ترويع الفلسطينيين سياسيا

هشام عبدالله
حجم الخط
1

تضرب إسرائيل الفلسطينيين بقوة تدميرية هائلة، لا أحد ولا شيء معصوم من قتلها وفتكها، كما هو الحال في قطاع غزة، وبقدر أقل في الضفة الغربية. وهو ترويع لا سقف له في ظل غياب أي رادع دولي ولا عربي، لكنه في مضمونه ودلالاته يهدف بالتحديد لإصابة حقوق الفلسطينيين السياسية المشروعة في مقتل.
في إسرائيل لا صوت ينادي بحقوق الفلسطينيين وحسب، بل إن النداءات الوحيدة التي يمكن سماعها بكل وضوح هي تلك الداعية إلى الانتقام والقضاء عليهم باعتبارهم «حيوانات بشرية» وفق ما يصرح علنا كبار المسؤولين الحكوميين وغيرهم، فضلا عن غالبية مواطنيهم. وقد تجلى الأمر فور الهجوم الذي شنته المقاومة الفلسطينية في مستوطنات غلاف غزة، وتركز في مقارنة الفلسطينيين بداعش وبمثلها من أوصاف ومقاربات بهدف نزع صفة البشرية والإنسانية عنهم، وبالتالي تشريع قتلهم وإبادتهم.
وقد تسنى لإسرائيل أن تطبق ذلك عمليا في ساحة المعركة، وعلى مدار شهر قتل جيشها نحو عشرة آلاف فلسطيني، نصفهم أطفال ونساء، ودمر أكثر من 100 ألف مسكن، وقصف مستشفيات وكنائس ومساجد ومدارس ومراكز إيواء، ومنع الخبز والماء والوقود عن أكثر من مليوني إنسان في قطاع غزة. ولم تتمكن أي دولة ولا منظمة أو جهة على وجه الأرض، من إجبار إسرائيل على وقف إطلاق النار، ولا حتى دفعها لمنح توقف مؤقت، كما تحب أن تسميه إدارة البيت الأبيض الأمريكي.
وهي توفر لإسرائيل كل ما يلزم من سلاح، ومال، ودعم سياسي قوي لمواصلة حربها على الفلسطينيين. اللافت أن الولايات المتحدة الأمريكية تقول إن وقف إطلاق النار حاليا سيعتبر بمثابة «انتصار لحماس» وهذا ما تقوله إسرائيل ولا تتردد في تأكيده وتحويله، بمساعدة أمريكا، إلى ترجمة فعلية لضرب مطالب الفلسطينيين، بحق تقرير المصير وإقامة دولة مستقلة، وإحالتها إلى ركام وحطام كما فعلت وتفعل ببيوتهم ومساكنهم في غزة والضفة الغربية.
وذلك يجري على مراحل لتدمير قطاع غزة وتهجير سكانه، أو تحويله إلى مكان غير قابل للعيش الآدمي، لا ماء ولا كهرباء ولا غذاء ولا مسكن، ثم تقدمه للعالم على أنه كارثة إنسانية يتوجب عليه التعامل معها على هذا الأساس، بعيدا عن أي ذكر لحقوق الفلسطينيين الوطنية. ويبدو أن الأمر قد وصل مرحلة متقدمة على أرض الواقع، وعلى مائدة السياسة.
وخلال الأيام الأخيرة صعد الجيش الإسرائيلي من مستوى ضرباته، وبتركيز شديد على المستشفيات والمدارس التي لجأ إليها عشرات الاف النازحين بحثا عن مكان آمن. وتسعى إسرائيل في المرحلة الحالية إلى اخلاء شمال غزة ووسطها ودفع السكان جنوبا ليتحول تلقائيا إلى منطقة لاجئين جديدة.
ولا يمكن تفسير ذلك كله، دون الالتفات ان ما تفعله إسرائيل مؤيد بحلف غربي عالمي كبير، انما يصب في تغيير أولويات الفلسطينيين لاسيما تلك المتعلقة بحقوقهم السياسية الوطنية، وكذلك رسم وتحديد أولويات على مقاسها تقدمها للعالم ليتعامل مع الكارثة الإنسانية التي تصنعها، ولا يدرك أحد حدودا لها.
تريد إسرائيل لحربها الحالية على الفلسطينيين، ان ينشغلوا بلملة جراحهم وأشلائهم، بدل ان يطالبوا بتسوية عادلة لقضيتهم، وتريد للعالم أن يتعامل معهم في نطاق ضيق ومحصور من المطالب الإنسانية. وهي نجحت حتى الآن في تخويف مصر من امكانية هجرة سكان قطاع غزة إلى سيناء، وسحب نفس معيار الخوف على الأردن من احتمال مماثل لتهجير جديد من الضفة الغربية نحو أراضيه. ويتضح ذلك من سلوك قادة كل من مصر والأردن ازاء الحرب الحالية على الفلسطينيين. وما ييثر هذه المخاوف عدم سرعة استجابة الدول العربية والإسلامية لاتخاذ مواقف عملية من حملة إسرائيل في قطاع غزة. ويؤكد ذلك موعد القمة العربية الطارئة لبحث القضية الذي أبعد حتى الحادي عشر من شهر تشرين الثاني/نوفمبر الجاري ليكون قد مضى أكثر من شهر على بدء العدوان الإسرائيلي على غزة ومحاصرتها وقمعها الضفة الغربية.
وبينما سينتظر الفلسطينيون انعقاد القمة العربية وما يمكن أن ينتج عنها، فإن اسرئيل ومعها حلفاءها، لاسيما إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، قد صاغوا عمليا على أرض الواقع، ونظريا بمقترحات مختلفة لمرحلة ما بعد الحرب على غزة، ما يمكن أن يغوص عميقا في أجندة قمة العرب المقبلة، بل أن وزير الخارجية الأمريكي انطوني بلينكن الذي يزور إسرائيل، وزارها عدة مرات منذ بدء الحرب، سيلتقي مسؤولين عربا وفلسطينيين في عمان عشية القمة العربية المرتقبة.
في غضون ذلك لم تغفل إسرائيل والولايات المتحدة عن طرح مقاربات ومقترحات لما يتوجب أن تنتهي اإيه الحرب الحالية ضد الفلسطينيين. وفي حين عين رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو رئيس الموساد السابق يوسي كوهين، مسؤولا لملف ما بعد حرب غزة، منوها لعلاقاته في المنطقة والعالم، بدأت إدارة بايدن في طرح مقارباتها أيضا.
ومقابل ذلك لا يمكن سماع أو ملاحظة جديد لافت، من لدن الفلسطينيين والمؤيدين لهم، حول تقدمهم بمقترحات سياسية توازي فظاعة وقساوة ما يتعرضون له لحل الأزمة، سوى ما يردده الرئيس محمود عباس عن حل الدولتين ونداءاته المتكررة، غير المستجابة، بتوفير حماية دولية للفلسطينيين. بل إن قيادة حركة حماس السياسية راحت ومنذ بدء الحرب الأخيرة تكرر الحديث عن حل الدولتين الذي لا يعرف حتى الآن وبعد عقود على طرحه، كيفية تطبيقه على أرض الواقع.
غير أن ما يصدر عن إسرائيل وأمريكا لا يتعدى أكثر من دفع العالم للتحرك والتعامل مع النتائج الإنسانية للحرب الحالية. ويتداول المسؤولون الإسرائيليون، غير عابئين بالوضع الإنساني، مقترحات تنحصر فقط في كيفية القضاء على حركة حماس، وفي أحسن الأحوال احتمالات لخروجهم من قطاع غزة على غرار خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت بعد حرب إسرائيل عام 1982. وقد كشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، عن دراسة الاحتلال لمقترحات من بينها، مغادرة قادة «حماس» قطاع غزة مقابل الحفاظ على حياتهم وإطلاق سراح الرهائن.
وكذلك نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن بلينكن خلال زيارته لإسرائيل أن الولايات المتحدة لن تشارك في إدارة القطاع أو في قوة متعددة الجنسيات بشأن هذه القضية، لكنها تحاول صياغة ترتيب إقليمي مع دول المنطقة للوضع في غزة مستقبلا، لا سيما ما يتعلق بالجوانب المالية.
وكانت تقارير نقلت عن بلينكن، أن بلاده ودولا أخرى تبحث بدائل واحتمالات عدة لمستقبل قطاع غزة ما بعد الحرب، موضحا -في جلسة استماع بمجلس الشيوخ الأمريكي- أن الوضع الحالي الذي تدير فيه حماس القطاع وتتولى مسؤوليته «لا يمكن أن يستمر» مشيرا إلى مجموعة من البدائل المحتملة التي تجري دراستها وسبق وأن أعلن البيت الأبيض الأربعاء الماضي أن واشنطن تعمل مع شركائها في المنطقة «لاستكشاف الشكل الذي ينبغي أن يكون عليه الحكم في غزة مستقبلا» بينما قالت الخارجية الأمريكية إنها أوضحت «أنه لا يمكن لحماس أن تستمر في حكم وإدارة غزة».
يصمت العالم عن مواصلة إسرائيل حربها على الفلسطينيين، وهي حرب ترقى إلى وصف الإبادة الجماعية، وفق القانون الدولي، ويمكن، أن تندرج أيضا تحت بند التخلص من حق الفلسطينيين وحلمهم بالحرية وإقامة دولتهم المستقلة، ولكنها أكثر مكرا، إذ يتم تنفيذها على مرأى ومسمع من العالم أجمع ومن الفلسطينيين المنشغلين بمعركة البقاء مجددا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية