صنعاء ـ «القدس العربي»: يأتي العدوان الإسرائيلي على غزة في مرحلة كانت الأزمة اليمنية قد قطعت خطوات متقدمة نحو الأمام، وخاصة على صعيد استمرار الهدنة شبه الرسمية لنحو عام، وقبلها ستة أشهر هدنة رسمية، وتواصل جولات التفاوض الحوثي السعودي في سياق سعي إقليمي ودولي لإغلاق ملف الحرب في اليمن باتجاه التمهيد لعملية سياسية تطوي صفحة الصراع في البلد. إلا أن تداعيات الحرب على غزة في ظل ما ظهر عليه العدوان الإسرائيلي من وحشية وهمجية كان من الطبيعي أن يمتد تأثير الحرب للمنطقة؛ ومنها اليمن، لاسيما بعد أن قررت جماعة «أنصار الله» (الحوثيون) الدخول في مسار هذه الحرب من خلال توجيه صواريخهم ومسيراتهم نحو أهداف في إسرائيل. فإلى أي مدى ستؤثر هذه الحرب على مآلات الأزمة في اليمن الذي تعصف به حرب منذ تسع سنوات؟
يرتبط اليمنيون بعلاقة وثيقة بالقضية الفلسطينية، وبالتالي فإن موقفهم من الحرب الأخيرة على غزة ما زال واضحًا وقويًا في مظاهراتهم ومسيراتهم ووقفاتهم التضامنية غيرها، فالخلفية تتجاوز العاطفة والدين إلى عوامل عديدة تعزز من علاقة أبناء اليمن بالقضية الفلسطينية.
كانت الإجابة على السؤال الباحث عن تأثير الحرب على غزة في اليمن محورًا من محاور فعالية افتراضية مفتوحة نظمها مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية عبر تطبيق «زووم» الأربعاء الماضي بمشاركة عدد من الباحثين؛ وهنا سنتوقف أمام ما يتعلق بتأثيرها على اليمن.
الرد التصعيدي
قال رئيس مركز صنعاء، ماجد المذحجي، إن الرد التصعيدي من محور المقاومة نحو العدوان الإسرائيلي على غزة من جهة اليمن يقدّم رسائل جيدة حول مدى انخراط المحور أو التزام أطراف المحور في المشاركة في التصعيد، ثانيًا هذا التهديد لا يشكل كلفة في حال كان هناك شكل من ردود الفعل الانتقامية، معتبرا سلوك الحوثيين واستهدافهم لإسرائيل رسالة سياسية من محور إقليمي أكثر من كونه انخراطًا كليًا لهذا المحور في مسار الصراع، لكنه الأبرز في هذه الزاوية، على حد قوله.
واعتبر هذا أول انخراط لجماعة الحوثيين في الصراع الإقليمي بعدما كان سقف الحضور لا يتعدى أراضي السعودية أو الإمارات، لكن الآن هذا سيغير صيغة حضور جماعة الحوثيين في التفاعلات الإقليمية كما يقول.
وتابع: إن هذه الاستهدافات الصاروخية هي رسائل سياسية بدون آثار عسكرية فعالة حتى الآن. لكن الجماعة تستطيع أن تكون أكثر فاعلية إذا قامت بتوسيع نطاق الاستهدافات أو قامت باستهداف الأصول الأمريكية في المنطقة أو الأصول النفطية أو تهديد مسار الملاحة الدولية في باب المندب. هنا يصبح للتأثير الحوثي دور فعال للغاية أكثر من الرسائل السياسية الموجودة.
وقال «إن التهديد هو ليس تهديدا فقط للأمن المباشر لإسرائيل، لكن تهديدا لمجموعة المصالح الدولية التي شكلت دعمها لإسرائيل مثار غضب محور المقاومة. وبالتالي نحن نشهد زاوية جديدة للمخاطر يشكلها الحوثيون، وهذا التفاعل سنشهد آثاره بشكل مختلف على المدى المنظور».
وتساءل: هل سيدفع هذا الانخراط الحوثيين إلى مقاربة القضية اليمنية بطريقة مستعجلة أم سيغير النظر إلى المخاطر أو إلى جماعة الحوثيين؟ يعني على سبيل المثال قبل عامين أسقطت الإدارة الديمقراطية الأمريكية في أول قرارات لها تصنيف الحوثيين كجماعة موسومة بالإرهاب، أدى هذا إلى تحول في مسار الأحداث حينها. بعد سنتين يتفاجأ الكثير بما فيهم في واشنطن أن الجماعة تنخرط فيما يجري ضمن النقاشات الجارية الآن، وهو أنه سلوك خطير في المعنى الإقليمي. هل سيؤدي هذا إلى جملة تداعيات بما فيها وضع الحوثيين كجماعة مصنفة الإرهاب؟
وقال المذحجي: إذا الحوثيون سيظلون بهذه الرسائل، سنشهد استهدافات بالمقابل لبعض الامكانيات المسلحة للجماعة، لكن إذا رفع الحوثيون منسوب التهديد سنشهد مستويين من الاستجابة. سياسي، وقد يبدأ إعادة الحديث عن تصنيف جماعة الحوثيين كجماعة إرهابية، وسنشهد سياسة أكثر عنفًا إذا صح الوصف بما فيها استهداف قيادات الحوثيين.
فيما تحدث الباحث، توماس جونو، عن علاقة السعودية بالحرب من اليمن. وقال: جزء من التحدي الذي واجهته السعودية، هو أن السعودية خسرت الحرب في اليمن، وتحاول أن تتفاوض حول خروجها بطريقة تقلل من هذه التكلفة والخسائر. والحوثيون فهموا ذلك، ويحاولون أن يحصلوا على أكبر قدر من التنازلات من السعودية، وقد تبدو أن هذه التنازلات غير مقبولة إلى هذا الوقت من السعودية. إن الحوثيين كانوا يعرفون أنهم قادرون أن يشنوا هجمات صاروخية وطائرات مسيرة على إسرائيل، وأظن أن هذه الرسالة واضحة، وليست تهديدا لإسرائيل.
وأضاف: قوة الحوثيين تأتي من ضعف أعدائهم المحليين. رأينا أن مجلس القيادة الرئاسي الذي أسسته السعودية قبل سنة ونصف فشل فشلاً تامًا في تقديم جهة ليست فاسدة وقادرة على مناهضة الحوثيين.
من جانبها أوضحت الباحثة، ميساء شجاع الدين، أن الحرب على غزة كانت فرصة ليثبت الحوثيون أنهم فعلا جادين في الوقوف ضد إسرائيل؛ وفيما يتعلق بالاتفاق مع السعودية أشارت إلى أن السعودية قبل التصعيد الأخير في غزة كانت بالتأكيد حيّدت نفسها في محاولة منها لإعادة تقديم نفسها كدولة مستقرة أمنيًا واقتصاديًا في التمهيد لاستكمال تنفيذ رؤيتها 2030 والتسويق لنفسها بشكل مختلف عما حدث في حرب اليمن، وغيرها من الأمور التي بدت فيها أن السعودية تأثرت كثير دوليًا، وبالتالي هذا كان من ضمن رغبتها إغلاق ملف الحرب في اليمن، وكانت مدركة أن ثمة امكانية لإيقاف الهجمات الحوثية على أراضيها باعتبارها مكلفة ماديًا بشكل كبير، وأيضا مكلفة على مستوى سمعتها سياسيًا، وبالتالي استوعبت الحاجة إلى إغلاق هذا الملف، فذهبت لإيران مباشرة لإدراكها مدى تأثير إيران على الحوثيين في هذه المسألة بالتحديد؛ وهذا حيّدها نسبيًا في هذا الصراع.
وترى أن التصعيد الأخير لن يتوسع عسكريًا على الأقل على المدى القريب. وقالت: لكن أتصور على المدى البعيد هو سوف يلقي بظلاله على المنطقة. ممكن هذا يعيد انقسام المنطقة إلى معسكر إيراني ومعسكر معادي لإيران. هذا أحد الاحتمالات المطروحة. فإذا السعودية بحكم ارتباطها الأمني مع الغرب أخذت وضعها ضمن هذا المعسكر لحظتها بالتأكيد ممكن تنهار كل محاولات الاتفاق مع إيران أو مع الحوثيين. لكن هذا التصعيد لا يزال بالامكان تدرجه حتى النهاية، والنهاية هي ستكون حزب الله، باعتباره الوكيل الأخطر الإيراني بالنسبة لإسرائيل. حتى الآن هذا لم يحدث. وقالت فيما يتعلق بالتصعيد الأخير: أنا أتصور هو له علاقة بأن الحوثيين يحاولون أن يرسلوا رسالة أنهم لن يتخلوا تماما عن ورقة الحرب، وربما هو أيضا لتحسين وضعهم التفاوضي. أنا أتصور أن هذه الحرب على المستوى العسكري ممكن تتحجم، لكن على المدى البعيد ما زالت المسارات كلها مفتوحة والاحتمالات مفتوحة.
واستطردت: اليمنيون هم شعب داعم بشكل كبير للقضية الفلسطينية. يعني حتى الخلافات هذه كلها لا تلقى بالا عند اليمنيين فهم داعم مطلق للقضية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني، ولديهم ارتباط قوي فيها بمشاعرهم القومية أو الدينية، وبالتالي فهذه يمكن ترفع أسهم محور المقاومة شعبيا، وهذا يعتمد على المسارات التي ممكن تأخذها المعركة.