نايجل آشتون في «أنبياء مخطئون»: الكلفة الغالية لانجرار بعض قادة بريطانيا خلف قرارات أمريكية خاطئة في الشرق الأوسط

سمير ناصيف
حجم الخط
0

في ضوء التطورات الجارية حالياً في فلسطين بعد الخطوة التاريخية التي حققتها المقاومة الفلسطينية ضد المستوطنات غير الشرعية الإسرائيلية، كيف يبدو الموقف الرسمي البريطاني بالمقارنة مع المواقف السابقة لدى حكومات بريطانيا منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى الساعة؟
وإلى أي مدى يتأثر رئيس وزراء بريطانيا ووزير خارجيته والحكومة عموماً بمواقف رئيس الجمهورية الأمريكية وفريق عمله الآن وفي العقود الماضية ما قد يؤثر على مصداقية بريطانيا ومصالحها في منطقة الشرق الأوسط؟
صدَرَ مؤخراً كتاب لنايجل آشتون، أستاذ التاريخ الدولي والعلوم السياسية في جامعة لندن، بعنوان «أنبياء مخطئون» (False Prophets) قد يفسر بعض المواقف غير المثمرة التي اتخذها رؤساء حكومات لندن من أنطوني ايدن وهارولد ماكميلان في الخمسينيات والستينيات إلى هارولد ويلسون وجيمس كالاهان بعدهما ثم إلى مارغريث ثاتشر وتوني بلير حتى حكومات ما بعد بريكست (الخروج من الاتحاد الأوروبي) إلى الآن بسبب تبعيتهم لأخطاء حليفتهم أمريكا ومشاركتهم فيها.
خلاصة الكتاب ومقاربته الأساسية عموماً هي أن سياسات قادة بريطانيا في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية الملتزمة اتباع سياسات الولايات المتحدة المنحازة إلى إسرائيل على حساب العرب، ساهمت بطريقة أو بأخرى في خسارتهم السلطة في بلدهم رغم أن بعضهم حاولوا التحفظ ازاءها واتخاذ مواقف متوازنة. في الفصول الأولى من كتابه، يشير آشتون إلى ان انطوني ايدن خسر موقعه القيادي بسبب تقلبات موقفه إزاء نظام الرئيس المصري جمال عبد الناصر في أزمة السويس عام 1956 وعدم إدراكه للموقف الأمريكي. ففي البداية، ظن ايدن انه سيستطيع إقناع القيادة الأمريكية في فترة حكم الرئيس دوايت ايزنهاور ووزير خارجيته جون فوستر دالاس بضرورة قلب النظام الناصري المصري بالقوة العسكرية بالتعاون مع إسرائيل وفرنسا، ولكن ايزنهاور فضّل آنذاك خيار إضعاف عبد الناصر سياسياً واقتصادياً لدفعه لإعادة فتح قناة السويس أمام السفن الغربية وقرر اعتماد سياسة تدريجية في هذا المجال. ولما نفذ ايدن وأعوانه الهجوم العسكري على مصر من دون موافقة أمريكا سقطت قيادته، وحل في مكانه وزير ماليته هارولد ماكميلان الذي لم يكن أقل تصلباً منه في عدائه لعبد الناصر وثورته ولدور النظام المصري في اليمن وسوريا ولبنان.
أما رئيس الوزراء البريطاني في مطلع سبعينيات القرن الماضي ادوارد هيث فبرغم انه حاول اتخاذ مواقف بريطانية رسمية مستقلة إلى حد ما عن مواقف النظام الأمريكي بقيادة ريتشارد نيكسون وهيمنة وزير خارجيته هنري كيسنجر على القرار في السياسة الخارجية فإنه خسر موقعه القيادي بسبب فشله في المساهمة في وقف عملية قطع ووقف ضخ البترول العربي عن الغرب في عام 1973 وحلت في مكانه في القيادة مارغريث ثاتشر.
لعل أهم فصلين في هذا الكتاب هما الفصل السابع (في القسم الثاني منه) عن فترة حكم ثاتشر والفصل التاسع (في القسم الثالث) عن سياسات توني بلير في الشرق الأوسط واللذين سنركز عليهما هنا.
يقول آشتون انه لدى تسلم ثاتشر رئاسة الحكومة البريطانية في 23 أيار (مايو) 1979 كان عليها ان تستقبل رئيس الحكومة الإسرائيلية مناحيم بيغين في مكتبها في 10 داوننغ ستريت. وكانت ثاتشر غير متحمسة لاستقبال بيغين الذي انتمى خلال أواخر أربعينيات القرن الماضي إلى عصابة «الارغون» الصهيونية الإرهابية التي كانت مسؤولة عن تفجير فندق الملك ديفيد وعن شنق رقيبين في الجيش الإنكليزي في عامي 1946 و1947 في فلسطين. وكانت ثاتشر مصممة على عدم استقباله وهز يده إذا أصبح رئيساً لوزراء إسرائيل، ولكنها فعلت ذلك لاحقاً على مضض لعدم اغضاب حلفائها في الغرب (ص 204) فيما كان بيغين هجومياً في لقائه معها متهماً بريطانيا بتحمل جزء من المسؤولية عن موت ملايين اليهود في معسكرات اوشفيتز الألمانية النازية.
وبرغم ذلك فقد اعتبرت ثاتشر رئيسة حكومة متعاطفة مع إسرائيل ومع سياسات أمريكا تحت قيادة الرئيس رونالد ريغان ومن بعده نائبه جورج بوش الأب. وقد زارت إسرائيل لاحقا ولكنها عارضت السياسات الاستيطانية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، واستمرت في عدم الانفتاح أمام خليفة بيغين في رئاسة الحكومة الإسرائيلية الليكودي اليميني اسحق شامير، وفضلت التعامل مع شيمون بيريز رئيس الحكومة العمالي الذي تسلم السلطة في إسرائيل عام 1986 وفي مراحل أخرى.
أما القائد المقرب جداً من ثاتشر فكان (حسب كتاب آشتون) الملك الأردني الحسين بن عبدالله الذي نسجت وطورت معه ثاتشر علاقة خاصة بسبب ما اعتبرته اعتداله. كما انها تمنت (حسب المؤلف) إعادة الضفة الغربية الفلسطينية إلى سلطة الأردن ولم تكن تثق ثقة كبيرة بالقائد الفلسطيني ياسر عرفات (ص 207).
وعلى الرغم من التزام ثاتشر العلاقة الحميمة مع قيادة الولايات المتحدة والأردن فإن الملك حسين حاول في عام 1980 استخدام علاقته الجيدة بثاتشر لترطيب الأجواء بين الدول الغربية خصوصاً بريطانيا وأمريكا مع نظام حليفه آنذاك رئيس النظام العراقي في تلك الحقبة صدام حسين. (ص 208). كما حاول الملك حسين دفع الولايات المتحدة إلى الأخذ في الاعتبار مواقف الدول العربية في الشأن الفلسطيني ـ الإسرائيلي وليس فقط دعم الموقف الإسرائيلي بلا شروط.
واغتنمت ثاتشر فرصة علاقتها الجيدة جداً مع الملك حسين لتحسين الصادرات البريطانية إلى المنطقة العربية ومن بينها صادرات الأسلحة والمعدات الحربية البريطانية حتى ولو ذهبت تلك الصادرات إلى العراق في ثمانينيات القرن الماضي خلال مواجهة العراق الحربية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية بقيادة الإمام الخميني.
غير ان شروطاً فرضها وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر على التعاون والتبادل التجاري مع دول تؤيد فلسطين على حساب إسرائيل حالت دون نجاح مشاريع التصدير لثاتشر والملك حسين، فمالت ثاتشر آنذاك إلى عقد وابرام صفقات بريطانية تسليحية مع المملكة العربية السعودية. كما ان ثاتشر لم تكن متحمسة (حسب قول المؤلف) للضربة العسكرية التي وجهتها القيادة العسكرية الأمريكية في 14 نيسان (ابريل) 1986 ضد نظام الزعيم الليبي معمر القذافي نظراً لحرصها على مصالح بريطانيا التجارية في ذلك البلد آنذاك (ص215). بيد انها رضخت للموقف الأمريكي التصعيدي لأنه حسب قولها: «يجب ان نقف إلى جانب الأمريكيين كما وقفوا إلى جانبنا في حرب الفولكلاندز (حرب المالوين)».
وأدت مواقف ثاتشر المتقلبة إلى تصاعد شعبيتها لدى الجهات اليمينية في الغرب وفي إسرائيل التي اعتبرتها خصمة عنيدة ضد الإرهاب، حسب الكتاب.
وبرغم ذلك، يعتبر المؤلف ان ثاتشر لم تكن خصمة للعالم العربي بين عام 1985 و1987 ولم تكن تخشى المجازفة في سبيل تحقيق تسوية في عملية السلام في الشرق الأوسط وان سبب عدم تحقيق أي تقدم في هذا المجال لم يعد إلى عدم بذلها المجهود في ذلك الأمر. (ص218).
بيد ان الكاتب يوضح أن ثاتشر كانت واقعية في علاقتها مع الملك الأردني حسين إذ رأت فيه قائداً معتدلاً ومسهلاً في الوقت عينه لعمليات بيع بريطانيا للأسلحة المتطورة في العراق والسعودية. وقد أثمرت هذه العلاقة وغيرها إلى توقيع صفقة بيع طائرات «التورنادو» للسعودية بعد تسهيلها من جانب الأمير بندر نجل وزير الدفاع السعودي آنذاك الأمير سلطان بن عبد العزيز الذي قام بدور الوسيط بين ثاتشر وبين الملك السعودي فهد بن عبد العزيز لإتمام الصفقة. (ص 221).
ولولا علاقة ثاتشر الوثيقة مع القيادة الأمريكية في تلك المرحلة لربما ذهبت تلك الصفقة إلى الفرنسيين، حسب قول المؤلف. (ص 221).
كما لعبت بريطانيا دوراً بعد فشل الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 وفي القوة المتعددة الجنسيات هناك ولكن ذلك الدور كان حذراً بعد التفجيرات التي تعرضت لها القوات الأمريكية والفرنسية في لبنان في عام 1983 فسحبت ثاتشر القوة البريطانية من ذلك البلد. (ص 223).
ويعتبر الكاتب أن دور ثاتشر الحذر بعد غزو العراق للكويت عام 1990 ربما ساهم في التأثير سلباً على موقعها في القيادة البريطانية، إذ فضلت في البداية اعتماد الوسائل الدبلوماسية لسحب الجيش العراقي من الكويت فيما كان القرار الأمريكي يفضل التنفيذ السريع للعمليات العسكرية. وساهمت بعض مواقف الرئيس صدام في التعامل مع خصومه في الإساءة إلى علاقة بريطانيا مع العراق ما بدل من توجه ثاتشر نحو النظام العراقي وخصوصاً بعدما أصبحت الدول العربية الخليجية تحت خطر الغزو العراقي لها (حسب آشتون). وبالتالي تبلبلت مواقف ثاتشر كما تعقدت في الماضي حسابات انطوني ايدن في مصر عام 1956 فاضطرت ثاتشر تحت الضغط إلى الاستقالة في 28 تشرين الثاني (نوفمبر) 1990 وخصوصاً بعدما خسرت ثقة زملائها في الحكومة ومجلس النواب بسبب مواقفها المترددة في الشرق الأوسط وفي مجالات أخرى في تعاملها مع أمريكا.
وكما حدث بين ثاتشر والقيادة الأمريكية حصل أمر مشابه في علاقة رئيس الحكومة البريطانية توني بلير مع القيادة الأمريكية. ففي بداية ولاية بلير الحكومية في لندن عام 1997 تناغم مع الرئيس الأمريكي بيل كلينتون حتى نهاية عهد كلينتون وحلول جورج بوش الابن في مكانه. كما حظي بلير بثقة بوش الابن وتعهد بالولاء له ودعمه في جميع قراراته. إلا انه لم يدرك بان شلة من المحافظين الجدد بقيادة نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد وآخرين كانت هي التي تحسم القرار بشأن سياسة أمريكا في الشرق الأوسط وخصوصاً في فلسطين والعراق. وبالتالي، عندما حاول بلير طرح الدبلوماسية في التعامل مع القضية الفلسطينية ومع النظام العراقي كانت تلك الشلة قد اتخذت قرارها بالرد بالقوة العسكرية عمن اعتبرتهم مسؤولين عن هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 على برجي نيويورك وعلى وزارة الدفاع البنتاغون، فبدأت بضرب أفغانستان ثم اتجهت نحو ما سمته «محور الشر» في العراق وإيران وكوريا الشمالية ومن يدور في ذلك المحور.
ولم يكن بلير في السنوات الأولى من ولايته مطلعاً كثيراً على الأوضاع في الشرق الأوسط ولكنه كان ملتزماً ما سمي «العلاقة الخاصة البريطانية مع الولايات المتحدة» ومعلناً الالتزام بالقيم الأخلاقية الغربية من منطلق ضيق. في زمن كلينتون كان الموضوع سهلاً بالنسبة إليه إذ أن الرئيس الأمريكي آنذاك شاركه هذه المواقف المبسطة للأمور في الشرق الأوسط. وكاد جورج بوش الابن أن يفعل الأمر نفسه ويستمع إلى النصائح البريطانية باعتماد الدبلوماسية في التعامل مع قضايا الشرق الأوسط لولا هيمنة المحافظين الجدد وفلسفتهم المنحازة لإسرائيل على نظامه والتي كانت خياراتها اعتماد العنف وخلق الاتهامات بامتلاك أسلحة الدمار الشامل في العراق ونية الفلسطينيين ممارسة الإرهاب. ودفع بلير ثمن انجراره وراء مواقفه التابعة لمواقف مُسيري نظام بوش الابن فخاضت بريطانيا الغزو العسكري للعراق عام 2003 إلى جانب أمريكا وتوابعه من تجاوزات للشرائع الدولية، وخرج توني بلير نتيجة لتواطئه مع هذه الممارسات من قيادته للبلد واضطر إلى التنحي لحليفه في حزب العمال وغريمه على القيادة غوردون براون الذي لم يكن بدوره واضحاً في سياسته الشرق أوسطية فسقط حزب العمال من السلطة وعاد المحافظون إليها، وما زالوا يتخبطون في قراراتهم فيها في الشرق الأوسط وغيره بعد اعتمادهم خطة «بريكست» (الخروج من الاتحاد الأوروبي) والتبعية لأمريكا.
ويعتبر المؤلف أن بلير ورغم تصاريحه المتكررة بالتزامه تحقيق السلام في الشرق الأوسط عبر المفاوضات بين القيادة الفلسطينية وإسرائيل واعتماد حل الدولتين فقد كان: «ارتباطه بإسرائيل عميقاً إلى درجة لم يوازيه فيه سوى رئيس الوزراء العمالي السابق هارولد ويلسون» (ص284). حاليا المجموعة التي تقود حزب العمال البريطاني التي يترأسها كير ستارمر تحظى بالشعبية الأقوى في البلد وهي مجموعة مقربة جداً من توني بلير ورفيق دربه بيتر مندلسون وبالتالي فمؤيدو القضية الفلسطينية في الحزبين البريطانيين الرئيسيين قد هُمشوا في هذه المرحلة من تاريخ بريطانيا بانتظار قيادات أكثر التزاماً بتحقيق العدالة في الشرق الأوسط، في أمريكا وبريطانيا وفي الدول الكبرى عموماً.

Nigel Ashton; «False Prophets»
Atlantic Books, London 2023
469 Pages.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية