وقع هذا الديوان في يدي مصادفة، فبدأت التصفح بإهمال، لا أنتظر مفاجآت، أو ما يجذبني بقوة إلى المتابعة، ربما أتركه بعد عدة صفحات، فالشعر منتهك في هذه الأيام، وقصيدة النثر صارت بلا راع يتابع متاهاتها المظلمة، لولا بعض الأسماء التي ما زالت تملك الموهبة، وتدفع بقصائدها إلى حديقة الأدب، وتعين هذا التيار الرائع على الاستمرار والمواصلة.
«مقهى لا يعرفه أحد» للشاعرة زيزي شوشة، مجموعة ينطبق عليها قول بودلير: «إنه بالشعر، ومن خلاله، تدرك الروح الروعة الكامنة فيما وراء الحياة. إن القصيدة حين تنجح في جعل الدموع تطفر من عينيك، فهذا دليل على حقيقة أن القارئ يشعر بنفسه معزولا، وحيداً في عالم غير متكامل، ويشتاق أن يتطلع من هذا العالم إلى الفردوس الموعود الذي تكشف أمامه». ليس غريبا إذن أن يطلق صاحب «أزهار الشر» و«سأم باريس» على هذا النموذج صفة «الشاعر الملهم». تفتتح شوشة ديوانها بـ«نيتشه». جرح البشرية الأعظم، صديق الأقوياء والضعفاء، الأصحاء والمرضى، الأغنياء والفقراء. المؤمنون والملحدون، العقلاء والمجانين، الفيلسوف الذي فتن الأدباء والمفكرين، وغير مجرى الفلسفة، المعذب لنفسه، ولنا، المغوي حتى الثمالة. تقول في قصيدة «حفيدة نيتشه» مستحضرة الموت منذ اللحظة الأولى:
«أنا جديرة بالموت
أعضائي كلها مؤهلة له
بسهولة يمكن تحويلي
إلى كومة من تراب
أنا حفيدة «نيتشه»
(مثله تماماً حملت جثتي،
كي أدفنها في أرض بعيدة،
احتفلت بالكراهية
ولم أدع المحبة»
الموت أيضا، ما زال هنا، يستدعي شاعر تشيلي الشهير نيكانور بارا، صاحب الشعر المضاد، والقصائد المضادة، والذي سطا على ذائقة الكثيرين منذ أن ترجمت أعماله إلى العربية، حتى صار رفيقا للشعراء القلقين:
«أنا صديقة مخلصة لـ نيكانور بارا
(كل مساء أخربش معه
جدران الموت
وأكلم الموتى)
جئت إلى الحياة كي أصنع موتي
روحي لحم ودم وعظام
رأسي ثمرة معطوبة
يداي ورقتان يابستان
ساقاي جذعا شجرة
جثة بيضاء سأكون».
إنها قصيدة طويلة، تحلق في فضاءات الحزن والموت والعدم، تتوسل بالأسلوب الذي أطلق عليه «كمانات فيرلين»، شاعرية مكثفة تكشف فيها شوشة عن انطباعاتها، ومشاعرها تجاه العالم بدلاً من وصفه. تختتم القصيدة: «لا تصدقوني حين أردد اسمي أمامكم/ لا تصدقوني حين أحدثكم عن حزني/ فقط صدقوا الجثة البيضاء».
الشعراء الجدد، شعراء الألفية وما بعدها تحديدا، دائماً ما يبتعدون عن الضغوط، الإملاءت، القضايا الكبرى، والمناورات السياسية. إنهم يميلون إلى التعبير عن الباطن، عن المشاعر الجوانية، مولعون بكشف الغامض، والتماس مع الميتافيزيقي؛ حتى لو تعامل العالم معهم كمخلوقات عديمة الجدوى، لا نفع من وراء هذياناتهم، فهم غير مبالين، لا يطمعون في وراثة دور الشاعر النبي، أو الشاعر الحكيم، شاعر القبيلة، أو شاعر المقاومة، ولا يسعون إلى إماطة اللثام عن أفكارهم السرية، أو إنكار أزمة الثقة بينهم وبين الجمهور؛ فهم يمضون قدماً ضد الأعراف الأدبية السائدة، حتى لو لم يكن هناك كيان جماعي يضمهم تحت رايته. كل شاعر صوت وحده، مستقل عن الآخرين، مرتبط بإبداعه الذاتي المعبر عن نفسه فقط، لا يلتحم الفردي بالجماعي. جيل متشائم يعتزل العالم ويختصر الشعر في مقولات الغربة والموت، يضفي على نصوصه ألواناً كابية، أفقده الواقع كل أمل في المستقبل، بعدما تفتحت عيناه على تفكيك الوطن العربي، وتخريبه، دولة بعد أخرى، ورأى قوى كبرى تسيطر على مجريات الأمور، هنا والآن، ومنذ الماضي القريب، لا مجال للتفاؤل، الأفق غائم، يخفي وراءه دروب مجهولة، حتى صار الخلاص في الانكماش، ومحاورة الأنا المتعبة؛ التي تفتقر إلى الأمان العاطفي، المتعة، البهجة، فكل الأحلام مجهضة.
في لحظة ثأرية، تستدعي الشاعرة الكاتب الروسي الشهير بوريس باسترناك المصدوم من الشعارات الضخمة، وتهافتها، المطارد من السلطة، ككاتب أبصر الحقيقة، ولا يريد الاستمرار في لعبة التواطؤ والخديعة:
«لا تفيدوني بحبل باسترناك الغامض
لا تحشوا فمي بالقطن الأسود
اتركوني كي أخذ حقي من الحياة
أخذ حق من أحبوني».
على الوتيرة نفسها، تقول الشاعرة الممسوسة بالمأساة: «أغنية في فمك/ عشب على جسدك/ ثمة طائر يهبط،/ ليموت فوق رأسك».
تروق لها دائما تلك الثيمة، تقبض عليها، وتلوح بها في وجه القارئ، تتعامل معها كمحرك للقصيدة، وكأن الموت مجداً ينبغي الوصول إليه بدون قلق، أو طريقاً للخلاص، أو الخلود، ومعايشة عالم أكثر رحابة، منفتح على مباهج الحياة الأخروية؛ فالذات الشاعرة دائمة الارتياب فيما يدور حولها، تتلاشى متبخرة في الهواء حين تقع على شيء مؤلم. لكنها لا تقع ضحية التشتت، إنها تتمثله، كأنها بحاجة إلى العذاب، لتندفع إلى الشعر، وتكتب قصيدتها، لا تعبأ بالابتكارات الشكلية قدر اهتمامها بتجسيد اللحظات التي ينقصها الحب في هذا الفضاء الذي تتحطم فيه الأشياء تباعاً، وتستحضر فيه الإحباطات بتلذذ مازوكي، وكأنه ضرورة شعرية.
الألم سلاح تاريخي في يد بعض المبدعين، يجابهون به الحياة وهم يحاولون إعادة تقويمها بروح لا تعرف التصالح. حياة ممتلئة، ولكن يطيب العيش على هامشها، للهروب من متطلبات الواقع، وعدم الرضوخ له، فكتابة قصيدة عمل فردي/ وليس نزوعاً جماعياً، يستمع الشاعر فقط لأحاسيسه وانفعالاته، كنقاط عبور ضرورية، تعمل بكامل طاقتها، لإعادة بناء الألم: «صفحة سوداء/ سماء فارغة/ والفتاة الوحيدة// تستعد للرحيل،/ في طريقها إلى القطار / أفرغت حقيبتها/ فصعدت الذكريات الأليمة إلى السماء/ صفحة سوداء /سماء مظلمة / وبينهما ظل فتاة ميتة/ وقطار يشق العالم إلى نصفين».
هل أحدثكم عن أوجاع آخرى؟ أنظر إليها وهي تخاطب الشاعرة العظيمة آنا أخماتوفا، صاحبة النهاية المفجعة، في قصيدة «بيننا حزن يا صديقة»: «بين رمادك/ أفتش عن نفسي/ أحبس البكاء في جسدي/ فيما الكلمات تنفلت من يدي/ لا توقفها الموسيقى/المنسابة في أذني/ صوب رمادك/ سأمضي في الليل،/ حين يُلف العالم،/ بثوب الحياة الأعمى/ سأرتدي العدم/ كي يمتص دمي،/ ويمحو ذاكرتي الغائمة».
في هذا الديوان ينتابك إحساس مباغت، بأن الشاعرة، تأخذك معها في جولة إلى أعماق الجحيم، لقضاء بعض الوقت في ظلام الإنسانية، رفقة شعراء معذبين. رغم هذه العذوبة الحزينة، التي تلون نبرتها. وهي تحاول التخلص من التناقضات، والعلاقة التبادلية بين الشعر، والتأملات الحذرة.
في هذه الطرق الوعرة، لا يوجد أمل، ولا جسور تؤدي إليه، ولا رغبة في العثور عليه، القلق يسيطر على الأشياء، القلق هو وقود الميتافيزيقا، وأحد روافع الإبداع، في الفن والأدب، رغم انفصال الفكر والفلسفة عن الشعرية الحديثة، فكثير من الشعراء لا يبحثون عن الحقيقة ولا يسعون إلى اكتشاف قوانين الخلق، وهم أيضا، لا يتوقفون عند ماهية الكائن الإنساني، ولا هويته، قضاياهم أكثر غموضا وتعقيداً، إنهم يطاردون ما لا أثر له في حياة الآخرين.
في قصيدتها الطويلة «مقهى لا يعرفه أحد»، تلقي الضوء على جانب من عالمها، بنبرة اعترافية، تجعل المتلقي ينتبه، ليعلم أي شعر يطالع، وأي ذات شاعرة تفاجئه بهذه السطور:
«اخترت أن أكون مجهولة،
في كل مرة يسألني أحدهم عن اسمي،
أقع تحت غواية الكلمات،
أتلبس اسما بعيداً،
وبعد أن ينتهي المشهد
أضع الاسم الوهمي تحت قدمي
حتى أصير حرة تماماً».
هذه هي الشاعرة، وتلك سطور من ديوان مفعم بالنضج، لمبدعة تعرف ما هو الشعر. ما هو الأدب، فهي محررة ثقافية ناجحة، وكاتبة مقالات، تعمل بدأب، بعيداً عن الصخب، والشهرة المفتعلة.
زيزي شوشة: «مقهى لا يعرفه أحد»
الهيئة المصرية العامة للكتاب،
القاهرة 2021
202 صفحة.