اليمن: تفويت منحة القمح البولندية يُعيد إلى الواجهة الحديث عن «الفساد والفشل» في استيعاب المساعدات والمنح في بلد يشهد أسوأ مأساة إنسانية في التاريخ

أحمد الأغبري
حجم الخط
0

صنعاء – «القدس العربي»: انتهت المهلة المحددة من قبل وارسو لاستلام منحة القمح البولندية لليمن، وكميتها 40 ألف طن، قبل أن تستطيع الحكومة المعترف بها إيجاد حل لمسألة شحن المنحة. فبعد ستة شهور من إشعار بولندا لليمن بالمنحة، لم تتسلم الأخيرة الشحنة بسبب مداولات في دهاليز وزارية ودبلوماسية يعود معها إلى الواجهة الحديث عما يعتبره البعض فساداً وفشلاً في استيعاب المنح والمساعدات، إذ حل اليوم الأخير في مهلة استلام المنحة، وهو 15 سبتمبر/أيلول دون استلامها، ليسحب المانح منحته.
إعلامياً تصاعدت، الإثنين، لهجة الاتهامات بين وزارتي الصناعة والتجارة والتخطيط والتعاون الدولي إزاء المسؤول عن ضياع المنحة وحرمان البلد منها، بعدما كانت وزارة الصناعة من خلال السفارة اليمنية في وارسو قد اتفقت مع رجل أعمال يمني (حسن جيد) على التكفل بنقل المنحة مقابل منحه ما نسبته 50 ٪ من كميتها؛ أي 20 ألف طن؛ مع اعتذار برنامج الغذاء العالمي عن المهمة بسبب عدم استطاعته تحمل تكاليف ذلك، والبالغة، كما ورد، 20 مليون دولار، في ظل نقص التمويل الدولي لخطة الاستجابة الإنسانية لليمن، وهو ما لم يصدر به توضيح رسمي من البرنامج.
وأرجع عضو مجلس النواب، علي عشال، انتهاء المدة المحددة للاستفادة من مساعدة القمح البولندية إلى «العجز الحكومي في التعاطي مع الأمر». وقال: «مهما كانت المبررات في عدم تفويت هذه المساعدة فإن التفويض من وزارة الصناعة والتجارة للسفيرة في بولندا للتعاقد مع شركة الغذاء الماسي لنقل المساعدة مقابل نصف الكمية عمل فيه إهدار». وطالب في تدوينة له على منصة إكس «الحكومة ممثلة في وزارات التخطيط والمالية والتجارة بتحمل مسؤولياتها وتنفيذ اختصاصاتها، والتواصل مع الجانب البولندي للحصول على المساعدة وتوفير الاعتماد المالي لضمان نقلها وفق إجراءات شفافة وواضحة».
وأضاف: «كما أن رسائل برنامج الغذاء العالمي بخصوص التكاليف الجنونية والمبالغ فيها لنقل الشحنة تشير بوضوح إلى أن ملف المساعدات ينطوي على مفاسد كبيرة تهدر أموالاً طائلة من حجم المساعدات التي يقدمها المانحون لليمن وينبغي أن يكون عمل هذه المنظمات وفق معيار الشفافية والمساءلة».
وزارة الصناعة ألمحت ضمنياً بتحمل وزارة التخطيط والتعاون الدولي مسؤولية ضياع المحنة، إلا أن الأخيرة أصدرت بياناً أخلت فيه مسؤوليتها، وحملت وزارة الصناعة والسفارة مسؤولية ما حصل، وقالت إنه تم إبلاغها والتوجيه لها من رئيس الوزراء، معين عبدالملك، بالأمر بتاريخ 11 سبتمبر/أيلول 2023، بعد أن رفض رئيس الوزراء اعتماد العقد المبرم بين وزارة الصناعة والتجارة وشركة خاصة تسمى (شركة الغذاء الماسي).
وأضاف بيان وزارة التخطيط أن وزارة الصناعة اتفقت مع الشركة أن تأخذ ما نسبته 50 ٪ من إجمالي كمية الشحنة مقابل النقل والتغليف والتوزيع.
وأشار البيان إلى أن وزارة الصناعة فوضت سفيرة اليمن في وارسو بتوقيع الاتفاق مع المستفيد وشحن الشحنة من صوامع غلال ميناء «غدانسك» البولندي، وكان آخر يوم مسموح لنقل الشحنة هو 15 سبتمبر/أيلول 2023.
وأرجعت الوزارة ضياع الشحنة إلى استمرار الأمر في قنوات وزارتي الصناعة والتجارة والخارجية عبر السفارة في بولندا.
وأوضح البيان أن «وزارة التخطيط والتعاون الدولي معنية بالمنح والمساعدات، وكان المفترض أن تمر هذه القضية وغيرها عبرها، وبحيث ستجد القنوات المناسبة، كما يصل يومياً الغذاء لملايين اليمنيين في كل المحافظات».
وأشار البيان إلى أن «وزارة التخطيط خاطبت برنامج الغذاء العالمي، والذي اعتذر وأرجع اعتذاره إلى عدم قدرته على تحمل نفقات نقل وتغليف وتوزيع الشحنة إلى المستفيدين في كل محافظات اليمن، وهو مبلغ كبير لم يستطع البرنامج توفيره نظراً لانخفاض التمويلات بشكل عام».
وبما أنها أصبحت قضية رأي عام، طالبت الوزارة، النائب العام والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة وهيئة التشاور والمصالحة ومجلس النواب بالوقوف على هذه القضية وأطرافها والوثائق والمستندات وصحتها وإعلان النتائج للرأي العام.
ونشر وزير التخطيط والتعاون الدولي في حسابه في منصة إكس عدداً من الوثائق ذات العلاقة بما تضمنه بيان وزارته.
وكانت وزارة الصناعة والتجارة قد أصدرت بياناً أشارت فيه إلى أنها غير معنية بالمنح والمساعدات، وأن البولنديين أشعروا سفارة اليمن هناك في شهر فبراير/ شباط 2023 بالمنحة، «ونظراً لعدم تفاعل الجهات المعنية بالملف الإنساني لستة أشهر فقد تلقت الوزارة في 5 أغسطس/ آب توجيهاً من رئيس مجلس الوزراء بالتنسبق والتعاون مع سفيرة اليمن في بولندا، والبحث عن آلية أو طريقة لوصول المنحة للمحتاجين في البلاد».
وأضاف البيان أنه «تم تواصل السفيرة ميرفت مجلي مع الوزير، وكانت الوزارة مقترحة أن تتولى المؤسسة الاقتصادية ذلك، لكن لم يتم التفاعل، واستمرت المتابعة للوزارة من قبل رئيس مجلس الوزراء ومكتب الرئيس (رئيس مجلس القيادة الرئاسي) وحثها على استمرار التعاون، وتسهيل أي إجراءات بهدف استلام المنحة، وإيصالها حتى تتحقق الثقة لدى الدولة المانحة، التي وعدت بمنح أخرى إذا تم استلام ونقل هذه المنحة، فتم تواصل سفيرتنا مع مجموعة هائل سعيد بحكم أن لديهم مطاحن وخبرة في هذا المجال، وتم تحرير أكثر من مذكرة، لكن كانت النتيجة اعتذارهم عن ذلك».
وتابع : «واستمر بحث السفيرة كونها تعاني من ضغط وحرج من قبل الدولة المانحة حتى وجدت حسن جيد (رجل أعمال) وتفاوضت معه، وأعد مشروع العقد وأرسله إلى الوزارة للمراجعة. وكون السفيرة تواجه ضغوطاً يومية من قبل الدولة المانحة فقد تم تفويضها باستكمال الإجراءات بهدف وصول المنحة وتعزيز الثقة لدى دولة بولندا، وخلال تلك الفترة وجه دولة الرئيس (رئيس الوزراء) وزارة التخطيط بمخاطبة برنامج الغذاء العالمي لتتولى استلام ونقل وتوزيع المنحة إلا أن البرنامج اعتذر وأشعر وزارة التخطيط أن تكاليف تلك المهمة 20 مليون دولار».
وقالت وزارة الصناعة: «نظراً لعدم تفاعل الجهات المعنية بالمنح والملف الإنساني، والبحث عن آلية مناسبة لنقل المنحة فقد تم إشعار السفيرة من قبل وزارة الخارجية البولندية بسحب المنحة».
في سياق تبادل الاتهامات بين وزارتي التخطيط والصناعة، تبقى مسؤولية الحكومة قائمة في تحمل تبعات ضياع المنحة، والتوجيه بالتحقيق في الأمر، وكشف ملابسات القضية للرأي العام. بيان وزارتي الصناعة والتخطط عبارة عن إخلاء مسؤولية وتحميل المسؤولية للوزارة الأخرى مع السفارة. إذ حملت وزارة الصناعة المسؤولية وزارة التخطيط، وأوضحت أنه تم مخاطبتها بالقضة في أغسطس/ آب، وقالت أيضاً إن القضية ظلت لدى الجهات المعنية بالملف الإنساني ستة شهور، وهو ما نفته وزارة التخطيط التي قالت إنه تم تكليفها بالمهمة بتاريخ 11 سبتمبر/أيلول، أي قبل انتهاء مهلة استلام المنحة بأربعة أيام؛ محملة وزارة الصناعة والسفارة مسؤولية ما حصل، كما طالبت بالتحقيق وكشف ملابسات القضية للرأي العام. يعتبر الصحافي الاقتصادي اليمني، عبدالحميد المساجدي، ضياع منحة القمح البولندية لليمن «إحدى دلائل الفشل والعجز في إدارة ملف المنح والمساعدات الدولية في اليمن في الأوضاع الطبيعية»، كما اعتبره أيضاً «بمثابة فضيحة فساد، خاصة إذا ما نظرنا إلى ارتفاع عجز الموازنة منذ توقف تصدير النفط وحاجة البلد إلى المنح الخارجية لسد هذا العجز ودعم المواطنين مع تفاقم الأزمة الإنسانية»
وقال لـ»القدس العربي»: «تتحمل الحكومة ككل مسؤوليتها المباشرة إزاء ذلك، حتى وإن حاولت الهيئات التابعة لها إلقاء المسؤولية على الآخر».
وفيما يتعلق بتفويض السفارة الاتفاق مع شركة لنقل الشحنة مقابل نصف المنحة، أضاف: «الحكومة كان لديها عدة خيارات، منها تكليف المؤسسة الاقتصادية اليمنية من خلال الأسطول البحري التابع لها القيام بالمهمة، وتوفير التمويل اللازم لذلك، حتى من خلال بيع جزء من كمية المنحة لتغطية التكاليف، أو أن تقوم بالإعلان عن مناقصة عامة واستقبال الطلبات من الراغبين، والحصول على أفضل شروط وأقل سعر، لكن كما عودتنا الحكومة على العمل في الظلام بدون أي شفافية، وبدون أي رقابة حاولت الاتفاق مع شركة تجارية، وبررت ذلك برفض برنامج الغذاء العالمي لنقص المخصصات اللازمة، وقرب موعد انتهاء مهلة المنحة لتبرير الاتفاق بالأمر المباشر، والذي جاء بعد مساومات في الظلام مع شركات أخرى حاولت تحقيق مكاسب أعلى، الأمر الذي يثبت ضلوع المسؤولين في قضايا غير قانونية بهدف التربح، بغض النظر عن المعاناة الإنسانية، أو ما قد يسببه هذا من مفاقمة للأوضاع الإنسانية».
وفيما يتعلق ببقاء الشحنة ستة شهور دون استلامها من قبل الحكومة قال: «هذه المنحة وغيرها من المنح العينية أو النقدية التي يتم الإعلان عنها؛ ولا يتم استيعابها أو الاستفادة منها، دليل يثبت ذلك الفشل، وهناك شواهد عدة منها ما تم الإعلان عنه من دعم سعودي لـ 17 مشروعاً تنموياً، في اليمن في العام 2022م، وعندما طلبت دراسات الجدوى الخاصة بها عجزت الحكومة عن ذلك، وهناك غيرها من المنح والمساعدات».
وكانت الحكومة البولندية أعلنت في فبراير/شباط عن منحة قمح أوكراني قدرها أربعون ألف طن مساعدة للشعب اليمني في ظل ظروف الحرب التي يشهدها البلد منذ تسع سنوات.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية