يوحي بناء الروائيين لرواياتهم إلى حدّ كبير، بمجاز عمل الصاغة وفق ميزان الذهب. ويتضخّم هذا الإيحاء لدى القارئ، عندما تقوده الروايات المكتوبة في أنظمة الاستبداد إلى الشعور بارتباك كُتّابها في سيرهم بين ألغام الكشف، عندما تعالج أفعالَ هذي الأنظمة وتكشف تأثيراتها على مجتمعاتها، تحت حدّ سيف المحاسبة الذي يقترب من رقبة الرواية بالمنع، ورقبة كاتبها بالقطع وفق ارتفاع خطورة موضوع الرواية الذي يتعرض لها. ولا يَسْلم أغلبُ كُتّاب الرواية هنا في الحقيقة من هذا الارتباك، حيث يشهد القارئ في الروايات المطروحة مختلفَ حركات خطى السائرين بين الألغام، ويعيش تجاربَ صُنْع قلاداتٍ روائية فريدة لدى الأقلّ منها، وتجاربَ تزييفٍ نحاسية للواقع لدى الأكثر، وتجاربَ مقصوصةَ جناحٍ تُحلّق مائلةً قبل الوقوع، ومقصوصة جناحين لا تُحلّق بتاتاً، وتجاربَ مؤسيةً تهرب من التوصيف الدقيق إلى تعميم القتل والمجازر والانتهاكات بمصطلح الحرب أو الأحداث، وتجاربَ مضحكةً تهرب من خطورة لفظ كلمة الانتفاضة أو الثورة إلى مصطلحاتٍ ما أنزل الله بها من سلطانٍ، مثل مصطلح «زلزال» قبل أن تأتي الزلازل لتردم هذا المصطلح، وتجاربَ يصل ارتباكها في إيجاد الحلول لسيرها إلى أن يكون هذا الارتباك هو الرواية بحدّ ذاتها.
ولا تسلمُ الروايات التي يتحرّر كُتّابها في دول المنفى من الرقابة وتُحلّق بأجواء حرية موضوعات الكشف، من العمل بميزان الصاغة كذلك، تحت حدّ سيف فن الرواية الذي يوقِعها بفخاخ الحرية الكاشفة عن رماح التوثيق والتسجيل الطاعنة لها إن لم تجدْ حلول تفاديها، ولم تبتكر سيناريوهات تحليقها فوقها.
من بين الروايات المكتوبة في ظلال أنظمة الاستبداد، بين خريف 2018 وشتاء 2021 في اللاذقية من سوريا التي هيمن عليها ولا يزال على هذا الجزء منها نظام عائلة الأسد الذي قتل وهجّر ملايين السوريين في السجون والمقابر الجماعية ومنافي اللجوء؛ وكتم ويكتم أنفاس التعبير إلى حدود القتل؛ تأتي رواية الكاتب السوري سومر شحادة «منازل الأمس» لتصبّ عميقاً في محيط الروايات التي تعالج مسائل الحبّ والزواج والانفصال. أولاً: بخصوصية المكان السوري الذي يشكّل فيه زواج الأديان والطوائف من بعضها جدراناً تقف في وجه التعايش الوطني، ويجري اختراقها من قبل المحبّين الحالمين بوطن تسوده قيم المواطنة والمساواة، دون جدوى، بفعل التربية، والماضي المهم، وبالفعل الأهم المتعلّق بالتمييز الطائفي الذي يلجأ إليه نظام الاستبداد، ليحميه في البداية، ثم يشجّعه وينمّيه ليكون سِمَتَه التي تجعل منه نظاماً قاتلاً لمن يعارض أفعاله. وثانياً، بخصوصية الزمن الذي تجري فيه لعبة الإخفاء والتجْلية الروائية، ويفتح المجالَ لتسلّل الإرباك، الذي عالجه شحادة بحذاقة روائية على كفة ميزان ذهب الرواية ولاقى النجاح مع الخروج ببعض جروحات مراعاة البيئة الاجتماعية والسياسية التي حاول من خلال إيراد علاقة بطله الثالث سليم بالروائي السوري المعروف هاني الراهب، والتعاطف مع المنفيين والشذرات المبثوثة بتوريات غامضة.
على كفة ميزان ذهبه اختار شحادة اللحظة الممتدة من محاولة «انقلاب قائد سرايا الدفاع على أخيه الرئيس»، إلى «عودته من المنفى الباريسي»، من دون ذكر اسميهما، رفعت وحافظ الأسد، تماشياً مع إشارة الروائي إلى أن «هذه الرواية من نسج الخيال وأيّ شَبَه بين أشخاصها وحوادثها وأماكنها مع أشخاص حقيقيين وحوادث وأماكن حقيقية هو محضُ مصادفة ومجرّدٌ من أي قصد». وتجنباً، ربّما، للمساءلة القانونية حول إشارته إلى تشجيع قائد سرايا الدفاع لتجاوزات رجاله، في سردية بطلته نسرين: «حدثتني هناء كيف أن يعرب اقتحم مع مجموعة من زملائه من سرايا الدفاع منزل أهل وداد في حمص. وحدثتني عن التحقيق مع أهل المنزل لمعرفة مكان وداد، وعن الضغوط التي مارسوها على العائلة ليعرفوا منهم مكان وجود وداد. وكيف أنهم بعد أن أنكرت العائلة معرفتها بمكان وجود ابنتها راحوا يخرّبون اللوحات والتُّحف في منزل عائلة وداد. وتباهت هناء بأن أهل وداد حتى لم يكونوا قادرين على تقديم شكوى ضد يعرب ومَن كان معه بسبب انتهاكهم لحرمة المنزل وتخريب محتوياته، فقائد السرايا لم يكُن يعاقب رجاله. ثم إن يعرب كان يدافع عن كرامة عائلته التي هدرتْها زوجة أخيه».
رغم أن شحادة خلافاً لهذا يذكر اسم إبراهيم ماخوس الذي سميت قرية الرواية «ماخوس» باسم عائلته، في تعاطفه مع المنفيين الهاربين بسبب «انقلاب حافظ الأسد»، في ذات السردية: «لم يخبرني سليم حكاية جارنا، بل عرفتها وأنا أجلس في انتظار كارم في مكتب القنصلية السورية في دبي. عندما سألني موظف الخارجية هناك ما إن عرف أنني من ماخوس التي يعود إليها وزير الخارجية في حكومة نور الدين الأتاسي، الدكتور إبراهيم ماخوس، الذي نجا من انقلاب حافظ الأسد على رفاقه وهرب إلى الجزائر، حيث قضى حياته يعمل طبيباً. وقد تعهد هواري بومدين بحمايته إثر خمس محاولات اغتيال لاحقته إلى هناك. وقد نعْته الجزائر ودفن فيها من غير أن يتمكن من العودة».
خارج هذا الميزان، يبحر شحادة بمدّ أشرعة حكاية حبّ نسرين وكارم وزواجهما وإنجابهما لطفل وطفلة، بتعمق سيكولوجي لدوافع هذا الإنجاب، وانفصالهما بتعمّق في سبر أغوار الماضي الذي صنعهما وطوّر شخصيتيهما على الصورة التي لم تستطع تجاوز صُنعها، وبالأخص لدى نسرين التي لم تستطع بيئة الإمارات مساعدتها في تجاوز إحساسها بالاغتراب عنها، وشعورها بالوحدة فيها، حيث: «عانيت من صديقاتي، ولم أحسن صنع صداقة واحدة في أثناء إقامتي في الإمارات، فكل شيء كان يمضي على عجلة من أمره، كل شيء طارئ ومؤقت وعابر، البشر والسيارات والأفكار. كل شيء مستهلك ومستنزِف، العلاقات والعمل والصداقات. كان الناس متعِبين ومتطلّبين. ولم تكن لديَّ القدرة على احتمالهم».
كما لم تستطع في ظل تطوّر شخصية كارم المنفتحة على عالم العمل والركض وراء النجاح فيه إلى درجة البعد عنها وتركها تعاني وحدتها، إلا الوقوع في أسر ماضيها كطفلة تركتها أمها هاربة من زوجها فور ولادتها، مع أبيها بطل الرواية الثالث سليم العالق عاطفياً بعقدة ترك أمها وداد له، والذي تفرغ لتربيتها رغم شكه بأنها ليست ابنته، وأنها نتاج اغتصاب أخيه المتسلّط يعرب المستقوي بانتمائه إلى سرايا الدفاع لوداد التي ربّما هربت لهذا السبب الذي يشكل جسر الصلة بين حكاية الحب والزواج والانفصال. واقع الزمكان الذي تجري فيه أحداث الحكاية على ميزان الذهب، يدفع القارئ إلى ما يتمنى للرواية أن تصل إليه من تألق الكشف، وغنى الأحداث التي تقلب عوالم الشخصيات، وتخفّف قليلاً من ثقل التحليل النفسي الذي يبطئ تسارع دقات القلب في تشويق حكايات هرب الزوجة الأم الغامض، وشوك تكرار هذا الهرب مع الابنة التي أسرها ماضي الهرب، ومنحها القوة في ذات الوقت أن تمتلك جرأة إيقاف زواج لم يُقَدَّر له أن يستمرّ، بارتياح من بطلتي الرواية اللتين أخذتا هذا القرار حبّاً لذاتيهما ولذوات الآخرين، في نهاية سردية نسرين:
« جاءت نسوة من القرية وجاء معهنّ أطفال لا أعرفهم. أخبروني عن سيدةٍ وضعت ورداً أبيض على قبر سليم، وبأنها جلست هناك ترتدي شالاً بنفسجي اللون. وكان قد مضى على وفاته عشرة أيام. عرفتُ أنها وداد، ومن غير أن أعي ما يحدث في داخلي أردتُ احتضان الجميع من حولي، خصوصاً أولئك الذين رأوها. وشعرت بأنني أفتقدها أكثر من أي وقت مضى في حياتي كلها، وبأنني لن أقوى على مغادرة اللاذقية. لم يكن إلى جانبي أحد أخبره بقراري، فاتصلت بكارم من فوري، وأخبرته بصوت واثق يقطعه ارتباك الدموع بأنني لن أعود».
وهذا ما يبلوره شحادة في الفصل الرابع الأخير من بنية روايته التي كونها بأربعة فصول، وجعله فيها قصيراً مكوناً من هذه الفقرة تحت عنوان «حكاية وداد»، التي تم سردها في الفصول الثلاثة السابقة كثيمةٍ للرواية تم قفلها بها، وكان يمكن لها أن تشع بالشاعرية لو اقترنت بالحكاية التي رواها سليم لنسرين ورافقتها خلال حياتها عن الفتاة الصغيرة التي تخرج باحثةً عن أصدقاء وتدعو الطيور إلى البحيرة، عند اتخاذ نسرين لقرارها. وهذا على خلاف الفصل الثاني «حكاية سليم» الذي جاء طويلاً بسردية نسرين وكارم عنه، في الفصلين الأول والثالث الذين أخذا نفس العنوان: «البدايات والنهايات»، ووضعهما شحادة بما يشبه الحوار بين الزوجين المنفصلين، ولكنْ بصيغة خطاب المتكلم الموجّه ربما للذات عن نفسها لشفاء جروحاتها، وربما لطبيب نفسي سوف يسأل شحادة عن الكثير مما يخص سيكولوجية المرأة، ومن ذلك شعور النفور من الجسد وتطوره عند طفلة الخامسة التي تسمع التركيب اللغوي «إشباع الرغبة»، وللقارئ في جميع الأحوال.
وفي هذه البنية واللغة البسيطة، من دون تحميل الرواية عبء زمن نظام الاستبداد، وخلقه ارتباكات كشف جوهر جرائمه، تحت حدّ سيف تبعات المواقف، يُنتج سومر شحادة بالمجمل رواية عميقة شيّقةً عن الحب وتبدّلاته بالزواج ووطأة العيش المشترك في بيئات مغايرة تضع الإنسان أمام تحدّيات قاسية، يَظهر فيها الماضي كما وحش البحيرة الساكنة الذي استيقظ بفعل تبدل حرارة بيئته.
سومر شحادة: «منازل الأمس»
دار الكرمة، القاهرة 2023
184 صفحة.