«بصورة مفاجئة» مجموعة قصص المصري منتصر القفاش: شذرات من رواية الحياة عوناً على قسوة الموت

المثنى الشيخ عطية
حجم الخط
0

يعرف المتابعون لسوق الشعر والرواية مدى امتداد أرض الرواية على مساحات انحسار الشعر؛ ومن دون بحث في الأسباب التي ليست موضوعنا هنا، يعرفُ المراقبون أن قدرة الرواية على احتلال المساحات طالت كذلك ابنتَها «القصة القصيرة» الأثيرة التي لا تفارق أحشاءها في جنينية الحكاية، بعد ذيوع صيتها في ستينات وسبعينات القرن الماضي، قبل أن تنحسرَ، مفرغةً ساحاتِها لفم الأم التي لا تبدو نادمةً في خُيَلاء عيشها اهتمامَ القارئ.
في جدلية هذا الامتداد والانحسار، كما لو كان مريداً في منظّمة حماية الحيوانات الأدبية النادرة من الانقراض، ويهيئ لها المحميّة التي تَقِيها نيران أسلحة الروايات الصَيَّادة، يفاجِئُنا الروائي والقاص المصري منتصر القفاش بمجموعةٍ قصصية مدهشة في إثارتها للدهشة، وفي تأثيرها بإعادة فن القصة القصيرة إلى دائرة الاهتمام. ليس هذا بسبب فنيتها العالية في معالجة أدوار الحياة والموت، وتميّزها بالتقاط النادر الموجود باعتيادٍ أمام العين من موضوعات، وبساطتها في السّرد الذي يتكشف عن أعماق فنية، سيكولوجية، وفردية جمعية تجعل من القارئ بطل القصص فحسب، ولكنْ، أكثر من ذلك قيادتها القارئ بعصا الواقعية السحرية إلى رؤية أعماقه، وإزالتها لخوفه مما يثير الإحباط والندم على ماضيه، بمسحوق الرضا السحري الذي يعينه على مواجهة الماضي بذكرياتٍ تنقلب مآسيها إلى جمال لطيف طريف يعينه على الحياة، وعلى تقبّل ما تنتهي إليه من موتٍ بالرضا والجمال.
«بصورةٍ مفاجئةٍ»، تعكس الدهشة أولاً عند وضعها كعنوان لمجموعته القصصية، يؤكّد القفاش هذه الدهشة لقارئه، في سردها باستقلال كل قصة، وارتباط القصص في ذات الوقت ببعضها في عِقدٍ بـ «واسطة عقدٍ» مرئيةٍ وغير مرئيةٍ كثيمةٍ. ويزيد القفاش ذلك بإثارة الدهشة من أسلوبه القصصي المميّز الذي يلتقط القارئُ فنّياته متداخلةً مع حياته، وحيوات من حوله، كما لو كان هو الراوي، وكما لو كان الآخرين حوله.
ولا تُستَثنى البنية التي وضعها القفاش لمجموعته من مزايا أسلوبه، في خلق الارتباطات سواء بترتيب توالي القصص السبع عشرة، المتوسطة الطول في الغالب، وفق ما يريد لموضوعاته من تكامل، أو بما يريد لهذه القصص من أن تكون مستقلةً كل واحدة بذاتها ضمن الباقة التي تُوَحِّدها، بما يبدو أنه تصميمُ بناءٍ تساندُ أجزاؤه بعضَها في إيراد ما يُذكّر أنها جزء من هذا البناء.
كما لا تستثنى منظومة السّرد التي تكتفي براوٍ عليم صريح في القصة الأولى، عن حرب التفاح بين الذكورة والأنوثة، إلى راوٍ عليم مشارك في القصص كبطل يسرد بصيغة المتكلم عنه وعن شخصيات القصص، بتأكيد واضحٍ لارتباط القصص في الشكل والمحتوى.
في أسلوبه المميز بخلق الارتباطات، يتجلَّى ذكاء العين البصيرة، بالتقاط ما يبدو أنه عادي نراه أمامنا كل يوم ولا يثير اهتمامنا، لكنه سرعان ما يدهشنا بالتقاط القفاش له، وإبراز ما يكمن في داخله وخارجه من طاقة تُغيّر نظرتنا للأشياء وتمنحُنا عيناً ثالثة نرى بها عمق وجمال الوجود، بما يعيننا على تقبّله، وعيشه كمعين لنا على الحياة، وتقبّل ما نفقد فيها. ويظهر هذا في جميع القصص تقريباً، مثل حصان الشطرنج في قصة «من صندوق اللُّعَب»، الذي يتحول باختفائه وظهوره السحري إلى تقويم للأحداث التي تمرُّ بالعائلة، برمزية الحصان. ومثل «الزلطة» في قصة «جوهرة»، التي تكمن في الدرج السحري الذي أخفى فيه الوالد مسدساً، ووضعها إلى جانبه، ربما تذكيراً بإنذاره كموظف للضرائب يزعج وجودُه المزارعين والمُلّاك، وبقيتْ كجوهرة للعرض بإسباغ سحرية ما عليها. ومثلُ رؤية جَدِّ الراوي الجديدة للأشياء بقصة «في رؤية الأشياء» التي تتوِّج التقاط القفاش لموضوعاته، وفتحه أبوابَ دعوة القارئ لالتقاط ما في الأشياء المعتادة من حياة في ذات الوقت، مع مداخلة القفاش لهذا بأحد أهم ما يميّز أسلوبه في تداخل الواقع والخيال إلى درجة الحيرة، كما لو في عوالم متعددة، يذكرها صراحة في إحدى مقابلاته.
إلى جانب مداخلته لهذا كذلك بالواقعية السحرية التي تُميّز أسلوبه، حيث: «وفي مرّة، وبعد رجوعه من عند طبيب الأسنان، حدّثَنا أنه قبل دخوله العيادة، وقف طويلاً أمام المرآة الموجودة في مدخل العمارة. أخيراً اهتموا بتلميعها، وتنظيف إطارها وطلائه مرة أخرى باللون الذهبي. أعجبته صورته فيها وقد تجدّدت أيضاً، ونفضتْ عنها ما كان يراه من غبار ونقاط سوداء متناثرة على سطحها، لكنه انتبه إلى أنها لا تعكس ساعة يده.»… «وضحك وهو يخبرنا بأن تفكيره في هذه المسألة جعله لا يحسّ بأي ألم ـ كما اعتاد من قبل بينما الطبيب يخلع ضرسه. وقبل مغادرته العمارة كرّر وقوفه أمامها، وتأكد من إصرارها على تجاهل الساعة».
ويلاحظ القارئ هنا خلق القفّاش لحالة التمسّك بالحياة من خلال عيش ما فيها برؤيةٍ جديدة مفتوحة على التقاط ما فيها، بدهشة رؤيته كما لو كانت المرة الأولى. ويزيد ذلك بإنباض هذا المرئي اللامرئي بخلق ثيمةٍ له، في أغنية شادية القديمة في فيلم «وداع في الفجر»: «دوّر عليه تلقاه»، التي تتكرّر في أكثر من قصة بغناء الأبطال لها.
إلى جانب ذكاء الالتقاط وإنباضه بالتجدّد؛ يُميّز القفاش أسلوبه بسرد حدث يومي بسيط، يكتشف القارئ بلا وعيه أنه عميقٌ ويخصّ حياته، ويكتشف مع استمتاعه أكثر إن كان مُطّلعاً، مدى ما في مداخلة القفاش لهذا الحدث بالثقافة من عمق، ويمكنه رؤية ذلك في قصة «كان يا ما كان تلك الحرب»، عن حرب التفاح بين الرجل والمرأة، التي لم تدم سوى دقائق بين طفل وطفلة في حاضرنا، لكنها تعكس حرب الذكورة والأنوثة التي ماتزال مشتعلة بين الرجل والمرأة حتى قراءتنا لهذه القصة. ففي لعبة الحرب مع ابنة العم الزائرة كما يسرد الراوي العليم: «حوالي أربعين سنة مرّت على الحرب التي دارت بينهما، وكانا كلما سمحت الظروف يحكيان وقائعها. غير معروف كم مرة حكياها، لكن المؤكد أن ّ أحداً لم يسمع الحكاية في حضورهما معاً. ربما كانت أكثر حرصاً على ذكر وقائع ما جرى، وإن أسهبت وبالغت في وصف فزعه حينما فاجأته القنابل التي انهالت عليه، وفي وصف إحباطه بعدما لم يستطع تقبيلها، وغضبه وقد ثبتته في الأرض غير قادر على إزاحتها عنه، وكانت تنهي حكايتها باستيلائها على كل الأسلحة التي جمعها على مدار فترات طويلة، ولم تترك له سوى مشبك غسيلٍ مكسور. أما هو فكان يحكي بمنطق الأستاذ الخبير في الحروب الذي سمح لتلميذته بالتغلب عليه، وكان في استطاعته هزيمتها بأقل مجهود، لكنه أراد أن تنعم بلذة الانتصار ولو لمرة واحدة، وأن ينعم هو بتقبيلها أول مرة، ويحرص على ذكر أنها أهدته خاتما بلاستيكياً، امتناناً منها لصبره على تعليمها». «تتعدّد الاختلافات في حكايتيهما لكنهما تشابها في القدرة على اختيار الوقت المناسب للحكي. وقت يكون فيه من يسمع مهيأً للإصغاء، أطول فترة ممكنة، لحكاية عن حربٍ لم تدم إلا دقائق».
ومثل ذلك في قصة الحبل، من قصص «صندوق اللُّعَب»، عن الطفل الذي يعقد بالحبل عقداً لا تحلّ، ويكتشف القارئ أنها العقدة الغوردية التي كان حلَها بسيطاً بسيف الاسكندر، من غير إفصاحٍ بذلك، مع تعميق صورة عاقد العقد الشغوف بتسجيل الأهداف وهزّ الشبكة الافتراضية بيديه. وأيضاً، ما في قصة «تلك الظلال»، التي تتحدّث عن ظلال ثلاثة كلاب بجسد واحد وثلاثة رؤوس، تعيد للذهن صورة كلب الجحيم سيربيروس الذي يحرس مدخل كهف الأموات، في تعبير عن وجودنا ولعبنا في البرزخ الكائن بين الحياة والموت، وتحوّل الكلاب بواقعية سحرية إلى كلاب واقعيةٍ تختفي بواقعيةٍ سحرية.
في عمق الارتباطات المميزة للمجموعة، بما يخص ارتباط موضوعات القصص التي تتناول عائلة الراوي، من الأب إلى الأم إلى الجد وإلى الإخوة والعم والخال والأصدقاء والجيران، كما لو كانت روايةً، لا يُخفي القفاش تلك الارتباطات، ويُوَشّي ثياب قصصه بأحداثٍ من بعضها، كما في قصة «أماكن الكنز» التي يرد فيها ذكر فعل الراوي بتمزيق بطانة صندوق الأب في قصة «فتح الصندوق».  وكما في إيراد تفكير انتقام الأب من الرجل الذي سرق حبيبته في قصة «مشروع جريمة قتل»، مرتبطاً بقصة حب الأب من المرأة التي وردت رسالة منها له في قصة «رسائل»، حيث: «تعثرت في بضع كلمات، تجاوزتها لأواصل تتبع تفاصيل خطة القتل التي وصفها بـ «المُحْكَمَة». وكتب الكلمة بالتشكيل وبحجم أكبر من بقية الكلمات. ومن الذي كان يخطط لقتله بالسمّ؟ شخصٌ اسمه أحمد، زميل دراسة في المدرسة الثانوية، استطاع الزواج من حبيبة أبي الموصوفة بـ«الدرة الفريدة»، بعد «تدبيره مكائد واحدة تلو أخرى حتى أوقع بيني وبين أسرته».
وفي هذه الارتباطات الساعية إلى التكامل مجموعةً توحي بالرواية، يصيغ القفاش تداخل عناصر الأسرار في حياة كل شخص، وعناصر الفقد الملطّف بسحرية الذكريات والأحلام المتداخلة بالواقع، وعناصر تبادل أدوار الحياة والموت بتوسيع أفق مفهوم الفقد إلى تَقبُّل عيش تبادل الأدوار بآفاق الجمال؛ كما يصيغ القارئ بالتأكيد، تداخلَ تجارب حياته بهذا التداخل البسيط الفريد، وإيصاله إلى ما يشاء من روايات.

منتصر القفاش: «بصورة مفاجئة»
الكتب خان للنشر والتوزيع، القاهرة 2023
134 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية