في حين يحاول الكيان الصهيوني نزع الروح من أرض فلسطين، فان قلب فلسطين كان يخفق بقوة في مدينة غلاسغو الاسكتلندية ليلة الأربعاء الماضي.
فبينما كانت صراعات من نوع مختلف تدور رحاها، فان جماهير سيلتك الاسكتلندي ارتأت الا أن تبقي العالم متيقظاً لمأساة غزة، برفع الآلاف من أعلام فلسطين في استاد «سيلتك بارك» في مدينة غلاسغو، وبمواجهة أتلتيكو مدريد الاسباني في مسابقة دوري أبطال أوروبا. وللوهلة الأولى، وللذين يشاهدون المباراة على شاشات التلفزيون، فانهم اعتقدوا ان هذا الاستاد يستضيف لقاء يجمع منتخب فلسطين بأحد الضيوف في أرضه، فمن كثرة الأعلام بأحجامها الصغيرة والكبيرة، والهتافات «فري باليستاين» (فلسطين حرة)، و»لن تسير وحيداً»، فان من المستحيل تخيل أن هذه الجماهير هي أسكتلندية، بل من المدهش معرفة أنها جاءتها تصريحات صارمة من إدارة النادي ومن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) بمنع ادخال هذه الاعلام، والا سيتعرض النادي لعقوبات.
جماهير نادي سيلتك وكثير من الاندية الاسكتلندية والايرلندية، سارت على النهج ذاته خلال مباريات الاسبوع الماضي من دورياتها المحلية، برفع علم فلسطين بكثافة في ظل الهجوم الصهيوني الهمجي على قطاع غزة وأيضا في مناطق الضفة الغربية، غير آبهة بالمطالب الرسمية بالاكتفاء بدقيقة صمت على أرواح الضحايا أو ارتداء شارات سود على السواعد، لكن ما الذي يدفع جماهير نادي سيلتك بالتحديد، بالاستمرار في رفع علم فلسطين وتأييد شعبه، رغم تأنيبات وعقوبات سابقة، على غرار ما حدث في 2016، عندما عاقب «اليويفا» النادي بغرامة 9 آلاف جنيه، لأنه واجه الخصم هبوعيل بئر السبع الصهيوني بأعلام فلسطين بدل ورود وابتسامات المستعمرين؟
ربما السبب بكل بساطة، أن هذه الجماهير، والتي تقودها ألتراس «غرين بريغيد» (الفرقة الخضراء)، تعود جذورها الى أصول ايرلندية، وهي قبل نكبة فلسطين بنحو 100 عام تذوقت من مرارة الكأس ذاتها، عندما احتلت أراضيها من المستعمر الانكليزي، وساهم في تهجير مئات الألوف، التي وجدت في اسكتلندا، وتحديداً في مدينة غلاسغو ملاذاً آمناً، رغم الارهاصات المذهبية والعرقية، لتنشأ كراهية بين جماهير سيلتك الايرلنديين الكاثوليك مع الغريم والعدو اللدود الحرفي رينجرز البروتستانتي، عدا عن العداء السياسي مع الانكليز، والذي استمر حتى نهاية عقد التسعينات الماضي، رغم قضم الانكليز قطعة كبيرة من الاراضي الايرلندية، والتي باتت تعرف باسم ايرلندا الشمالية، رغم انها حظيت بنوع من الاستقلالية وبعاصمتها بلفاست، الا ان الايرلنديين ما زالوا يعتبرونها أرضاً مغتصبة الى اليوم.
ولهذا لا يتوانى الايرلنديون، سياسياً عبر نوابهم في البرلمان الأوروبي او البريطاني، أو اقتصادياً بتفعيل قرارات مقاطعة البضائع الاسرائيلية المصنعة في الاراضي الفلسطينية المحتلة، أو مقاطعة المنتوجات والشركات المؤيدة للاحتلال، وأيضا رياضيا عبر جماهير نادي سيلتك وأندية أخرى في اسكتلندا وايرلندا، في التعبير عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني، ولهذا كلما تعرض نادي سيلتك لعقوبات بسبب مساندته للقضية الفلسطينية، فان روابط الجماهير، وأبرزها ألتراس «غرين بريغيد» يسارع الى جمع التبرعات، مثلما فعل في 2016، عندما جمع 130 ألف جنيه استرليني، فدفع للنادي غرامة الـ9 آلاف جنيه المفروضة عليه من اليويفا وتبرع بالمبلغ المتبقي لجمعيات طبية تعمل لخدمة الفلسطينيين، ولانشاء أكاديمية كروية في مدينة بيت لحم في الضفة الغربية.
سيلتك واحد من 5 أندية فقط في العالم فاز بأكثر من 100 بطولة وكأس ومسابقة، حيث أحرز بطولة الدوري الاسكتلندي 53 مرة، ويتخلف بفارق لقبين عن غريمه رينجرز صاحب الرقم القياسي، كما أحرز لقب كأس اسكتلندا 41 مرة، وكأس رابطة المحترفين 21 مرة، وجاء أعظم انجازاته في عام 1967 عندما أصبح أول ناد بريطاني يفوز بكأس أوروبا (دوري الأبطال اليوم)، بل في ذلك العام نجح في الفوز بكل الألقاب الممكنة خلال الموسم، ما اعتبر الى اليوم الاعظم في تاريخ سيلتك.
ويستمد النادي قوته من قاعدة جماهيرية عريضة، قدر حجمها بأكثر من 9 ملايين مشجع، وهناك أكثر من 160 رابطة مشجعين متمرسين موزعين في أكثر من 20 دولة، بينهم نحو مليون مشجع في الولايات المتحدة وكندا، وغالبيتهم من المهاجرين من ذوي الاصول الاسكتلندية والايرلندية. وعندما لعب المباراة النهائية في مسابقة كأس الاتحاد الاوروبي (الدوري الاوروبي اليوم) في عام 2003 ضد بورتو البرتغالي، فانه اصطحب معه 80 ألف مشجع الى مدينة اشبيلية الاسبانية، التي استضافت المباراة النهائية والتي خسرها الفريق في الوقت الاضافي.
كم من الرائع رؤية القلوب تنبض بنفس الوتيرة على بعد آلاف الأميال، وتصدح «فلسطين حرة» بألسنة لا تجيد نطق «الضاد»، في حين أن أهلنا في بلداننا يتحايلون على الأمن في الاستادات لادخال علم يقول ان «فلسطين ما زالت عربية».