فيلم «الناصر صلاح الدين» صورة الحرب في زمن النخوة العربية

مع بداية الحرب الصهيونية على غزة، وتصاعد وتيرة الاستشهاد في الأراضي الفلسطينية المُحتلة كافة، تغيرت خريطة البرامج والأفلام في مُعظم القنوات الفضائية المصرية والعربية، وتماشياً مع الجو العام المتوتر وحالة الترقب والشحن المعنوي أعيد عرض الأفلام الحربية ذات الخصوصية، ولأن انتفاضة الأقصى تزامن موعدها مع احتفالات حرب أكتوبر/تشرين الأول 73 جاءت التغطية الإعلامية مزدوجة في ما يخص النشاط الفني والسينمائي للفضائيات.
ووفق الخريطة البرامجية التقليدية جاءت أفلام أكتوبر في صدارة المشهد فتم التركيز على النوعيات المُختارة كـ«الرصاصة لا تزال في جيبي» و«العُمر لحظة» و«أبناء الصمت» و«أغنية على الممر» و«حتى آخر العُمر» و«بدور والطريق إلى إيلات» و«حكايات الغريب» و«حائط البطولات» و«يوم الكرامة» و«الممر» إلى آخر قائمة الأفلام المحفوظة عن ظهر قلب، حتى تم عرض جميع الأعمال الإبداعية ذات الصلة بالمناسبة الوطنية تقريباً.
وعندئذ تم التحول إلى دراما الجاسوسية والبطولات المخابراتية، فشاهدنا مسلسل «دموع في عيون وقحة» و«رأفت الهجان» و«السقوط في بئر سبع» و«هجمة مُرتدة» و«الحفار والتعلب» وبالطبع أضيف لها الإبداع السينمائي في المجال نفسه، فبرزت أهم الأفلام كـ«الصعود إلى الهاوية» و«إعدام ميت» و«بئر الخيانة» و«ملف سامية شعراوي» و«مهمة في تل أبيب» في تكثيف يستهدف الإعلاء من قيمة البطولة العسكرية والفدائية، وإدراك حلاوة النصر الذي جاء بعد نكسة مؤلمة.
وبمرور شهر أكتوبر وانقضاء الموسم الاحتفالي السنوي المُعتاد أصبح الاهتمام الأكبر ينصب على متابعة أحداث غزة، وما يجري فيها من مجازر وحرب إبادة بمعنى الكلمة، وهنا لم يكن مناسباً إعادة ملف البطولات الحربية سالفة الذكر، لذا تحولت بوصلة المُتابعة الإعلامية نحو المُصنفات الإبداعية اللائقة فنياً وإبداعياً.

وبناءً عليه ظهرت على الشاشة البطولات الفردية والجماعية في أفلام أخرى، ربما هي الأكثر اقتراباً من الأجواء الحربية في العصر الحديث، كفيلم «أسد الصحراء» المعروف باسم «عمر المختار» للمخرج السوري مصطفى العقاد، حيث تم رصد التفاصيل الكبيرة والصغيرة في معركة لم تكن متكافئة من حيث العُدة والعتاد بين المقاومة الليبية وجيش الاحتلال الإيطالي، فرغم الخسائر الفادحة في الأرواح، إلا أن هناك بطولات فعلية تحققت على أرض الواقع لم ينكرها العدو ذاته، وإنما اعترف بها بشكل صريح وواضح تم التعبير عنه في المشهد الذي أدى فيه القائد الإيطالي التحية للثائر البطل عُمر المختار بعد إعدامه شنقاً في مشهد النهاية، الذي اختزل كل المعاني التي أراد المخرج الراحل مصطفى العقاد توثيقها عبر رحلة الفداء والبطولة والتحدي، التي خاضها البطل الليبي الفذ مع المجاهدين من رفاقه في المقاومة. وبهذه التحفة الإبداعية السينمائية الكُبرى استطاع العقاد أن يُخلد سيرة عُمر المُختار وملحمة الفداء والتضحية لتُصبح تاريخاً يُروى للأجيال ومصدراً للفخر والعزة والكرامة، فلم تكن المقاومة مجرد عمل بطولي وحسب، وإنما كانت تسطيراً لمجد كتبه الشهداء والأبطال بدمائهم فاستحقوا أن يُخلدوا ويبقوا في الذاكرة كأحرار شرفاء أبوا أن يركعوا أو يخنعوا أو يُذلوا.
وبالقياس على هذه الحالة البطولية الفريدة والنادرة في أزمنة النخوة واستنهاض الهمم، جرى عرض فيلم «الرسالة» لمصطفى العقاد أيضاً باعتباره يرمز إلى وقائع تاريخية انطوت على نُصرة أهل المدينة لإخوانهم المُهاجرين من مكة، هرباً من عناء الاضطهاد في قريش بعد اعتناقهم الإسلام، حيث يسجل الفيلم للأنصار فضلهم في احتواء إخوانهم وإيوائهم حتى تعززت قوتهم وعادوا إلى ديارهم في مكة مُنتصرين ظافرين فاتحين بعد انقضاء سنوات العناء والمكابدة والغُربة.

تلك هي الدروس المُستفادة من اجترار التاريخ وتصوير الملاحم وتوثيق المواقف البطولية والإنسانية، وهي الأهداف ذاتها التي تبناها المخرج يوسف شاهين في فيلم «الناصر صلاح الدين» إذ أشار إلى أهمية توحيد جبهة القتال في معركة المصير لنُصرة القدس ودلل عليها بالعديد من المشاهد ربما كان أقواها ما تعلق بالدور التاريخي للجندي المسيحي عيسى العوام الذي انضم لصفوف المُقاتلين دفاعاً عن بيت المقدس، وأبلى في المعركة بلاءً حسناً فكان نموذجاً قوياً للنُبل والشجاعة. وبالقطع كان لشخصية صلاح الدين الأيوبي كقائد عربي رمزيتها الضرورية في كيفية إدارة المعارك بما يقتضيه الواجب الديني والأخلاقي، فالمشهد الذي بدت فيه مدينة عكا مُستبسلة قوية برجالها وأبطالها، كان غنياً عن أي تفسير أو تحليل، حيث المعنى جلي بذاته ومضمونه، إذ لا مناص من النصر ولا بديل عن المقاومة، فإما النصر وإما الشهادة وتلك كانت رسالة الفيلم الذي وثق لتفاصيل الحرب العُظمى فصارت عنواناً لهزيمة العدو وصورة حية لانتصار أصحاب الحق والأرض والوطن.
وقد ألمح يوسف شاهين كذلك إلى كفاح الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي من خلال عرض السيرة الذاتية للمُناضلة جميلة بوحيرد التي ضربت أروع مثال في الثبات على المبدأ وتمسكها بالمقاومة إلى حد إشرافها على الموت من فرط التعذيب والتنكيل، لكنها أبداً لم تتخل عن صلابتها ولم تحد عن حق بلادها في الاستقلال، إلى أن أصبحت رمزاً وقدوة وسيرة عطرة تداولتها الأجيال جيلاً بعد جيل. إن ما سجلته السينما المصرية والعربية كان هدفه صناعة تاريخ آخر موثق بالصوت والصورة ليكون موازياً للتاريخ الواقعي، حتى لا يُمحى من الذاكرة ويعتريه النسيان.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية