وسط الضجيج الذي تحفل به السوشيال ميديا وصفحات الإعلام في مصر الآن، والذي لا أستطيع أن أمنع نفسي عن متابعته والمشاركة فيه بالرأي، جاء خبر وفاة الفنانة اللبنانية الأصل نجاح سلام في الثامن والعشرين من سبتمبر/أيلول، فأقام حولي خيمة من الحنين والشجن والذكريات مع أغانيها ومع الوطن والناس.
دائما يتم اختصار الحياة الفنية في اسم أو اثنين، لكن دائما هناك غيرهم لهم تأثيرهم في المستمعين من الأجيال كافة. عرفت مصر أسماء كثيرة لم تحظ بشهرة أم كلثوم أو فريد الأطرش أو عبد الحليم حافظ، لكن أحدا لا يستطيع أن ينكر أصواتا رائعة مثل محمد قنديل، أو عبد الغني السيد، أو كارم محمود، أو أسمهان، تتالت علينا أصوات مثل محرم فؤاد وماهر العطار وهاني شاكر أيضا لا يمكن إنكارهم، حتى أحمد عدوية لا يمكن إنكاره. ومثلي لا يمكن أن ينسى أسماء من الإسكندرية مثل بدرية السيد أو عزت عوض الله وغيرهما، وسبق لي أن كتبت عنهم هنا. الآن تملا الساحة أصوات مثل مدحت صالح ومحمد منير وعلي الحجار وعزة بلبع وأنغام وشيرين ومحمد محسن وغيرهم، فضلا عن الفرق الفنية التي ظهرت بعد ثورة يناير/كانون الثاني، وهم بلا شك يستحقون كل احتفاء. نجاح سلام كانت في الصف الأول من المطربين منذ ظهورها، أي شخص يعرف أن نجاح سلام لبنانية الأصل لن يندهش فما أجمل الأصوات التي جاءتنا من الشام مثل صباح وفايزة أحمد. وحين تعرف تاريخ ميلاد نجاح سلام وكيف كانت رحلتها الأولى إلى مصر، تتذكر مصر ذلك الوقت، حين كانت أم الدنيا مفتوحة لكل الناس، وكيف كانت النهضة فيها من صناعها من الشام الكثير في الثقافة والاقتصاد وغيرهما.
كانت معرفتي الأولي بنجاح سلام في طفولتي أو صباي، حين كانت أمي رحمها الله تغني لي مقطعا من أغنية نجاح سلام «برهوم حاكينا» حين تداعبني أو تراني غاضبا من أجل شيء أريده لم يتحقق، لكن معرفتي الأكبر بها كانت عام 1956 أثناء العدوان الثلاثي على مصر حين غنت «أنا النيل مقبرة للغزاة. انا الشعب نار تبيد الطغاة» التي كتبها الشاعر محمود حسن إسماعيل ولحنها رياض السنباطي، وكذلك أغنية «يا أغلى اسم في الوجود.. يا مصر»، من كلمات إسماعيل الحبروك وتلحين محمد الموجي. لم تكن كل منهما مجرد أغنية نسمعها في الراديو، لكنها كانت أغنية تنطلق كل يوم في الصباح في إذاعة المدرسة الابتدائية التي كنت طالبا فيها.
أخذتني نجاح سلام بعيدا عن الجدل السائر الآن حول الانتخابات الرئاسية، ووجدت في استرجاع صوتها ملاذا للبعد عن شيء يبدو مثل الأمل المستحيل في تغيير الرئيس، وإن تمنيت أن يحدث. ولدت نجاح سلام في بيروت عام 1931 وسط عائلة محبة للفن والثقافة والصحافة تعلمت بينها الغناء.
من الأغاني التي احتفت بها الإذاعة المصرية والتى مشت في فضاء مصر وروح أهلها من كل الأجيال، كما قلت أغنية « أنا النيل مقبرة للغزاة» و»يا أغلى إسم في الوجود يامصر» ليس مجرد الكلمات الجميلة، لكنه صوت نجاح سلام الجميل الذي يحتضن سامعه بالمشاعر الصادقة، فضلا عن كلمات كثير من أغانيها.
هي ابنة الملحن وعازف العود الشهير محيي الدين سلام، الذي كان سبباً في دخولها عالم الفن، وجدها مفتي لبنان الشّيخ عبدالرحمن سلام. وفدت إلى مصر لأول مرة عام 1948 فعرفت طريقها إلى الغناء، ثم السينما في سنها المبكر. عاشت بين القاهرة وبيروت سنوات طويلة. ساهت في أفلام مثل «على كيفك « مع النجمة ليلى فوزي عام 1952 وفي 1953 شاركت نجم الكوميديا إسماعيل ياسين بطولة فيلمي «ابن ذوات» و»الدنيا لما تضحك» وأفلام أخرى مع غيره مثل «السعد وعد» و»الكمساريات الفاتنات» وغيرها. حوالي خمسة عشر فيلما شاركت فيها أسماء مثل كارم محمود وكمال الشناوي وزوجها ذلك الوقت الفنان محمد سلمان وسعاد حسني وغيرهم. أفلام غنائية وكوميدية أبهجتنا أي بهجة. ولأن الأفلام ذلك الوقت كانت تُعرض ثم تختفي، فلم تكن هناك سوشيال ميديا، ولا حتى شرائط تسجيل مصورة تباع وتعرض في فيديوهات، كان يمكن للأفلام أن تظل في ذاكرة البعض، لكن الأغاني كانت تأتي كل يوم من محطات الإذاعة المختلفة، فلم يكن ممكنا أن تغيب عنها مطربة مثل نجاح سلام.
من الأغاني التي احتفت بها الإذاعة المصرية والتى مشت في فضاء مصر وروح أهلها من كل الأجيال، كما قلت أغنية « أنا النيل مقبرة للغزاة» و»يا أغلى إسم في الوجود يامصر» ليس مجرد الكلمات الجميلة، لكنه صوت نجاح سلام الجميل الذي يحتضن سامعه بالمشاعر الصادقة، فضلا عن كلمات كثير من أغانيها. أغنية مثل «الشاب الأسمر جنني» في وقت مبكر كنت أراها على شفاه كثير من الفتيات في الحي الذي أسكنه في لقاءاتهن مع بعضهن. في الأغاني الوطينة غنت لسوريا ولبنان والجزائر وللوطن العربي كله وبلغت أغانيها الثلاثمئة أغنية، كما جاء في إحصاء الويكيبديا، وهي بالفعل كثيرة جدا، لكن من بينها تقف أغنية «عايز جواباتك.. خدها» التي كتبها حسين السيد ولحنها رياض السنباطي من بين أغانيها العاطفية أمامي. كانت كأنما هي إجابة على كثير من قصص الحب الضائعة. كانت فضاء يسبح فيه كثير من الفتيات والنساء. صارت وقتها ولسنوات كأنها السؤال الذي ضاع من كل الأحباء. هكذا الأغاني الجميلة تكون إجابة على أسئلة قد تغيب عنا، رغم أننا نعيشها كل يوم. طبعا تغيرت الدنيا ولم تعد هناك جوابات يتم إرسالها، بل الرسائل تأتي عن طريق الماسينجر والواتساب، وربما يقوم المحب الآن بمسح الرسائل في غضب، وإن لم يسلم الأمر من سيئي النفوس الذين يقومون بحفظ الرسائل، ومحاولة فضح الحبيب والضغط عليه، وقد تحدث جرائم قتل للفتيات والنساء، وهذا يتكرر كثيرا في مصر الآن، دون حتى أن تكون هناك رسائل. أذكر منذ حوالي خمسة عشر عاما أن اعتدى شاب على والد فتاة، لأنه رفض أن يعيد رسائل حبه إلى ابنته. كتبت يومها مقالا اندهش هل هناك من لا يزال يرسل الرسائل الورقية. لكن قبل السوشيال ميديا كانت الرسائل هي الحب الطائر بين الأحياء والبلاد. والآن هناك بعض الشباب يجدون رسائل عند باعة الكتب القديمة ينشرونها، وعادة تكون رسائل مضت عليها عشرات السنين، ولا يعرف أحد أين ذهب أصحابها. كانت الرسائل الورقية تحمل عطر كاتبها رجلا أو امرأة، ومشاعر كاتبها في الخط نفسه، فهو يتشكل لا بقدرة الكاتب على الخط، لكن تنتقل المشاعر إلى شكل الكلمات نفسها، وتعرف منها الاهتمام أو السرعة. ليس من الضرورة أن يكون كاتبها حسن الخط ففي الخط نفسه مشاعره. جاءت تلك الأغنية لتلخص ما كان أمام الجميع يبدو غائبا، لكنه حاضر في الروح. لقد حفلت السوشيال ميديا بالرثاء للفنانة العظيمة من لبنان وغيرها، ومن شخصيات متعددة، لكني أحب أن أختم مقالي بما كتبه الشاعر والإعلامي زاهي وهبة عن نجاح سلام، فهو يعكس جانبا إنسانيا يعرفه أهل مصر حين كانت بينهم، وأهل لبنان الذي عاشت فيه سنواتها الأخيرة وفيه توفيت. «نجاح سلام يبقى صوتها المشع حاضرا في الذاكرة والوجدان. من آخر الكبار الذين طبعوا زمنا بفنهم وأغنياتهم الخالدة. لها ركن راسخ في قلبي وفكري هي التي كانت دائمة الحضور في برنامج « خليك بالبيت» ضيفة متألقة ومحدثة لبقة ومتصلة تثري الحوار مع أي ضيفة أو ضيف ومحبة تغمر الاستوديو بباقات الورد التي ترسلها إكراما لهذا الضيف أو الضيفة. لها الرحمة والمغفرة ولأسرتها وذويها ومحبيها خالص العزاء».
أما أنا فاقول: «وداعا يا سيدتي.. حقا أقام رحيلك خيمة من الشجن حولي، لكن ما أجمله من شجن في زمن سياسي تهافتت علينا فيه الضباع».
روائي مصري