قبل اكتشاف المُدن الساحلية الجديدة كانت المصايف المُفضلة لدى نجوم التمثيل والغناء وبعض المشاهير من الكُتاب والأدباء تُعد على أصابع اليد الواحدة. فالغالية العظمى من الفنانين كانوا يقضون مُعظم شهور الصيف في شاليهات أو شُقق خاصة بهم يعدونها إعداداً جيداً لتكون جاهزة لاستقبالهم حين ينوون السفر للاستراحة والتمتع بالبحر ومواجهة حرارة الصيف.
موسم الهجرة إلى المُدن الساحلية كان يبدأ عادة من أول شهر تموز/يوليو وينتهي في آخر شهر اب/أغسطس ويمتد إلى أوائل ايلول/سبتمبر، حينها تستعد المُدن ذاتها لاستقبال الوفود القادمة من القاهرة وجميع أنحاء مصر، بالإضافة إلى وفود السياحة العربية، وبالطبع تنحصر الزيارات وتزداد الكثافة في مدينة الإسكندرية بوصفها المدينة الساحلية الأشهر التي تُطل على البحر المتوسط.
وللإسكندرية جمهورها الخاص من المُبدعين الذين يفضلونها ويستريحون للإقامة فيها طوال فترة الصيف لما يُميزها من اعتدال المناخ وخصوصية شواطئها، ومن أشهر الذين ارتبطوا بالإسكندرية وأبدعوا فيها الكاتب الكبير نجيب محفوظ الذي كان حريصاً على زيارتها مع كل موسم صيف.
وقد ترجم هذا الارتباط في أعمال أدبية مهمة كروايتي «السمان والخريف» و«ميرامار» وتم تحويلهما لفيلمين سينمائيين نجحا جماهيرياً بشكل كبير وأبرز من خلالهما الكاتب عمق علاقته بالإسكندرية كمدينة كبرى لها تأثيرها الخاص على المُبدعين وأصحاب الأمزجة الفنية.
ومن تلاميذ نجيب محفوظ والمُماثلين له في الموهبة والإبداع القصصي والكتابة الإبداعية الراقية السيناريست الراحل أسامة أنور عكاشة، فهو أيضاً كان من عشاق الإسكندرية التي سجل في كثير من أعماله تميزها وتأثيرها عليه بشكل خاص، فهناك مُسلسلات بعينها دارت أحداثها في الإسكندرية كمسلسل «الراية البيضا» و«عفاريت السيالة» و«زيزينيا» حيث نقل الكاتب الواقع السكندري ببعض تفاصيله النوعية ليكشف عن تباينات جوهرية وثانوية في تركيبة الشخصية الدرامية والمدار الخاص بها ومشكلاتها التي ربما تختلف بعض الشيء عن مشكلات القاهريين بدرجة أو بأخرى، بالإضافة إلى اختلاف الصفات والخصال وما ينتُج عنهما من نوازع وسلوكيات.
وللكاتب إبراهيم عبد المجيد بوصفة كاتباً سكندرياً رواية شهيرة بعنوان «لا أحد ينام في الإسكندرية» تحولت لمسلسل تلفزيوني وظهرت فيها كذلك طباع الشخصية التي تنتمي للمدينة الساحلية السياحية التاريخية والعريقة. وهذه الأعمال تُعد بمثابة تاريخ تسجيلي درامي للمدينة وأهلها وسكانها الأصليين والنازحين إليها من أماكن أخرى، والمُشكلين بحكم تنوعهم ثقافات مُختلطة تؤكد ثراء التجارب وأهميتها.
ولأنها كذلك فهي تجمع أطياف الثقافات والمعارف في احتواء بيئي نادر يتمثل في حُب المصطافين لها وحرصهم على زيارتها والبقاء فيها طوال شهور الصيف هرباً من درجات الحرارة المُرتفعة في القاهرة وغيرها من المُدن الأخرى والعواصم العربية.
ولأن الشيء بالشيء يُذكر فإن مسرحية «ريا وسكينة» بطولة شادية وسهير البابلي وأحمد بدير والمأخوذة عن أحداث الفيلم التراجيدي القديم لأنور وجدي، طرحت مفهوماً مُغايراً للحياة في الإسكندرية بعيداً عن النمط المتأثر بالجرائم والحوادث وغيرها وجددت الحدث في إطار كوميدي ضاحك على عكس الرسالة الأولى المُبينة في الفيلم والمُتضمنة في القصة الحقيقية.
ومن أشهر المُدن المُفضلة كمصيف بالنسبة لأهل الفن والإبداع مدينة رأس البر، وهي التي اعتادت كوكب الشرق أم كلثوم على زيارتها هي وبعض المشاهير من الزعماء ورجال السياسة والفكر، فمن المعروف عن رأس البر أنها قبلة الصفوة من العاملين في المجالات السياسية والدبلوماسية، فالرئيس جمال عبد الناصر كان يحلو له أحياناً حسب ما ذُكر قضاء بعض الإجازات القصيرة في مصيف رأس البر لما يتمتع به من الهدوء الشديد ونقاء مياه البحر فيه، حيث كان عبد الناصر يجد فرصة لممارسة هواية السباحة كلما سمح الوقت والمناخ والطقس بذلك، وكان من أشهر مرافقيه في الرحلة الصيفية المُشير عبد الحكيم عامر والرئيس السادات.
وتُعد مدينة مرسى مطروح بطقسها المُعتدل ومناخها المثالي من أهم المصايف التي تروق للمصريين، فشواطئها اكتسبت شهرة واسعة من الأفلام القديمة، لا سيما فيلم «شاطئ الغرام» الذي غنت فيه ليلى مراد أغنية «يا سكني مطروح» فبعد هذا الفيلم ونظراً لحجم الدعاية السياحية التي حققها لمرسى مطروح قامت وزارة السياحة المصرية بترقيم الصخرة التي غنت فوقها المُطربة الكبيرة وأطلقت عليها اسم صخرة ليلى مُراد، في محاولة لتخليد الذكرى واستثمار شهرة المُطربة صاحبة الصوت العذب بشكل مُجدي اقتصادياً وتجارياً.
هذه كانت أشهر المُدن السياحية التي ارتادها المشاهير في الإجازات الصيفية وقضوا فيها أحلى الأوقات قبل أن تُكتشف المُدن الجديدة التي صارت الآن موطناً آخر للمُصطافين كالعلمين الجديدة والغردقة والساحل الشمالي وفايد وبور سعيد والإسماعيلية وغيرها الكثير من مُستجدات التطور السياحي الحديث للأماكن والشواطئ.