محمود عبد العزيز واحد من جيل الثمانينيات، الذين جربوا حظهم في كل الأدوار، وحققوا نجاحات كبيرة على مدار سنوات طويلة، لكن لأسباب غير معلومة بدقة ارتبط الفنان الراحل بالأدوار الكوميدية أكثر من ارتباطه بأي أدوار أخرى، رغم أنه لم يُخفق في الأداء غير الكوميدي وأثبت جدارة في مُعظم ما أسند إليه من أدوار، منذ أن شارك نور الشريف بطولة «الحفيد» فترك أداؤه المُتقن أثراً وصدى لدى الجمهور، وكان لا يزال مُمثلاً مبتدئا يتحرك في مساحة الدور الثاني.
في فيلم «حتى آخر العُمر» المُنتج عام 1975 توافرت الفرصة لمحمود عبد العزيز ليلعب دور البطولة أمام نجوى إبراهيم، وكانت في ذلك الوقت نجمة كبيرة يُشار إليها بالبنان، إعلامية ومُمثلة، ولأن موضوع الفيلم اتصل اتصالاً مباشراً بالبطولات الحربية وانتصارات حرب أكتوبر/تشرين الأول فقد نجح الفيلم واستطاع النجم الصاعد آنذاك أن يحجز لنفسه مكاناً على القمة بين نجوم الصف الأول، لاسيما أن الدور الذي قام به كان مُركباً ومُعقداً إلى حد كبير، فأظهر قُدراته التمثيلية بما يكفي لإقناع المُنتجين والمُخرجين بموهبته وإمكانياته. عبر محمود عبد العزيز بوابة الدخول إلى عالم النجومية بسلام مُطمئناً ومُستنداً للنتائج التي حققها في تجربته الأولى، وبعد فترة قصيرة وربما في زمن قياسي حقق نجومية طاغية في بعض الأدوار الرومانسية، التي كان للوسامة فيها محل كبير، حيث لعب مع نجلاء فتحي ونيللي وأخريات بعض الأدوار التي استُغلت فيها مقوماته كفتى أول، وكانت السينما المصرية حينئذ لا تزال تعتمد على شكل البطل كمقوم أساسي ورئيسي للنجاح.
واستمراراً لموجة الأفلام الرومانسية قدم محمود عبد العزيز أيضاً مع نبيلة عبيد أفلاماً من هذا النوع، حققت له رواجاً وأكدت قدرته كنجم منافس، لكن الدور الذي ميزه في ما شارك فيه مع نبيلة عبيد كان في فيلم «أبناء وقتلة» الذي قدم فيه شخصية بارمان وتاجر سلاح وواحد من أرباب السجون، أي أنه قدم ثلاث مستويات تراجيدية في دور واحد، وتخلى تماماً عن تأثيره كنجم وسيم يتمتع بجاذبيه خاصة لدى النساء والفتيات، ويمتلك مقومات شخصية في الأداء الكوميدي الخفيف. وبنجاح فيلم «أبناء وقتلة» ارتفعت أسهم محمود عبد العزيز، وتم تثبيته ضمن الأبطال المُعتبرين القادرين على تحمل مسؤولية فيلم «من الألف إلى الياء» رغم وجود نبيلة عبيد كبطلة قوية أمامه، لها من الرصيد السينمائي ما يكفي لسحب البساط من تحت أقدام أي نجم مهما كان وزنه وقيمته الفنية.
هكذا عاش الفنان ورحل غير عابئ بما يدور حوله من صراعات، إلا في حدود ما يمسه بشكل مباشر، فقد اعتنى بفنه أكثر مما اعتنى بما يشغل الآخرين من مُشكلات وخلافات ونزاعات.. لقد كان همه الإجادة فقط، حتى الجوائز لم تكن في حسبانه بالشكل الذي يُفترض أن يشغل نجما في حجمه ومكانته.
بعد «أبناء وقتلة» جاءت الفرصة الأكبر مُتمثلة في دوره الأهم في فيلم «أرجوك إعطني هذا الدواء» ليشكل ثنائيا قويا وشديد التأثير مع نبيلة عبيد للمرة الثانية على التوالي، ففي هذا الفيلم على وجه الخصوص كان أداء البطل متميزاً للغاية فقد ساهمت جرأة السيناريو واللغة المكتوب بها، في جعل القضية المُثارة محل اهتمام النقاد والجمهور، بشكل تباينت معه ردود الأفعال إزاء الموضوع الشائك والمحظور طرحه في كثير من الأحيان وهو العلاقات الزوجية المُضطربة وأسبابها ونتائجها وآثارها النفسية السيئة على الطرفين.
وفي السياق ذاته وإعمالاً بمبدأ استغلال النجاح قدم النجمان الكبيران نبيلة عبيد ومحمود عبد العزيز أيضاً فيلمهما الآخر «العذراء والشعر الأبيض» الذي أخذا فيه بيد الموهبة الشابة في ذلك الوقت شريهان، إذ كانت هناك ضرورة لوجودها في دور البنت الجميلة التي يتم تبنيها لتملاُ فراغ الأسرة التي تعاني من أزمة في الإنجاب. لقد تم عرض الفيلم عام 1983 ونجح نجاحاً كبيراً، وصار محطة رئيسية في مشوار محمود عبد العزيز ونبيلة عبيد وشريهان، بعدها قدم النجم الراحل الكبير مجموعة من أدواره النوعية، كفيلمه «الدنيا على جناح يمامه» وفيلم «البريء» للمخرج عاطف الطيب، والأخير تقاسم فيه البطولة مع أحمد زكي بعد تجربتهما المُشتركة في فيلم «شفيقة ومتولي» مع سُعاد حسني إبان اكتشافهما كممثلين مهمين في عام 1978.
ودارت العجلة وظهرت قُدرات إضافية لمحمود عبد العزيز كممثل ونجم كبير، فبدأت آيات تألقه تتبدى وتنجلي في صور عديدة وأدوار أكثر صعوبة، فكانت بطولاته القوية في أفلام مثل «الكيت كات» و»جري الوحوش» و»العار والكيف» و»السادة الرجال» و»القُبطان والبحر بيضحك ليه» و»سوق المُتعة». وبالطبع لم تكن مستويات الأداء متساوية في كل هذه الأفلام، لكن بطبيعة الحال كانت هناك تباينات وفروق واضحة، لكنها لم تؤثر في نظرة الجمهور له كنجم ولم تُقلل من تأثيره في شباك التذاكر، غير أن بعض العلامات الأساسية ظلت راسخة في عقل ووجدان المُتلقي، كدورة في «الكيت كات» فشخصية الشيخ حسني لا تزال هي الشخصية الرئيسية بين جميع أدواره والأنماط التي جسدها، تماماً مثل شخصية رأفت الهجان التي قدمها في المُسلسل التلفزيوني الشهير وصارت أيقونة وعلامة فارقة في حياته الفنية. لقد صُنف محمود عبد العزيز ضمن نجوم السينما المصرية الأوائل، وكان جديراً بذلك وإن لم يكن طوال حياته مُهتماً بفكرة التصنيف كغيره من الذين قاتلوا ليبقوا على القمة دون منافس.
هكذا عاش الفنان ورحل غير عابئ بما يدور حوله من صراعات، إلا في حدود ما يمسه بشكل مباشر، فقد اعتنى بفنه أكثر مما اعتنى بما يشغل الآخرين من مُشكلات وخلافات ونزاعات.. لقد كان همه الإجادة فقط، حتى الجوائز لم تكن في حسبانه بالشكل الذي يُفترض أن يشغل نجما في حجمه ومكانته.
كاتب مصري