مثلت ردود الأفعال الشعبية والجماهيرية المصرية والعربية إزاء أحداث غزة صحوة أذابت الجليد المُتراكم منذ سنوات بين الأشقاء ودفعت بالمياه لتعود إلى مجاريها. فمنذ الساعات الأولى لطوفان الأقصى توحدت المشاعر والقلوب ووقف العالم العربي على أظافره في حالة من الترقب والقلق. وكرد فعل تلقائي انتفض المثقفون والفنانون لينظموا وقفات احتجاجية اعتراضاً على الهجمات العدوانية الشرسة التي تقوم بها إسرائيل ضد المدنيين في اتجاه تصفية القضية الفلسطينية وحمل سكان غزة على هجر بيوتهم وأراضيهم وأعمالهم.
لقد شكل التضامن العربي أبعاداً مهمة على طريق إعادة هيكل العلاقات السياسية والثقافية بما يُفيد التحول الوجوبي عن الخلافات وتقريب المسافات ووجهات النظر بين الشعوب العربية، إذ أفصحت الانتفاضات عن الجوهر الحقيقي للمشاعر الإيجابية تجاه فلسطين وشعبها المناضل، حيث توحدت آراء المثقفين والمبدعين في مصر والعالم العربي والإسلامي فأشارت إلى مُتغيرات جديدة وضحت في خروج النقابات المهنية والإبداعية مُمثلة في النُخب والفئات العاملة في مجال الصحافة والإعلام والفنون التشكيلية والموسيقى لإعلان رفضهم لممارسات الكيان الصهيوني وحث القيادات السياسية والحكومات العربية على ضرورة الوقوف في وجه العصابات الدولية للحد من التغول ضد غزة وأهلها.
كما برهنت النقابات على موقفها الإيجابي بتعليق النشاطات الفنية في جميع المجالات لحين وقف إطلاق النار وتفعيل الجهود المبذولة لمنع الجرائم والمجازر وعمليات الإبادة الجماعية التي يقوم بها الصهاينة وتستهدف الأطفال والنساء والشيوخ في مواطن إيوائهم وهم عُزل من كافة وسائل الدفاع عن النفس.
وقد زاد التحيز والصلف إلى حد حرمانهم من الماء والغذاء والعلاج ليموتوا ببطء وهو ما يشكل في ذاته جريمة أخرى تُضاف إلى جرائم القصف والقتل والتصفية الجسدية الشاملة لكل العناصر الفلسطينية المُقاومة وغير المُقاومة.
تعليق أنشطة فنية
بالعودة إلى دور المُبدعين والمُثقفين والمؤسسات الفنية، نرى أن ما حدث في القاهرة من تعليق النشاطات الاحتفالية حدث في دول عربية أخرى كالجزائر وتونس والمغرب والعراق وسوريا ولبنان، فكما أجلت مصر إقامة نشاط مهرجان القاهرة السينمائي الدولي إلى فترة لاحقة كتعبير رمزي عن رفضها للعدوان الإسرائيلي الغاشم على فلسطين حذت دولة الجزائر نفس الحذو فأصدرت وزارة الثقافة الجزائرية بياناً بتعليق بعض أنشطتها الفنية ومن بينها مهرجان عنابه كحدث سينمائي ثقافي رئيسي له صداه الواسع والمؤثر.
وكذا صنعت مُعظم دول المغرب العربي الشقيق وهي الأكثر إقبالاً على تنظيم المهرجانات والاحتفالات، فعلى سبيل المثال تم وقف الاستعداد للدورة الجديدة لمهرجان تازة لسينما المقهى المُزمع إقامته في مدينة تازة خلال الفترة المقبلة.
ولم يستثن العراق وقطر والبحرين والسعودية وسلطنة عُمان من هذا الإجراء فجميعهم أعلنوا تضامنهم مع الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وأدانوا العدوان والحصار.
وقد وضح ذلك جلياً ورسمياً في قمة القاهرة التي عُقدت مؤخراً لبحث أوجه التعامل مع الأزمة، بالإضافة إلى الوقفات الاحتجاجية والتظاهرات الشعبية التي خرجت بكثافة وأعربت فيها الشعوب عن رفضها القاطع لكافة أشكال القمع والعنف ضد مدينة غزة الباسلة.
وتأتي المواقف الفردية القوية من بعض الفنانين المصريين لتُضفي جواً مُختلفاً على القضية السياسية الراهنة، حيث بادرت المُطربة المُعتزلة ياسمين الخيام بتسجيل نشيد حماسي بصوتها مصحوب ببعض الأدعية والعبارات التي تُدين إسرائيل بشكل واضح وصريح طالبت فيه الأمة العربية والإسلامية بالاستيقاظ والهمة وقامت بنشره عبر وسائل التواصل الاجتماعي وأوصت بتداوله كتعبير عن وجهة نظرها ودعمها المُطلق لمُقاتلي غزة وأبنائها الصامدين في وجه آلة الحرب الجهنمية الدائرة في القطاع وبقية المُدن والقرى الفلسطينية التي وصفتها الخيام بالأبية المُنتصرة.
وتقول الكلمات التي غنتها المُطربة المُعتزلة بعد فترة انقطاع طويلة: «استيقظي يا أمتي من قبل أن تتمزقي – من قبل أن تتشتتي في غربة الدرب الشقي – فلتنظري كل الشعوب توحدت إلا أنا – كل الجهود تكاتفت إلا أنا». واختتمت أدائها الغنائي القوي بأدعية طلبت فيها من الله الوقوف بجانب المُقاومين الباسلين ضد أعداء الإنسانية القاسية قلوبهم والجبارين.
وقد مثلت صيحة ياسمين الخيام إشارة مهمة للجماهير المصرية بضرورة الالتفاف حول غزة لنُصرتها والأخذ بيد مُقاتليها، وهي الرسالة التي وصلت بالفعل للمعنيين بها من الأحرار والشرفاء الذين أحاطوا بمسجد الشيخ محمود خليل الحصري والد السيدة ياسمين وأطلقوا منه شرارة الاحتجاج والرفض والتنديد عقب صلاة الجمعة.
وفي رد فعل قوي أيضاً قام الفنان محمد رمضان بتسجيل مقطع فيديو دعا فيه للمقاومة والدفاع عن فلسطين بشكل واضح غير مُلتبس وندد بعبارات لا تقبل التأويل بجُبن وضعف بعض الأنظمة وتواطؤ المُجتمع الدولي مع الكيان الصهيوني الغاصب والمُعتدي.
وخلال ساعات قليلة من بث الفيديو الجريء بلغت نسبة المتابعة نحو 120 مليون مشاهدة الأمر الذي ضاعف من أهميته وأكد تأييد الغالبية العُظمى من المواطنين لوجهة نظر رمضان الذي كان أكثر صراحة وشجاعة وصدقا.