«طروس» مجموعة الشاعرة المغربية لطيفة المسكيني: تداخلات التصوّف والاحتمال في لغة الأنوثة الكونية

المثنى الشيخ عطية
حجم الخط
0

كما لمعةُ ضوءٍ تبزغ من سقوط حجرٍ صغيرٍ بحائط كهفٍ مطبَقٍ على نفسه، مجازاً لانسداد آفاق الحياة والشعر في أيامنا، تأتي مجموعاتٌ شعرية بين فينةٍ وأخرى، لشعراء يغوصون عميقاً في شاعرية علاقة الإنسان بالكون، مسلّحين بكشوفات العلم، مثل مجموعة الشاعرة المغربية لطيفة المسكيني «طُروس». إنها تدفع الشعراء والنقاد والقراء لإعمال القبْضات في الجدار المأمول أن ينهار بإعمالها، من أجل فتح الآفاق أمام الإنسان، في مجتمعاتنا الأبوية التي يبدو فيها أنّ سيطرة الذكور، لمن يرى ما تؤول إليه ثورات الحرية والعدالة والمساواة من إفشال بإعادة السيطرة، يصعبُ كسرها، بسبب قوة الإيديولوجيا الأبوية التي مركزت السلطة بيد الذكر من خلال جعل الإله المُطاع ذكراً، وجعْل نفسها بهذا مُوَلّد الإفشال. حيث يعتنق المنتفضون على الاستبداد، من غير أن يدركوا، عقيدةَ المستبدين؛ ويوهمون أنفسهم بشتى التبريرات والإزاحات أنها منجاتهم، ومن ذلك، على سبيل المثال، قضية تأديب النساء الخطيرة بالضرب وهجر المخادع إلى نساء أخريات، وتصوير أن المقدّس وضع ذلك من أجل مصلحتهنّ، ومن الواضح أن هذه الإزاحة المبتكرة من فقهاء الذكورية بديلاً عن التساؤل حول المقدّس «لماذا الضرب أصلاً»؟، تُكَرِّس عدم المساس بالمقدّس، الذي يدور في عجلة إفشال ثورات المساواة.

ولا تبتعد إزاحات الصوفية المغرّدةِ في فلكها الخاص داخل كون الإيديولوجيا الذكورية عن هذا الإفشال، رغم تجريد الصوفية لإله الذكورية من فقه وجوده المتعيّن بالوالي، إلى النور الكامن داخل الإنسان، ودفْع أثمان الدم بإصرار الحلاج دون تنازل على القول «أنا الحق»، وتكفير البعض مثل محيي الدين بن عربي على دينونة الحب، وإخفاء مصير البعض مثل شمس الدين التبريزي على النظر بعين أخرى إلى المقدّس. ولقد بقيت الصوفية دوارةً في فلك الذَّكَر حول نقطة نفسه، ومحصورةً به في المجمل، مع بعض محاولات الأنوثة الخجولة التي يروّجها الذكور للتنفيس في إعلاء صوفية نساءٍ سرنَ في مسلك البحث عن النور، مثل رابعة العدوية، مع إبقاء سيف التشويه بالدنس الجنسي مرفوعاً على رأس من تُفَكر أن تكون أمازونيةً وترتدي عباءة النبوة، مثلُ سَجَاح بنت الحارث التميمية التغلبية التي سارت بأربعين ألف فارس مريدٍ من الفرات السوري لقتال الخليفة القُرَشيّ أبي بكر الصديق، وخدعتْها إيديولوجيا الذكور على اختلاف عداواتهم.

سلاح اللغة

مجموعة «طروس» المسكيني التي وَضَعَتْ فيها لسَجَاح طِرْساً؛ تأتي ضمن محاولات النسوية العميقة لضرب الإيديولوجيا الذكورية من داخلها، وفي خاصرتها الصوفية المؤثرة بها في الجوهر، مستخدمةً سلاح اللغة في صيغة قصيدة نثر ما بعد الحداثة الطامحة للانتقال بقوة ساعد هذه اللغة، من السوريالية الواقفة على صراط الواقع رغم أنها فوقه، إلى مفهوم نهاية الواقع بفلسفة الاحتمالات واللايقين الكمومي. وذلك بمحاولة كسر دوران الصوفية الذكورية حول المحور الذكري إلى الدوران حول الأنوثة الكونية، بلغة ورموز الصوفية المطعَّمة بلغتها المتداخلة الخاصة.
في «طروس» المسكيني، تسكن القصائد بإرادتها، تماثلاً مع توليداتها اللغوية، ليس على الطروس/ الرُّقَع التي يُكتب عليها بعد المحو فحسب، وإنما أيضاً داخل القلب، عاريةً من الصوت، ويستعذب القارئ عريَها الإشاري الرمزي المجازي الصوفي، المتداخل بإحساسه الكوني، من غير إشغال عقله، تماثلاً مع سحر لغة الصوفية في تغييب العقل ودفع إحساس الجسد للتحليق في أرجاء الكون والتعشيق بمكوناته.
في هذا التسكين المُوَلِّد للحركة، تفتحُ المسكيني لقارئها أبوابَ بنيةٍ سلسةٍ تتكون من أربعة فصولٍ، الأول منها «طروس أولى»، ويضمّ أربعَ قصائد هي: فتْق السّمع، نقشٌ مشتعل، ليت أنفاسي وُهِبْن تمثّلاً، اِنحتَّ الورق. والثاني «طُروسٌ شاردة»، ويضم خمس قصائد هي: طروس زليخة، طروس بلقيس، طروس النَّظّام، طِرْس سَجَاح، طِرْس النجيِّة. والثالث «طروس الطَّمس»، ويضم سبعة عشر طِرْساَ تكسِر بها المسكيني حدودَ دائرة الذكورية بقصائد ترمز وتوحي ولا تفصح بهذا من خلال الترميز: طِرْس آدم، حوّاء، النطفة، هابيل، طِرْسها، طِرْس الغائب، البعيد، أبي تراب، النِّفَري، المعرّة، الأعمى، دجلة، الفراتين، الخَيَّام، المولوي، الحلّاج، وطرسي.». والرابع «طُروس الوتر»، التي وضعتها المسكيني في تعريفات موجّهة للذات، الإنسان وللقارئ: «الحبّ، العشق، البلبلة، الشكّ، البقاء، الحياة، الأمل، البشير، اللا مُنْتَظر، الطُّمأنينة، الثقة».
وفي طُروس هذه البنية يتجلّى أسلوب المسكيني في لغتها المتداخلة بلغة التصوّف في الإشارات والترميز والمجازات، وبالأخص في مفهوم ابن عربي عن النفس، بتعبيرها «أنا فرع يحن إلى أصله»، الذي بلوره في مفهوم كيمياء السعادة، العائد إلى فلسفة إفلاطون وابن سينا عن النفس ككائن غريب عن هذا العالم هبط إليه من العالم العُلوي وحلَّ ضيفًا على البدن، وبقي يحنُّ أبدًا إلى الخلاص من قيودِه واللحاق بعالَمه الأصلي، الذي ينيره القبس الإلهي، ولكنْ بتحويل المسكيني هذه العودة إلى ذاتها التي تنيرها الأنوثة الكونية:
«نارٌ لها هجومُ المُمْتَنى.
بي الماء يهتف
ألا اجعلي الأقدامَ نَكِراتِ نعلكِ
كأنكِ الريح.
دومي في قيامكِ كأنك السماء.
أنتِ ذرّة العناصر، بذرةُ التكوين».
إضافةً إلى تخلُّل قصائدِها للمعنى، حيث: «ظهوري في المعنى أسبق»، «فهل تسمع معراجَ المعاني»، وللعشق حيث: «كم يُسرَجُ لهذا العشق من جوادٍ؟ وكم يسرج لأنفاس المشتاق من سحابة؟»، ولإعدام العقل أمام إحياء الإحساس لإدراك غوامض النفس والكون، حيث: «عقلُكَ علقَمُكَ، متْ بداء الجنون». وغير ذلك مما يَكتشف القارئ ويستمتع بمداخلات المسكيني مع المفاهيم الصوفية ومقارنات تحويراتها، ولغتها التي تتداخل مع لغة التصوف وتخلق اشتقاقاتها وتوليداتها الخاصة بها من مثل «نفخةُ كافِهِ في سرّ الطينماء»، و«نارٌ لها هجوم الممتنى»، و»ليت أنفاسي وُهِبْن تمثّلاً./ فأرسلَها في بساتينَ تأْرَجُ بزكيّ الطيب،/ حجيجاً بين يديكَ».

الأنوثة كأصل

مع تداخل هذه اللغة بأجواء ولغة القرآن، ضمن تواشج اللغة وتعضّي الشاعرة بلغتها، وتعبيرها الرّمزي، وتأكيدها على الأنوثة كأصل، كما في القصيدة الأولى «فُتِق السمع، رُتِق البصر، انشقّ بعضي عن بعضي»، المتماثلة إيقاعاً مع الآية الأولى من سورة القمر: «اقتربت الساعة وانشقّ القمر». وكما في «قصيدة «طروس زليخة» التي تَسْتخلصُ منها الشهوةَ متداخلةً بالحروف:
«تشعشعي أيتها البحار.
أنا الأسماءُ إذْ هَمَّت بالصفات
أنا من تفتّقتْ كالهيدباء،
معتّقة في شين الشهوة فَراشاً من نور.
وطلعتُ منكِ عاشقةً اغتسلتْ من أوهام الوقت
وسطعتُ غباراً متلألئاً
يراقص الهباء».
ويمكن للقارئ اكتشاف هذا التداخل هنا بمعالجة وضع زليخة في جملة «أنا الأسماء وقد همّت بالصفات»، مداخلةً مع الآية 24 من سورة يوسف: « ولقد همَّت به وهمَّ بها لولا أن رأى برهان ربه». واكتشاف تداخلاتٍ أعمق مثل التداخل بين الحدث واللغة مع التوليد في: «تشعشعي»، و«شين الشهوة»؛ واكتشاف ما يطبع المسكيني بالتميّز وتجاوز ما أصبح معتاداً في الشكل والفلسفة والمفاهيم، وشكّل جدار الكهف الذي انغلق على الشعر وصار لزاماً تفجيره. وكذلك ما يمكن للقارئ ملاحظته، في التداخل الأكثر عمقاً مع فلسفة فيزياء الكم بالنسبة للوقت هنا في: «وطلعتُ منكِ عاشقةً اغتسلتْ من أوهام الوقت»، حيث يندمج الماضي والحاضر والمستقبل في هذه الفلسفة؛ وفي «طِرْس النُّطْفة» بالنسبة للاحتمالات، والوجود في مكانين بوقت واحد، حيث: «كمعنى بين سطرين/ معتّق في الاحتمال./ كحرفٍ كلَّ يوم/ يترجّل قطرةً هادرة./ وجودٌ/ كمعنى بين سطرين/ هنا وليس هنا،/ كعبير الوردة يتنفّسُ/ ولا يُري./ مصائر تكتبنا في المسافات.»./ وفي «طِرْس النّجِيّة»، حيث: «خذْ من نصوعي واصنع للبياض حجاباً./ لا تَتِهْ وإن نأت الدروب./ فهنا سلال الغيوب ملأى بكلّ احتمال». وفي «طِرْس الوتر»، بتعريفي اللامُنتَظَر والثقة اللذين يختمان المجموعة، حيث اللامنتظر: «احتمالٌ مؤجَّلٌ. زهرُ نردٍ أو لسانُ لهب»، والثقة: «مصادرة ماء النهر لملوحة البحر».
وفي كل هذا التشابك الشعري الصوفي بين الشاعرة واللغة والكون، يبرز خطاب الصوفية الأنثوية موجّهاً للإنسان وللنور بداخله: «أسرار النفخة متناسلةٌ فيكَ كما النَّفَس من النَّفَس»، و«ادنُ أيها الظّبيُ الأغرّ»، «تراقصت الأكمام بادرْ،/ هذا الصباح لملء النبيذْ».
كما هو موجّه لعناصر الحياة والموت: «أيها الياقوت الأحمر، ماذا تخفي شعابُكَ؟/ وماذا تُقرِئُني أنفاسُك أيها الكبريت الحكيم؟». وإلى العسل اللطيف في آنيتها، بما يعكس التداخل الصوفي مع عناصر الطبيعة وأحوالها، حيث: «أقبل التيه/ ولبستُ حبَّكَ الشفقُ والغسقُ،/ غرّدْ أيها القُمْرِيُّ.». وإلى الحب: «ثملِاً يطالعني القلب/ وأنتَ الضاحك في الجنان/ أيها الحبّ،/ فما همَّني؟».
لطيفة المسكيني:
«طروس»
فضاءات للنشر والتوزيع، عمّان 2020
120 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية