أكتب هذه الزاوية أسبوعياً في صباح كل يوم جمعة، لتنشر يوم السبت؛ وذلك منذ (20 عاماً تقريباً)، وما أن هممت بكتابتها الآن حتى تذكرت أنني لم أحصل على “التفويض” من الشعب المصري وشعوب المنطقة قاطبة بالكتابة، وقد صار “التفويض” لازماً لقيام المرء بمهام عمله، واستذكار التلميذ لدروسه، ودخول الطبيب لغرفة العمليات!
الساعة الآن تجاوزت السابعة والنصف صباحاً، وبعد حوالي خمس ساعات من الآن، ستنقل القنوات التلفزيونية المصرية؛ ما ظهر منها وما بطن، مظاهرات دعت اليها الحاشية، لمنح الجنرال تفويضا للمرة الثانية، بعد أن فوضته للمرة الأولى بناء على طلبه بعد انقلابه العسكرية ليواجه ما أسماه بـ “الإرهاب المحتمل”، فإذا به يرتكب بموجبه سلسلة من المجازر، ومعلوم أن مجزرتين ارتكبتا قبل التفويض وبدونه، هي مجزرة “المنصة”، و”الحرس الجمهوري”! في هذه المرة لم يطلب هو التفويض، لكن رتبت له الأجهزة الأمنية، وحشدت الصحف والأحزاب والبرلمان للمهمة، و في الأولى طلب التفويض، لأنه لم تكن له سوى صفة واحدة للتحرك، وهي “قائد الانقلاب العسكري”، فقد كان هناك رئيس مؤقت اسمه عدلي منصور على ما أتذكر، وصفة وزير الدفاع لا تخول له القيام بالمجازر، فتحرك تحت غطاء شعبي، فكان طلبه للتفويض، الأمر الذي يجعل طلبه الآن يمثل مزاحاً ثقيلاً، فكل ما يريد أن يحصل عليه بالتفويض عمل من أعمال الوظيفة، بموجب المواد 139، و151، و152 من الدستور، لكن القوم أولاد حظ، لذا فإنهم يموتون في “الزفة”!
البث المباشر للمظاهرات
وسوف تنصب “الزفة”، حيث تمت الدعوة لمظاهرات في أماكن محددة في طول المحروسة وعرضها، وصدر بيان من وزارة الداخلية يقول إنه وافق على الترخيص بالتظاهر في هذه الأماكن، لكن البيان لم يسم الجهة التي تقدمت بطلب الترخيص لهذه “الزفة”، التي ستمنح التفويض للجنرال للقيام باختصاصه الوظيفي، في حين أن الدستور لا يعرف “التفويض” ولم ينص عليه؛ الأمر الذي دفعني لأن أستشعر الحرج لقيامي بكتابة هذه السطور، دون الحصول على تفويض بذلك، من الشعب، أي شعب!
ولأنها “زفة” فسوف تتخلى القنوات التلفزيونية المصرية عن حذرها في نقل مظاهرات التفويض، على نحو يوحي، كما لو كانت مصر تخوض حرباً، وفي الحروب يباح للحاكم العربي ما لا يباح له في غيرها، وفي عهد الزعيم خالد الذكر، كان شعار المرحلة “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، ويريد “العاهل” المصري أن يتمتع بمكاسب الحروب بدون خوضها، وقد شاهدنا كيف أن البرلمان بغرفتيه (النواب والشيوخ)، استيقظ من مرقده على مدى الأسبوع الماضي، فأعلن التفافه حول “القائد الضرورة”، ونقلت المحطات التلفزيونية “الزفة المنصوبة”، وذهبت قناة “النيل” للأخبار بعيداً، فبدأت في النقل المباشر للمظاهرات التي دعت اليها نقابة الصحافيين المصريين دفاعاً عن غزة، وانحيازا لقضية فلسطين! كان البث المباشر للمظاهرات منذ بدايتها، يمثل أول الرقص، الذي هو “حنجلة”، ويبدو أن اختيار القناة المذكورة، كان تمهيداً لنقل مراسم “الليلة الكبيرة”، وعلى أساس أنها قناة لا يشاهدها أحد، وضبطت القناة متلبسة بالنقل من هناك، فنشرت الخبر على صفحتي في فيسبوك، وضبط أهل الحكم مشاهداً لـ”النيل للأخبار”، فكان الهتاف “امسك مشاهد”، وعليه صدرت التعليمات بالتوقف سريعاً عن البث، فلا معنى للتمهيد بمظاهرة لن ترفع صورة الجنرال، ولن تمنحه التفويض المطلوب، فاكتفوا بهذا القدر، للاستعداد لمظاهرات التفويض الكبرى، التي سيتم شحن المشاركين فيها، كما شحنوهم من قبل لتحرير التوكيلات الرئاسية للجنرال!
مشاهدو «الجزيرة» ومشاهدو «العربية»
وعلى ذكر مشاهدي “النيل للأخبار”، فما أن نشرت هذه الزاوية يوم السبت الماضي، حتى وجدت سيلاً من الرسائل والتعليقات عن خطأ وقعت فيه عندما ذكرت في مجال المقارنة أن أعداد مشاهدي قناة “العربية هم 11 مليوناً وكسور، والصحيح أنهم 11 ألفاً، إذ لا يعقل أن يكون أعداد المشاهدين لـ”الجزيرة” في الوقت نفسه على المنصة نفسها “يوتيوب” هم قرابة الربع مليون مشاهد، و”العربية” أعداد المشاهدين لها بالملايين، والحقيقة إن من أحاطوني علماً بما نشرت، أجمعوا على أن مليوناً حل محل الألف، ويبدو أنني أصبت بعدوى التضخيم للأرقام، من الجنرال الذي أوصلنا الى فئات للعملة لم تكن تروى على لسان أحد من قبله، وحسناً أنني لم أكتب أن مشاهدي العربية هم 11 تريليونا!
وإذا كان الشيء بالشيء يُذكر، فإنه في ذروة المشاهدة في الأسبوع الماضي، وعندما ارتكب الاحتلال مجزرة مستشفى المعمداني، فإن أعداد المشاهدين عبر منصة “يوتيوب”، كانوا 358 ألف مشاهد، بينما عدد مشاهدي “العربية” كانوا 18 ألفاً فقط، بينما “القاهرة الإخبارية”، التي تنطلق من عاصمة الخبر، كان أعداد المشاهدين هم 361 أولا عن آخر (بدون ألف) تؤنس وحشة الرقم، لكني لم أهتم بقناة أخرى منافسة هي “اكسترا نيوز”، المملوكة للشركة نفسها “المتحدة”، وفي المرة السابقة كان أعداد المشاهدين لها هما نفر، ونفر، أي نفرين.
أما “النيل للأخبار” فقد أراحت واستراحت، فلا تنقل بثها عبر المنصة المذكورة، ولهذا فقد أصيب القوم بالفزع عندما وجدوا هناك مشاهداً لها، هو شخصي الضعيف، ومن هنا تم وقف البث المباشر لمظاهرة نقابة الصحافيين، بمجرد ضبطي متلبساً بمشاهدتها، وكانت تنعم بدوني بالعمل في سرية تامة، اعمالاً للحكمة البالغة: “داري على شمعتك”! وليس هذا مهماً، فالمهم أنني لم أجد دفاعاً عن ارتكاب هذا الخطأ، وكنا في السابق نحيله للألة، وهي المطبعة، فنقول خطأ طباعي، أو مطبعي، في حين ندرك أنه خطأ بشري، قد لا يكون الكاتب هو من ارتكبه، فهناك وسطاء بينه وبين المطبعة، ومن صفيف ومدقق، وليس على النحو الذي روجت له الدراما التلفزيونية عبر المشاهد الخاصة في الصحف والصحافيين ورؤساء التحرير، والعبارة المعتمدة فيها “خذ المقال للمطبعة”، فكل المواد الصحافية “مقال”، وكل مقال ينتقل مباشرة الى المطبعة، وعندما أسمع هذه العبارة أدرك أن مؤلف العمل أو كاتب السيناريو ليس صحافياً ولم يمر من على رصيف صحيفة، ولم يهتم بالوقوف على هذه التفاصيل الدقيقة، ولا بأس فكله عند العرب صابون، وقد مللنا من دراما تكتبنا كأهل الصعيد عن بعد، فلا نشاهد سوى “مطاريد الجبل” وطلقات الرصاص، التي لا تتوقف على مدى ثلاثين حلقة!
خالد مشعل و«العربية»
ما علينا، فرغم هذا التفاوت الكبير، بل والمهول، وبين مشاهدي “الجزيرة” والقناة التالية لها، فإن السيد خالد مشعل، أطل على شاشة الأخيرة، و”العربية” هي هذه القناة، وهي تتفوق على “سكاي نيوز عربية”، وعلى القناة العربية لـ “بي بي سي”، وبطبيعة الحال على قناة “اكسترا نيوز” وأعداد المشاهدين هم “نفر آند نفر”، أي نفرين، وعليك أن تلاحظ كلمة “آند”، فـ”هي انكليزي يا مرسي”! أن يكون مشاهدو “الجزيرة” على منصة “يوتيوب” هم 358 ألف مشاهد، وفي الوقت نفسه فإن مشاهد “العربية”، هم 18 ألفا فإنه لا تجوز المقارنة، تماماً، كما يعد من الإساءة لقناة “العربية”، صاحبة الـ 18 ألفا أن تقارن بقناة “القاهرة الإخبارية” (361) مشاهد بدون ألف، ناهيك عن المقارنة “باكسترا نيوز”، التي يشاهدها في التوقيت نفسه “نفر، آند نفر”، (عنقاليزي يا عب عال)، حسب سهير البابلي في مسرحية “ريا وسكينة”!
ولحسابات الزعيم الفلسطيني مشعل كان اختيار “العربية”، لكنه كان في أجواء معادية، ولو أنه كان في قناة تلفزيونية إسرائيلية، لما كانت المذيعة على هذه الدرجة من الحدة معه، وقد تحولت إلى أمنا الغولة، فعلى الأقل فإن القناة الإسرائيلية ستكون أكثر لطفاً لإثبات الموضوعية!
وحال “العربية” كذلك، فقد كان طبيعياً أن يكون القاموس مختلفاً، فالأسرى عند المذيعة المحاورة، هم “رهائن” لدى حماس، يشغلها أن يعودوا الى ذويهم، وكان يمكن للمذيعة أن تقوم بمهمتها بحوار ناعم، كالذي فعله المذيع المحترف بييرس مورغن مع باسم يوسف، مع أنه منحاز، لكن تعلمنا في مهنتنا أنه عندما تغيب “الصنعة”، يكون سد العجز بهذه العدوانية، التي كانت عليها مذيعة “العربية” مع خالد مشعل!
وفي الأخير، نعتذر عن هذا “الخطأ المطبعي”، يقول أهل اللغة الصحيح هو “الخطأ الطباعي”، لكن خطأ شائعا أفضل من صحيح متروك! فهل كان “خطأ مطبعيا” فعلاً؟ تجاوز يا عزيزي ودعها تمر “خطأ مطبعي” أو “طباعي”.
وكما قال الجنرال، لا تسمعوا كلام أحد غيري.. غيري أنا.
٭ صحافي من مصر