعلق بتجهيزات العودة المدرسية من كتب وأدوات وغيرها، وهو صعب على الموظفين من الطبقة الوسطى فما بالك بالطبقة الدنيا». وتردف محدثتنا: «اليوم الكراس (الدفتر) المدعّم من قبل الدولة غير متوفر بالكميات المطلوبة فيما أسعار الكراسات الأخرى أغلى من المتوقع، وهنا أوجه رسالتي لكل المعلمين والأساتذة بأن لا يطلبوا كراسات ودفاتر من التلاميذ وتعويضها بحامل أوراق نضع فيه المحتوى التعليمي المطلوب ونستعين بطرقنا الخاصة وهكذا نجابه مافيات الاحتكار التي تتحكم في الأسعار المشطّة. فمثل هكذا إجراء هو حل من الحلول لوقف هذا الغلاء وهذا الاحتكار، لأن أبناءنا هم مستقبلنا. اليوم وصل سعر الكتاب المدرسي إلى 40 دينارا رغم انه تعليم رسمي عمومي والمفروض ان يكون مجانيا لعموم المواطنين والمواطنات».
تسييس الشأن التربوي
أما عن مخاوف الأولياء والأسر التونسية من عودة موجة الإضرابات في قطاع التعليم بكل ما تحمله من تهديد للعودة المدرسية فتجيب محدثتنا: «أنا عضو نقابة سابقة والاتحاد العام التونسي للشغل هو راية كل الشغالين ولكن للأسف هناك تسييس للشأن التربوي ولمطالب المعلمين وهذا خطير جدا، لأننا نلعب بمعيشة عائلات. وهناك أخطاء نقابية جمّة، وليس هناك بحث عن إيجاد الحلول بل هناك تجييش من الاتحاد العام التونسي للشغل، وكأننا نحضّر لمعركة جديدة في هذه السنة الدراسية وهذا خطير. وأنا ولية وأستاذة في الآن نفسه وأرى أن هناك ضعفا في التفاوض من الجانب النقابي، وحربا نفسية ونحن اليوم نعاني لصالح خصومات سياسية. لذلك أتمنى ان يكون هناك تناول جدي. فلنتفاوض جهارا في مجالس علنية وفي مؤسساتنا الوطنية والإعلامية بدلا من اللجوء إلى أساليب تضّر بنفسية الطلاب والتلاميذ مثل حجب الأعداد، وكمختصة في المجال البيداغوجي أؤكد أن لحجب الأعداد هذا تأثير سيء جدا على نفسية التلاميذ باعتباره يحول دونهم والتقييم الملائم والضروري لمستواهم الدراسي».
وفيما يتعلق بإصلاح التعليم وأهمية مجابهة الاخلالات المتراكمة من عام لعام تجيب محدثتنا بالقول: «إن مطالب المعلمين مشروعة خاصة زملاءنا النواب (المتعاقدون) الذين وجدوا أنفسهم في لعبة سياسية خارج إطار اتفاقيات قانونية لا تشملهم. ولا يمكن لدولة أن تصلح من شأن منظومتها التربوية من دون ان تصلح شأن المربي نفسه بإعطائه الاحترام الكافي». وأضافت بأن التعليم في تونس اليوم لا يزال يعاني من تبعات كورونا، ورغم أن أغلب الدول غيّرت سياستها التعليمية بعد كورونا إلا أن تونس بقيت تسير خارج السرب، وهنا أعطي مثالا فلسطين التي لها تجربة رائدة في تغيير المنظومة التربوية رغم انها تحت الاحتلال. وتتابع: «المهم اليوم هو إبعاد السياسة عن الشأن التربوي وأن لا يكون مستقبل جيل كامل رهنا للمقايضات السياسية. فالمطلوب اليوم مقاربة كاملة لإصلاح التعليم وان تكون العودة المدرسية بلا أزمات وبلا إضرابات» وفق قولها.