لم يكن متوقعاً أن تُحدث عملية طوفان الأقصى هذا التأثير الإيجابي في الحركة الثقافية المصرية بقطاعاتها كافة، ومُختلف مشاربها، فمنذ اليوم الأول للعمليات الفدائية التي بدأت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الجاري في توقيت مُتزامن مع ذكرى حرب 73، بدت مُتغيرات كُبرى في وجهات النظر السياسية لدى المُثقفين والشرائح الاجتماعية كافة، فما كان محل خلاف بين عموم المصريين والفصائل الفلسطينية المُقاتلة تبددت غيومه تماماً وصار ضبابه فجراً وضوءا ساطعا.
لقد استشعر المصريون مع تصاعد الضربات المُركزة والموجعة للعدو الصهيوني، أن هناك حرباً ضارية ستُضرم نيرانها في المستوطنات اليهودية، وتنسحب على جميع القطاعات في الأراضي المُحتلة، التي استولت عليها إسرائيل جبراً وغصباً بقوة السلاح والعتاد وآلة الحرب المدعومة من الولايات المُتحدة الأمريكية، حينئذ ومع ثبات الرؤية العسكرية ووضوحها، لم يتردد الشعب المصري في إعلان تضامنه الكامل مع أشقائه في قطاع غزة وفلسطين قاطبة، فالحرب ليست حرب فصائل وانتماءات سياسية، وإنما هي بالفعل طوفان يتجاوز في شكله وتأثيره حدود المواجهات التقليدية، التي تعددت مراراً وتكراراً بين العدو الإسرائيلي وكتائب المقاومة، وعليه انتفضت كل الحركات السياسية والثقافية في مصر في ابتهاج وفرح لتُعلن تأييدها لمعركة المصير.
ورغم عدم التكافؤ العسكري بين القوتين، إلا أن اليقين في إحراز النصر، ساور كل الفئات، لاسيما أن الطرف الغاصب والمُعتدي أُسقط في يده من هول المُباغتة وقوة البأس وحُسن التخطيط والتدبير، فظهرت عليه آيات الخوف والرُعب، ما زاد من نشوة الانتصار لدى المصريين والإحساس المؤكد بأن المعركة ستمتد طويلاً، ولن تنتهي إلا بسقوط الكيان الخرافي الوهمي.
وبعد مُضي عدة ساعات من تفوق قوات المقاومة الفلسطينية وتوغلها داخل الأراضي المُحتلة، بدأ الإعلان الصريح عبر وسائل الإعلام العربية عن وقوف الشعب المصري جنباً إلى جنب مع المقاومين من أصحاب الحق. وقد نقلت قناة «الميادين» وقناة «الجزيرة» وبقية نوافذ التغطية الفضائية، صوراً حية لوقفات احتجاجية لمثقفين مصريين في بعض ميادين القاهرة والإسكندرية تضامناً مع الشعب الفلسطيني المُناضل، حيث لم تتحول بعد الدماء الساخنة التي تجري في عروق الأشقاء إلى ماء بارد. وتُعد تلك المشاعر الفياضة من جانب الشعب المصري تجاه أشقائه في العروبة والدم من المُكتسبات الكُبرى للحرب، حيث دوت الشعارات وصدحت الأصوات تُردد بإيقاع ثابت وقوي.. يا فلسطيني يا فلسطيني ـ دمك دمي دينك ديني، وهنا كشف الطوفان الجارف لشلالات النار والبارود عن لُحمة الشعبين المصري والفلسطيني، فما من مواطن شريف إلا وردد بكل قوة وحماس عبارات تُفيد بانتمائه العرقي والوطني والعقائدي للقدس وبيت المقدس، كرموز لها من القداسة ما يستوجب التضحية والفداء وبذل الروح والدم في سبيل تحريرها وتطهيرها من دنس الصهاينة. وليس أدل على صدق المشاعر وروح التضامن من ردود الأفعال الغاضبة والساخطة التي دفعت الملايين من الشباب المصري، على وسائل التواصل الاجتماعي، لإعلان تأييدهم للمقاومة واستعدادهم لدعمها بكل الإمكانيات المُتاحة، فقد استوحى هؤلاء الأحرار روح الانتصار من حرب أكتوبر المجيدة، رغم أنهم لم يعيشوا أجواء الحرب ولم يكن أحدهم قد ولد بعد إبان وقوع الانتصار وتحطيم أسطورة إسرائيل الكاذبة بأنها صاحبة الجيش الذي لا يُقهر.
إن استرجاع هزيمة إسرائيل بأثر رجعي واجترار ذكرى حرب العاشر من رمضان، قد لفت إلى إمكانية تحقيق المُعادلة الصعبة في المعركة الراهنة بين المقاومة الفلسطينية وقوات الاحتلال وتحقيق النصر بأقل الخسائر وبأسرع مما تظن إسرائيل نفسها. لكن وقوف أمريكا الدائم والمُعتاد إلى جانب الكيان الصهيوني الذي يُمثل ذراعها الطويلة في الشرق الأوسط هو ما يفرض إعادة الحسابات والنظر بعين الاعتبار للدعم اللوجستي الضخم الذي تقدمه الولايات المُتحدة لإسرائيل، كلما استشعرت خطر زوالها من خرائط الجغرافيا وسجلات التاريخ. لقد عرضت قناة «ماسبيرو زمان» التابعة لقنوات التلفزيون المصري رسمياً فيلماً وثائقياً مهماً عن تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي منذ حرب 48 وما قبلها استعرضت خلاله بالصوت والصورة عبر تعليقات رواد الإذاعة الراحلين أحمد سمير ومحمود سلطان وزينب الحكيم، مراحل تأسيس الكيان الصهيوني وحُلم هرتزل زعيم الصهيونية العالمية بإنشاء وطن لليهود على أرض فلسطين، وكيف تم التخطيط لتحقيق الحُلم بتواطؤ القوى العالمية والاستعمارية الكُبرى، وتسلل بعض اليهود للأراضي الفلسطينية بطُرق ملتوية وتحت مزاعم مُختلفة تذرع بها المتآمرون من القادة بضعف اليهود واضطهادهم وأهمية بقائهم المؤقت في فلسطين لحمايتهم من خطر المُتربصين بهم. وقد حدث بالفعل، حيث نجحت خُطة «المسكنة» وإبداء الضعف والهوان حتى تم التمكين، إلى أن جاء وعد بلفور المشؤوم في 2 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1917 الذي تمثل في بيان رسمي أصدرته الحكومة البريطانية أثناء الحرب العالمية الأولى يقضي بتأسيس وطن قومي لليهود على أرض فلسطين، ومنذ ذلك التاريخ والصراع قائم بين العرب وإسرائيل، ورغم ما طرأ من مُتغيرات بشأن سياسة التطبيع والمشاريع المشبوهة، التي تسعى إسرائيل لإقامتها مع بعض الدول العربية، التي باتت تُحلق بعيداً عن السرب، إلا أن الشعوب ما زالت على عهدها وإيمانها المُطلق بالقضية الفلسطينية فلا مساومة ولا تفريط في حق من الحقوق، وبهذا تُمثل الشعوب العربية ظهيراً شعبياً قوياً ومتيناً لفلسطين الوطن والشعب والقضية والمصير.
ومن ملامح الدعم المصري الرسمي أيضاً لمعركة طوفان الأقصى تناول المحطات الإذاعية بمختلف برامجها لتفاصيل ما يجري في قطاع غزة أولاً بأول، ومحاولة الوقوف على آخر المُستجدات بما يعني الاهتمام بضرورة التغطية ومتابعة الأحداث، وبالطبع يأتي دور إذاعة «صوت العرب» في المقدمة باعتبارها محطة معنية بالأساس بالشؤون العربية وقضايا الوطن الكبير، وبالربط بين احتفالات نصر أكتوبر 73 والحرب الغزاوية الدائرة في الأراضي الفلسطينية المُحتلة، يُمكن استنتاج المعاني واستبيان الحقائق ففلسطين الباسلة هي دُرة التاج العربي وستظل.
كاتب مصري