«الجزيرة» تحتفل على طريقتها… هل انتهى المشروع؟!

حجم الخط
15

لم تحتفل «الجزيرة» بذكرى تأسيسها هذا العام، فليس من «الأصول» أن تحتفل، بينما أهل غزة يتعرضون لإبادة جماعية، ممن لا يرقبون فيهم إلا ولا ذمة، ولا يفرقون بين بشر وحجر، وبين رجل وامرأة، وبين كبير وطفل، وبين منزل ومستشفى!
احتفال الجزيرة بذكرى انطلاقها (1 نوفمبر/ تشرين الثاني) من كل عام، ليس احتفالاً بالمعنى المتعارف عليه، فلا يكون بحفل غنائي ساهر مثلاً، لكنه يقتصر على إلقاء بعض الكلمات، والحديث عن الإنجازات، وتكريم من عملوا لسنوات معينة، فلا يشهد صخباً عُرف من الاحتفالات بالضرورة، ومع ذلك ألغي الاحتفال فهذه هي «الأصول»، لأن اسمه هكذا، وإن كان أقرب للندوة أو المؤتمر.
فلا يجوز في الأعراف العربية الأصيلة أن تقام الأفراح مع وجود مأتم لدى الجار بالجنب أو في المنطقة، وفي الصعيد كنا نتعالى، وربما لا يزالون، على سكان الحضر (البندر)، لأنهم لا يعرفون «الأصول»؛ فقد تخرج من الشقة جنازة لمتوف، بينما في الشقة المقابلة في نفس البناية تنبعث الزغاريد فرحاً بزواج أو نجاح أو ما شابه، وعلى مدى أكثر من ربع قرن لم أشهد شيئاً من هذا، لكن يظل ما وقر في قلب أهلنا الذين لم يغادروا قراهم، مرده إلى أن قيمة الإنسان من كونه يعرف «الأصول» ويتمسك بها، وقد امتثلت «الجزيرة» لـ «الأصول»!
ومع ذلك فالجزيرة تحتفل بذكرى انطلاق ارسالها بهذا النقل الجاد، والملتزم، والمنحاز للقضية المركزية للأمة، وكأن الحدث الفلسطيني جاء في موعده، لتثبت أنها لا تزال على الدرب، الذي قرره لها المؤسس، فإذا بها تجدد العهد، وتؤكد الالتزام، بالاستمرار في المهمة، فلم تمكن الإعلام الحكومي المحلي من أن ينجح في مهمة تشويه المقاومة، وقد صارت هي القناة المحلية الأولى، لكل قطر من الأقطار العربية والإسلامية، وقد أطلقت قنوات لتنافسها، لكن المشاهد أعطى ظهره لها جميعاً، لتظل الجزيرة هي الأعلى مشاهدة بل خارج المنافسة، فهي في الترتيب الأولى والثانية والعاشرة، وربما المئة، عندما نعرف أن الفارق كبير بينها وبين من يأتي ترتيبها الثانية وهي قناة «العربية»، وذات مجزرة كان عدد مشاهدي الجزيرة على اليوتيوب أكثر من (360) ألف مشاهد، بينما لم يتجاوز عدد مشاهدي «العربية» في ذات اللحظة الـ (16) ألف مشاهد، في حين أن قناة «القاهرة الإخبارية»، التي تنطلق من عاصمة الخبر – كما تقول دعايتها – يشاهدها (99) فرداً فقط، والتجربة ستكون مثيرة لأي باحث متفرغ، في متابعة المنصات الأخرى وفي أوقات مختلفة، ما دامت لا توجد وسيلة لقياس أعداد المشاهدين عبر الشاشة، ونزعم أن الفارق سيكون هائلا لصالح «الجزيرة» أيضاً.

عندما ينقشع الغبار

و«الجزيرة» تضم أهم مراسلين، سواء في غزة وفي الأرض المحتلة، ينقلون الحدث وقت وقوعه على مدار الساعة، فلا نعرف متى ينامون، وعندما ينقشع الغبار، ستكون المادة الصحافية الأكثر جاذبية هي تغطية حالهم، في ما وراء الكاميرا، ويعمل هذا الطاقم المثير في أدائه للدهشة، والمثير في عطائه للانتباه تحت القصف وعلى خط النار، وقد حدث الاندماج بين المهنة والقضية، وبين الموضوعية والانحياز، فحتى وائل الدحدوح، مع هول المحنة التي يمر بها، إلا أنه استمر في عمله، على أساس أنه في جهاد مهني، لا تقل رسالته الإعلامية في أهميتها عن رسالة أعظم المقاتلين!
وإن كنت أشفق عليه عندما تتوقف المعارك وتسكت الصواريخ ويخلو بنفسه وقد فقد الزوجة والابن والابنة والحفيد. وعلى ذكر الصعيد فهناك مقولة تقال في حالته الآن أتذكرها عندما أراه رابط الجأش، قوي العزيمة، وهي أن «السكينة سرقاه»، لكن هذا قدر المخلصين لمهنتهم، ولهذا قيل إن الصحافة مهنة بلا قلب، ودائما تأتي العبارة مقرونة بما نقل الينا عبر تلاميذ الصحافي الكبير مصطفى أمين، لقد عاد من تشييع جنازة والدته يعمل بهمة، كما كل يوم، فيراجع البروفات، والمواد التي ستنشر في عدد الغد، وكأن شيئاً لم يحدث، حتى إذا انتهى من هذا كله أغلق باب مكتبه عليه، وانخرط في بكاء سمع نحيبه من كانوا خارج المكتب!

أطفال حول «الجزيرة»

عزاء وائل أن الخبر الصاعقة جاءه وهو في الميدان، وأنه استمر في أدائه لواجبه، فلم يقصر ولم يتراجع، ومثل بصموده وبساطته رسالة للقتلة بأنه رغم الوجع فإنه مستمر في أرض المعركة، ليكشف بإذاعة الحقيقة حجم الزيف، وهو بهذا الدور يشارك في تشكيل وجدان شباب الأمة!
شباب صغير نشاهده صامداً تحت القصف، ومثله في طول العالم وعرضه قاطعوا طعاماً شهياً لمطاعم تبين أنها تدعم إسرائيل، وفي الشوارع وعلى منصات التواصل هتفوا باسم فلسطين، فكيف عرفوا فلسطين؟!
جيلنا كان محظوظا نسبياً فقد كنا في المدارس، وفي طابور الصباح، وعندما كان المعلم المختص يهتف مدرسة «صفا» يكون جوابنا: «تحرير»، «إيه انتباه»: «فلسطين»، ونشأنا في أجواء حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، وكانت فلسطين موضوعاً في الكتب المختلفة، لكن الجيل الحالي أمره مختلف، ففي سنوات الضباب عدلت المناهج الدراسية لينشأ جيل جديد مشغول بنفسه، لا تشغله قضية ولا يحركه انتماء، إلا الانتماء للوطن الذي هو الحاكم!
ولم تعد وسائل الإعلام تتحدث عن إسرائيل باعتبارها العدو وإنما هي الصديق، الأمر الذي دفع بالحاكم المصري أن يقول جهاراً نهاراً إن مهمته هي حماية أمن إسرائيل، وربما كان يظن أن فلسطين لم تعد تعني احداً ليؤاخذ بهذا التصريح!
وفي أجواء البلادة هذه فمن يذكر الناس بفلسطين، لكن أثبتت الأحداث كما أثبت التفاعل معها، إنها قضية حية حتى في نفوس الأطفال، فمن أين عرفوا قضية فلسطين؟!
كنت مشغولاً بمحاولة التوصل لتوضيح للحالة، عندما طالعت عبر صفحة أحد الزملاء صورة لطفل يجلس أمام جهاز «لاب توب» يشاهد بيان المثلم، وصورة أخرى لعدد من الأطفال يلتفون حول جهاز التلفزيون يشاهدونه أيضاً. وفي الصورتين كانت «الجزيرة» هي القناة، فهذا وعي تشكله القناة، بطاقم مراسليها، سواء من غزة أو من الأرض المحتلة، فالأمر يستحق، وتغلب وائل الدحدوح على جراحه لم يضيع سدى!

القناة العربية الأولى

وتبدو الأحداث الكبرى هذه تأتي لكي تثبت «الجزيرة» أنها القناة العربية الأولى، وأن من يراهن على انتهاء المشروع وأن اللحظة مواتية لتقديم البديل أو المنافس، كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه، وقد انتشرت هذه الأوهام من قبل، وعند حصار قطر كانت «الجزيرة» أقوى من القنبلة الذرية فلم تبق ولم تذر، وكما تنتصر في تغطية أحداث غزة، بنشر الحقيقة والرأي الآخر، انتصرت بالحقيقة والرأي الآخر في قضية الحصار، فلم تتجاهل ما قالته دول الحصار، وكانت هي من تنقله، ولم يكن غريباً أن تضع هذه الدول اغلاقها على رأس مطالبها، فبهت من شطح به خياله ونطح حد تصور انتهاء المشروع!
وبعد مشروعات فاشلة للمنافسة، أصيبت الدول باليأس، ولم ييأس الحكام الجدد في مصر، تعاونهم بعض دول الإقليم بالمال، فكانت تجربة «دي إم سي» بأحدث استوديوهات وأغلى أجهزة، والآن لم يعد أحد يذكر هذه القناة لا بالخير ولا بالشر، وكأنه لا وجود لها في المجرة، فكانت قناة «القاهرة الإخبارية» فرأينا كيف أن مشاهديها كانوا يحتاجون لنفر ليتموا المئة الأولى والأخيرة.
وقد ألغت «الجزيرة» احتفالها هذا العام، التزاما بـ «الأصول»، فإنها احتفلت بهذه التغطية للحرب على غزة، حيث قدمت دليلاً اضافياً على أنها لا تزال متربعة على القمة، والأولى بلا منافس، وأن الذين يقولون إن المشروع انتهى، إنما يخلطون بين أمانيهم وكوابيسهم.
ليس بأمانيكم ولا أماني حكام الإقليم!

أرض جو:

استدعى عمرو أديب شقيقه عماد لشيطنة حماس، فقال إن كتائب القسام كانت ترابط فوق أعلى البنايات في القاهرة في ثورة يناير/كانون الثاني ضمن القناصة، واسالوا اللواء حسن الرويني؟!
المشكلة أن عماد يؤلف، ويكذب على الرويني، لكن المثير للريبة هو صمته، فهل عماد في هذه «الطلعة» يؤدي دوراً متفقاً عليه مع السلطة؟!

٭ صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية