متى ينظف «الغسيل الرياضي»؟

لطالما ظل مصطلح «الغسيل الرياضي» يطلق على أي حدث رياضي يستضيفه بلد يتزعمه رئيس مثير للجدل، فهو قد يكون ديكتاتوراً أو ربما لا يروق لاعلام مسيري العالم، خصوصا في الشق الغربي منه، لكن في السنوات الأخيرة فقد هذا المصطلح مصداقيته، أو حتى تعذر فهمه على مرتادي الوسائل التكنولوجية الحديثة.
اذا كنت عدواً للغرب، فأنت عدو لاعلامه، وبالتالي ينطبق عليك مصطلح «الغسيل الرياضي»، أي بمعنى آخر فانك تستخدم الرياضة لتلطيف صورتك، المفترضة انها مشوهة، رغم انه اذا اعتمدنا هذا التفسير وبحثنا في «اللائحة السوداء» فسنجد غالبية الاحداث الرياضية الكبرى التي أقيمت في بلدان تمتد من شرق آسيا الى أمريكا الجنوبية، مروراً في بلدان عربية، كالسعودية وحتى قطر التي استضافت مونديال كرة القدم الأخير في نهاية 2022، تحت هذا اللائحة، لكن ليس بينها أي دولة غربية، أو ما يسمى العالم المتحضر، بينها الولايات المتحدة، التي تسببت وحدها في عشرات الحروب والملايين من الضحايا حول العالم، والى جانبها بريطانيا التي يفتخر الشق الانكليزي منها باحتوائه لأقوى وأشرس وأغلى دوري كرة قدم في العالم، وهو بالتأكيد ليس جزءاً من «الغسيل الرياضي» لدولة ما زالت الى اليوم تلاحقها أصابع الاتهامات على ماضيها الاستعماري، وأهمها نكبة فلسطين.
في حوار مع قناة «فوكس نيوز» الامريكية، قال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إنه لا يكترث بالاتهامات الموجهة لبلاده بممارسة «الغسيل الرياضي»، مشيرا إلى أنه سيواصل استخدام الرياضة لزيادة ثروات بلاده. واعتبر انه إذا كان «الغسيل الرياضي» سيزيد من الناتج المحلي الإجمالي فسيستمر في ممارسة «الغسيل الرياضي». أي أن المصطلحات، مهما كان غرضها، لن تقف عائقاً في وجه عمليات التطوير والتحديث التي تشهدها المملكة، والتي تقع ضمن «رؤية 2030».
نعم كانت هناك اخفاقات وهفوات وأخطاء، بل ما زال يسعى الامير محمد بن سلمان الى اصلاحات، بينها في القضاء السعودي، تشمل فضاء أوسع من الحريات، لكن هذا لن يبطء عمليات التطوير والاستثمار، بينها في القطاع الرياضي مع ضم كوكبة من ألمع الأسماء في عالم كرة القدم، على غرار كريستيانو رونالدو وكريم بنزيمة ورياض محرز، وأيضا في الاستثمار في منافسات الغولف واستضافة رياضات كفورمولا-1 والسنوكر والملاكمة وسباقات الخيل وأيضا التنس، ليس بهدف «الغسيل الرياضي» بل كونها تخلق فرص عمل للشباب السعودي، وتحفز القطاع السياحي، وتروج لأرجاء المملكة، ما يخدم الرؤية النهائية في نهاية العقد الجاري.
في العالم اليوم، لم تعد المصطلحات تجدي في اقناع الرأي العام بفكرة ما، والسبب أن هذا المصطلح يأتي عبر قنوات رسمية واعلام صاحب نفوذ، في حين أن الشريحة الكبيرة من الرأي العام، باتت تعتمد على مواقع التواصل الاجتماعي في استقاء المعلومات، وباتت السوشيال ميديا هي البوصلة للاهتداء الى الحقيقة، فجماهير نيوكاسل الانكليزية اختارت ان تصدق ان قتل خاشقجي كان خطأ غير مقصود، وأن المرأة في السعودية باتت أكثر انفتاحا وتحظى بحريات أكبر، وأن معتقلي الرأي في نقصان وليس في زيادة، مثلما فعل النجم البرتغالي رونالدو و30 آخرون اختاروا اللعب في المملكة، وبينهم قائد منتخب انكلترا وليفربول جوردن هندرسون، الذي يعد من أبرز المناصرين لمجتمع «الميم».
نجوم لعبة الغولف اختاروا الانضمام الى «ليف» المملوكة سعوديا، مثلما اختار نجوم الملاكمة والفورمولا-1 وأيضا مثلما سيفعل نجوم التنس هذا العام في جدة للمرة الاولى، أي ان الفكرة ليست عبارة عن «غسيل» بل الامر يتعلق بـ«نهضة» شاملة، بالانتقال من مجتمع محافظ جداً، الى معتدل ومنفتح الى حد كبير، فكي تشجع السياح على زيارة المملكة، فان وسائل الترفيه، ومنها الرياضة، يجب ان تكون حاضرة بقوة، وهي ما ستكون كفيلة برفع معدلات الدخل وتنويعها، بدل الاعتماد الكلي على مداخيل النفط.
ستبقى هناك دائماً انتقادات ومطالبات، فالقطريون استضافوا ربما واحدة من أجمل وأرقى نهائيات كأس العالم في تاريخ الفيفا، ومع ذلك لم يخل الأمر من انتقادات ومنغصات، قليل منها مفهوم ومقبول، لكن كثيراً منها مجرد «ثرثرات»، وهو كـ»الغسيل الرياضي» لا ينشف ولا ينظف.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية