«الطريق إلى إيلات»: مُعجزة حرب الاستنزاف التي أوجعت إسرائيل

لم يعرف أحداً الكثير عن حرب الاستنزاف التي استمرت ألف يوم سوى أنها العمليات الفدائية التي سبقت حرب أكتوبر/تشرين الأول ومهدت للنصر الساحق على إسرائيل في عام 1973، والاستنزاف هو المُسمى أو التعريف العسكري الذي أطلقه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر على تلك الحرب التي اندلعت بين مصر والكيان الصهيوني على ضفتي قناة السويس في 1 يوليو/تموز 1967 عندما تقدمت المُدرعات الإسرائيلية نحو مدينة بور فؤاد في محاولة لاحتلالها فتصدت لها قوة من الصاعقة المصرية وقاومتها بشراسة وهو ما عُرف عسكرياً وتاريخياً بمعركة رأس العُش. وقد تصاعدت بعد ذلك المواجهات العسكرية بين الطرفين على مدى زمني طويل واستمرت المعارك لأكثر من عام وأسفرت عن عدة انتصارات، لكنها تسببت في استشهاد الفريق أول عبد المنعم رياض رئيس أركان القوات المُسلحة المصرية في 9 مارس/آذار 1969 عن عمر ناهز 49 عاماً، وكانت هذه هي الخسارة الكُبرى التي لحقت بالجيش المصري واعتبرتها إسرائيل نصراً عظيماً، رغم العمليات العسكرية الثأرية التي قامت بها المجموعة 39 قتال بقيادة البطل إبراهيم الرفاعي في أعقاب استشهاد الفريق أول رياض مُباشرة.
ولما كانت العملية الحربية إيلات التي دمرت فيها قوات البحرية المصرية ميناء إيلات الإسرائيلي عن آخره، وأغرقت المُدمرة الحربية بيت شيفع وناقلة الجنود بات يم، وأحرقت الرصيف الحربي للميناء الشهير في بطولة غير مسبوقة، سجل الكاتب والسيناريست فايز غالي وقائع الحدث الجلل وصاغها بشكل درامي مُثير فتلقفت المخرجة إنعام محمد علي بدورها السيناريو لتصنع منه فيلماً بالكيفية التي رأيناها على الشاشة بإحكام شديد وقُدرة فائقة على التصوير السينمائي الدقيق للبطولة الحربية التي تمت تحت سمع وبصر المخابرات العسكرية المصرية وبتوجيهات مباشرة من رئيس الجمهورية العربية المُتحدة آنذاك جمال عبد الناصر.
ولم يُنسب الإنجاز العسكري الحربي في هذا الفيلم لمصر وحدها، وإنما أبرزت المخرجة وفقاً لما كتبه السيناريست إسهامات الأشقاء العرب من الفدائيين والأبطال، كل حسب دورة وتخصصه، فقد شاركت عناصر فلسطينية في تسهيل وصول أفراد القوات البحرية المصرية من جنود وقادة إلى موقع الحدث، فضلاً عن المحافظة على سرية العملية الفدائية الكُبرى من جانب الأطراف الأخرى الأردنية والسورية التي كانت على علم بالخُطة التكتيكية وطبيعة المهمة.

ولكي تضع المخرجة إنعام محمد علي فلسطين في قلب الحدث أشارت إليها بالدور الرئيسي الذي قامت به الفنانة مادلين طبر كفدائية صاحبة خبرة في القيام بالعمليات السرية المناوئة للعدو الصهيوني، وعلى دراية بدروب ومسالك المنطقة الصحراوية محل التنفيذ، وبالفعل نجح الدور وتمكنت مادلين من تجسيد شخصية «مريم» باقتدار شديد، حيث كان للبطلة الحقيقية أثر معنوي بالغ ظهرت آثاره الإيجابية في النتيجة الكلية التي تحققت بانتصار مجموعة جنود وضباط البحرية التي كان يقودها العقيد «راضي» (عزت العلايلي) ويقوم بتدريبها العقيد محمود (نبيل الحلفاوي) ويتابع خطوات تنفيذها من غرفة العمليات في القاهرة محمد الدفراوي مُجسداً دور رئيس أركان القوات البحرية ومعه صلاح ذو الفقار في دور قائد القوات البحرية أيضاً.
لم يكن فيلم «الطريق إلى إيلات» الذي أنتج عام 1994 مجرد عمل فني وحسب، وإنما تم تصنيفه باعتباره وثيقة بالصوت والصورة تسجل تضحيات وبطولات سلاح البحرية المصرية في أحلك الظروف وأشدها سوءاً إبان الفترة ما بين نكسة يونيو/حزيران 67 وانتصار أكتوبر 73 وهي الفترة التي أطلق عليها مرحلة اللاحرب واللاسلم، كأكثر المراحل حرجاً في تاريخ العسكرية المصرية، التي تم تجاوزها بإحراز الانتصار الأكبر في السادس من أكتوبر، العاشر من رمضان واستعادة ثقة الجبهة الداخلية في الجيش المصري وقيادته.
وفي سياق تقييم الأعمال الدرامية والسينمائية التي صورت حروب مصر مع العدو الإسرائيلي يأتي فيلم «الطريق إلى إيلات» كواحد من الأعمال شديدة التميز على كافة المستويات التقنية والإبداعية، فهو الفيلم الذي قام المصور السينمائي الأبرز سعيد شيمي بتصوير مُعظم مشاهده تحت الماء، بتوجيه ومراقبة المخرجة إنعام محمد علي التي تابعت تصوير اللقطات باهتمام بالغ، ودققت في التفاصيل كافة ليخرج الفيلم بالمستوى المُبهر الذي ظهر به واستحق بفضله النجاح الجماهيري الكبير. غير أن التصوير الموسيقى لياسر عبد الرحمن، لعب دوراً مهماً في عملية الجذب وتوفير عنصر الإثارة، بالإضافة إلى الأداء التمثيلي القوي لكل من عبد الله محمود وعلاء مرسي ومحمد عبد الجواد ومحمد سعد وناصر سيف وسليمان عيد كأبطال مساعدين قامت على أدائهم المتميز أسس العمل الإبداعي الفارق المأخوذ عن أحداث واقعية وبطولة حقيقية استشهد فيها فرد واحد فقط من مجموعة الضفادع البشرية بسلاح البحرية هو الشهيد محمد البرقوقي والذي تم تكريم اسمه بعد ذلك كفدائي ضحى بحياته من أجل الوطن.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية