اللبناني محمد علي شمس الدين في «آخر ما تركته البراري»: شذرات من سيرة شعرية تبحث عن ماهية الموسيقى

صابر رشدي
حجم الخط
0

في كتابه الأخير «آخر ما تركته البراري» وعنوانه الفرعي «سيرة صغيرة»، يدافع الشاعر اللبناني الراحل محمد علي شمس الدين (1942-2022) عن الشعر، الوزن، الإيقاع، الموسيقى، وعن قصيدة التفعيلة تحديداً، عبر سيرة ثقافية تدعمها لغة منمقة، تتماهى مع قصيدة النثر في أكثر تجلياتها إشراقاً. سرد شفيف، موح، مكثف، ذكرني بأعمال الشاعر والكاتب الجزائري الفرانكفوني مالك حداد، في روايتيه «سأهبك غزالة»، و«ليس في رصيف الأزهار من يجيب»، وبعض كتاباته الأخرى. نثر مشحون بدفقات شعرية، لا تفسده، ولا تطغى عليه، وتحوله إلى نوع أدبي آخر.
يستهل شمس الدين الصفحات الأولى بسطرين يصلحان لإضاءة غلافين آخرين، أو عنوانين لقصيدتين:
«أتنقل في البلاد أبحث عن نفسي»
و»مريض بالإيقاع»
ثم يمر الشاعر على محطات كبرى من حياته في رحلته الشعرية، كما فعلها صلاح عبد الصبور من قبل في «حياتي في الشعر» ساعياً وراء المعنى، إنه لا يؤرخ لنفسه، معتمداً ترجمة ذاتية تقليدية، تنحو إلى الشكل الروائي المتكامل، والاستفادة من مزاياه المتعددة، وليونته واحتوائه لكل الأنواع الأدبية الأخرى. فهو، منذ البداية، يطرح كل ذلك جانباً، ويبتعد عن كتابة عمل سيري متكامل: بداية، وسط، نهاية. غير معني بالخط المتصاعد، يتعامل مع الزمن على نحو أفقي، على طريقة النبش في الذاكرة، واصطياد لحظات محددة، بدون ترتيب، ربما استعاد ذكرى معينة، ثم تناول في الفقرة التي تليها مشهداً سابق تاريخياً عليها. لقد كنت أتوقع – على سبيل المثال – مطالعة فصول مطولة، كما فعل الشاعر الكبير محمد عفيفي مطر في ترجمته الشهيرة لنفسه «أوائل زيارات الدهشة»، التي اتخذت الشكل السيري الروائي، عبر الكشف، البوح، الاعترافات، والاندفاع الإبداعي من خلال الحكي، والتكنيك السردي الكلاسيكي؛ راصداً التحولات الهامة، المؤثرة في مسيرته. أو السيرة الرائعة لرسول حمزاتوف «داغستان بلدي» وسير أخرى لشعراء كبار، كبابلو نيرودا، ورفائيل البرتي «المرج الضائع»، وبوريس باسترناك «الصبا والشباب».. إلخ. تلك الأعمال التي دخلت الأدب من أوسع أبوابه، وصارت تراثاً إنسانياً خالداً.
كنت أحاول تلمس خطى الشاعر في مسقط رأسه بالجنوب اللبناني. أو في بيروت، المدينة الحلم، واستنشاق عبير الدروب الجميلة. لكنه لجأ إلى تكنيك آخر، استلهم كتابة الشذرات على غرار نيتشه، وسيوران، باحثاً عن جوهر الشعر، عن موسيقاه، مفضلاً هذا الشكل خوفا من الترهل، أو الإيغال في الوصف، والاستغراق في أحداث الماضي الواقعية، التي قد تجره إلى اعترافات لا يريد الكشف عنها، أو تبريرها، أو ادعاء الشجاعة بالكتابة عنها. إنها استراحات قصيرة من ضجيج الحياة اللاهثة، إعادة تأمل للأشياء، لا يوجد هنا بطل تراجيدي، أو صراع درامي. إنه راوٍ محايد، يبحث عن ماهية الموسيقى في قلب الكون، يحاول إنقاذ قصيدة التفعيلة من التحطم، ولا أهواء أخرى لديه:
«أنا مفتون بالإيقاع، مريض بالإيقاع، لأن ما يصب في السمع من النظر يحرك أوتار الملكوت، ويجعل كل شيء موسيقى، حتى الكارثة….»
«.. وأنا مفتون بإيقاع الوجود المضطرب»
« أنا مفتون بالإيقاع.
غالباً ما أجوب البلاد، أصغي للشعر والشعراء، وأقرأ دائما ما يؤكد لي صلتي بالحياة».
هكذا، يتتاثر عشقه للشعر، في إلماعات بارقة، تسري عبر الصفحات. هناك أيضاً الإنشاد الصوفي، الرقص في الموالد، مولد السيدة زينب بالقاهرة تحديداً، التمايل النشوان في سرادقات الذكر على موسيقى مدائح آل البيت:
«سأنهض الآن من وهدة مرضي حتى ولو بلا قدمين، وحتى لو على شوك الغضا.
– وبدأت أدور في مكاني وأقول: «في حضرة من أهوى…»
وهكذا من شدة الخوف تأتي الربابة، وهذه المعارك الطويلة يا مولاي تجعل رجلاً مثلي يسأل كيف يعبد ربه؟ يقاتل أم يرقص؟ يرقص أم يموت؟ يلبس مدرعة الجندي ويذهب إلى المعركة أم يلبس مدرعة الدرويش ويرقص في الحضرة»؟
ربما رأى في الرقص حرباً، جهداُ جسدياً لتحرير مناطق في النفس استعمرها الخوف واستولى عليها.
في هذه السيرة الصغيرة، يحتفظ الشاعر بالتأسيس الجمالي، بطريقة مثالية، تضفي على مسعى الكتابة غلالة رقيقة. لا يريد الخوض في الآلام، والخسارات، والأحزان الشخصية.
يقول ريتشارد. ج. لينارد في كتابه «الحياة الأمريكية في السيرة الذاتية.. مرشد وصفي» إن الخطايا الأساسية للسيرة الذاتية بالنسبة للمؤلف هي الكتابة التنميطية، المغالاة في النوادر، إعادة البناء المفصلة والوهمية للمشاهد والحوارات، إقحام الأجزاء غير المفهومة من اليوميات الخاصة، قائمة الأسلاف والآباء في بداية الكتاب، محكيات الرحلات كثيرة التسرع، تمويه الحقيقة. أما الفضائل الأساسية، فهي الحزن، الاعتراف بالأخطاء والكبوات الذاتية، التواصل الانفعالي مع القارىء منذ البداية، التفصيلات الحقيقية، ومميزات العصر والشخصية، وجهة النظر المتماسكة في خدمة الرؤية الجديدة، إطار الإحالات الشخصية في التاريخ، انطباع التطور أو التغيير.
لقد وازن الشاعر بين خطايا السيرة وفضائلها، وإن بدا أنه لم يتخذ هذه النصائح دستوراً ناجزاً للكتابة، انشغل بما يعرفه عن نفسه، عما يتوق إليه، مفضلاً اطلاع قارئه على رؤاه ورؤيته للشعر، مغلقا الدائرة حول هذا الفن الأدبي الرفيع، وفي القلب منه قصيدة التفعيلة الموزونة، كرهان إبداعي يمارسه منذ البدايات، حتى صار واحداً من حراسها، الذين راحوا يتناقصون يوما بعد يوم على نحو حزين.
في سيرته الأولى «كتاب الطواف.. سيرة مزدوجة» والتي صدرت في العام 1987، يبدأ مجلده بقصيدة تلقي الأضواء على داخله بشكل لافت:
الطواف حول المنزل
(1)
تستوقفني أحياناً
وأنا أسرع في خطوي نحو المنزل
أشجار لا أعرفها
تتقوس نحوي بثمار دانية
وتناديني…
أسأل نفسي: هل للأشجار دم فيحن
وللأغصان يد فتلوح إذ تلقي ضوء جبيني؟
(2)
تستوقفني أحياناً وأنا أسعى في البرد القارس
نار تألفني
تتمسح بي كالقطة
أو تتبعني كالكلب إلى سكني
وأنا أتلافاها
وأخبىء وجهي بين يديّ
وأومىء للدار… أجيرينيّ.
إنه يدرك قيمة الكلمات. هناك الكلمات، وهناك ظلالها. المهم هو الظلال، كما كان الشاعر الفرنسي مالارميه يردد.
محمد علي شمس الدين يبحث عن الظلال، يبتعد عن الحكي، والحكاية الكاملة، يلجأ إلى التقطير، وتكثيف المشاهد، يحذف كل ما يحيل الكتاب إلى رواية، أو ترجمة ذاتية لشخص يبحث عن البطولة، فهو لم يقل شيئاً، أو ينزلق إلى بوح اعترافي. ربما تحدث عن الأسرة في صفحات قليلة جداً، يقول في «آخر ماتركته البراري» تحت عنوان «حين انفتح أمامي الجدار»:
«كان أبي قد باع كل شيء في القرية بثمن زهيد، الأرض والمنزل، واحتفظ فقط بصور الموتى المعلقة على الحائط. حين انتقلنا إلى المدينة، نقلها معه وعلقها على الجدار، في الغرفة الوحيدة التي استأجرها في الضواحي مع مطبخ يتسع لطاولة وكرسي. في الظلمة الرقيقة، كانت تنبعث أصوات تأتي من الأزقة، أحيانا تنزل هذه الأصوات من الصور المعلقة، فقد كان باب الغرفة غير محكم الإقفال، وحين تهب ريح شتوية، تدخل من فسوخ الباب والنافذة، فتحرك الصور على الحائط. الظلال كثيرة. أراقبها بطرف عيني».
إنه يتذكر أحد مشاهد الطفولة، لصبي منطوٍ على ذاته، يعيد رسم المشهد، وهو ينظر إلى الأشياء بعمق، لا يريد أن يفتح عدسته على لقطات عامة، بالغة الاتساع. حتى لا تدخل كلماته إلى التيه، ويفقد الخط الذي رسمه لنفسه، مفضلاً اللقطات المقربة، والتركيز على دلالاتها. فهو يدرك حقيقة بلاغة الإيجاز، والعمل تحت مظلة اللغة، وإيحاءاتها، بنظرات مختلفة إلى العالم، تتناول الواقع المعيش على نحو غير نمطي.
يلجأ إلى الفلسفة أحياناً، للابتعاد قليلاً عن النبرة الدينية، التي تسري عبر السطور، وتصبغ كثيراً من الكلمات كشأن بعض مبدعي المذهب الشيعي، الذين يتوارثون الأحزان، جيلاً بعد جيل، ويتعمقون في هذا التراث بشكل واضح. يقول:
«ألجأ إلى جمهورية أفلاطون، أحياناً، أراودها عن نفسها، وأقتنص منها متعاً خاصة، تناسب ذاتي القلقة المتناثرة كحبات القمح. وماكنت أجد متعتي، وأنا بين دفتي الجمهورية، في الاستقرار على معنى بذاته من المعاني، أو مقام أقيم فيه، بمقدار ما كانت تتحقق هذه المتعة ذات اليمين وذات الشمال، فأميل معها مغتبطاً بهذه الأرجوحة، وبهذه الخفة الدهرية من هوس الجدال».
يستفيض قليلاً في هذا النص، باحثاً عن السعادة، عن العدالة، عن الشعر الذي أردف إلى آخر الجمهورية، عن الحب المقترن بالموت. عن الأزمنة، والأمكنة التي تتلاشى.
« آخر ما تركته البراري» تغريدة وداع، لمبدع أحس باقتراب النهاية؛ فأراد أن يعلن عن محبته للشعر، وموسيقى الكلمات، والتناغم الكوني، على نحو هادىء، وبسيط، من أجل ترويض الموت الذي استشعر قدومه، وهو يعمل على هذا الكتاب.

محمد علي شمس الدين: «آخر ما تركته البراري»
دار النهضة العربية، بيروت 2020
99 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية