تونس ـ «القدس العربي»: تعيش مدينة تونس العتيقة بأحيائها التراثية الجميلة هذه الأيام على وقع فعاليات «دريم سيتي» في دورة جديدة ثرية وملهمة تمزج بين الرقص والمسرح والغناء والفنون البصرية والعروض الاحتفالية، وتجمع بين التعبيرات المعاصرة والفعاليات الشعبية الضخمة. والمهرجان هو من تنظيم جمعية «الشارع فن» بالتعاون مع وزارة الشؤون الثقافية التونسية ممثلة في المؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية والمعهد الوطني للتراث ووكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية ومسرح الأوبرا والمركز الوطني للسينما والصورة. وتتواصل تظاهرة دريم سيتي في دورتها التاسعة، حتى 8 تشرين الأول/اكتوبر المقبل، على إيقاع الفنون بمدينة تونس العاصمة بجزئيها العتيق والحديث في فضاءات ذات بعد تراثي وثقافي على غرار «قشلة العطارين» و«مكتبة دار بن عاشور» و«المركز الثقافي بير لحجار» ودار «بيرم التركي» و«دار حسين»و»كنيسة ساكري كور» و«كنيسة سانت كروا».
وتعد «قشلة العطارين» في المدينة العتيقة بالعاصمة أهم فضاءات هذا المهرجان خاصة بعد أن تم ترميمها وتحويلها إلى مركز ثقافي في قلب الحاضرة القديمة، التي تبدو بحاجة إلى مثل هكذا مشاريع ثقافية تجدد دورها الطلائعي في نشر المعرفة في ربوع الخضراء. وقد بني هذا المعلم سنة 1813 في عهد الملك حمودة باشا الحسيني لاستغلاله كثكنة عسكرية داخل سور المدينة التي كانت تغلق أبوابها ليلا وذلك لحماية المدينة من الغزاة. ومع بداية القرن العشرين تحول المبنى إلى مكتبة ضمت عددا هاما من الكتب والمخطوطات التاريخية، والآن وقد خضع إلى عملية تهيئة سيحتضن «دريم بروجكتس» ليكون فضاء ثقافيا يمنح زواره إمكانية الالتقاء للخوض في الشأن الثقافي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي. ونظرا إلى أهمية معلم قشلة العطارين فقد تم الاحتفاء بترميمها وإعادة توظيفها ثقافيا من خلال تنظيم معرض بعنوان «دريم بروجكتس». كما سيتم تنظيم حلقات نقاش عن «الذكاء الاصطناعي» و«الطبيعة في المدينة» و«المياه والمسطحات المائية». ويشار إلى أنه تمت برمجة 62 عملا فنيا في هذه الدورة من المهرجان في مختلف الفنون وبحضور 50 فنانا من 21 بلدا، وتعرض هذه الأعمال ضمن أربعة أقسام هي «الخلق الإبداعي» و«مشاريع دريم سيتي» و«حلقات نقاش» و«خربقة سيتي». كما سيتم تنظيم عدد من الحفلات الغنائية بساحات مدينة تونس العتيقة، أو البلدة القديمة كما يسميها البعض لفنانين من تونس والعالم منهم حاتم اللجمي وغالية بن علي من تونس وسونا جوبارتيه من بريطانيا.
مدينة الأحلام
وتعتبر الإعلامية التونسية المتخصصة في المجال الفني ليلى بورقعة أن الكلام يحلو وكذا المقام في «دريم سيتي» أو مدينة الأحلام وذلك بين مشاريع فنية خرجت عن المعهود وبحثت عن التجديد في الشكل والمضمون. كما يروق التجوال، بالنسبة إليها، في هذه الرحلة المشوّقة والمختلفة ما بين ديار المدينة العتيقة لتونس والزوايا والكنائس والمتاحف والمخازن والشوارع والساحات. ببساطة «دريم سيتي» بنظر محدثتنا، تظاهرة تخلق أشكالا جديدة للإبداع وطرقا معاصرة للفرجة في عزف على أوتار الالتزام والشاعرية في آن واحد.
وتؤكد الإعلامية التونسية على أن من مستجدات الدورة 9 لتظاهرة دريم سيتي امتدادها على 17 يوما بدلا من 10 أيام في الدورات السابقة. كما ترى بأن دريم سيتي هو اقتراح جماليات مغايرة وإنتاجات مستحدثة في التعامل مع المادة في بعدها المكاني والزماني. وترتكز الفلسفة العامة لدريم سيتي برأيها على «الربط بين التمعّن الفكري النخبوي والعمل الملموس، والمزج بين الرقص والمسرح والغناء والفنون البصرية والعروض الاحتفالية، والجمع بين التعبيرات المعاصرة والفعاليات الشعبية الضخمة، في تقديم تجربة ثرية وملهمة لجمهور المهرجان».
متعة فنية
وتضيف محدثتنا: «هناك متعة فنية يصعب تقييمها بالأرقام تعد بها الدورة التاسعة من تظاهرة دريم سيتي التي تم بعث النواة الأولى لمهرجانها متعدد التخصصات سنة 2007. ومن دورة إلى أخرى أصبح مفهوم دريم سيتي ومنهجيته مصدر فضول وإلهام على مستوى عالمي وهو الذي يتمحور حول التبادلات المستدامة والشاملة بين الفنانين وممارساتهم، من ناحية، والمدينة ومتساكنيها والرهانات السياسية والاجتماعية من ناحية أخرى. دريم سيتي باختصار هو مهرجان للإبداعات الفنية يقوده فنانون ديناميكيون ومبتكرون، في حوار مباشر مع تونس، وهو راسخ ومتصّل بواقعه المحلي وفي الآن ذاته منفتح على العالم من حوله».
في دورته التاسعة، يواصل المهرجان الحلم ويصر على تغيير وجه المدينة من خلال إقامات فنية تعيد تقديم الأمكنة والأزمنة في شكل مغاير وفي طرح معاصر. هكذا هي «دريم سيتي» طموح مستمر من أجل تحقيق التناغم بين إبداع الفنان وسياق مدينة تونس وسكانها ورهاناتها المواطنية وتحدياتها الديمقراطية.
عروض هامة
ويعد مشروع «غوال إن سيتو» للفنان فيليبي لورانسو من بين أهم الأعمال المقدمة في هذه الدورة. ويستلهم هذا العمل تفاصيله، من رقصة «العلاوي» وهي رقصة شعبية يصاحبها غناء من تراث منطقة شرق المغرب وغرب الجزائر. وتؤدى هذه الرقصة في الأعراس والمناسبات ومواسم جني المحاصيل الزراعية وتجد أصولها في التعبير عن فرحة النصر بعد المعركة. ومن بين المشاريع الهامة أيضا مشروع «جَمعة الزيتون» للفنان خليل رباح النور، وهو إحياء لذاكرة الزيتون ما بين تونس وفلسطين، وتذكير برمزيتها الاجتماعية والثقافية كعنوان للتعمير وللنضال وللإنسان في العموم. وكذلك مشروع «لاينز» للكوريغراف أندرو غراهام الذي جمع على ركح واحد بين أجساد من مختلف الأعمار والمؤهلات، وبين ذوي الاحتياجات الخاصة حيث يحقق الفن العدالة والمساواة بين الجميع.