فتش عن «السكريبت/ سكربت» الذي ظل على حاله، دون أن تمتد له يد بالتحديث المناسب لظروف المرحلة، وهو «سكربت» مكتوب من أيام خالد الذكر «أبو علاء» حسني مبارك!
عند أول معركة بين المقاومة وإسرائيل، وعند أول قصف إسرائيلي لغزة، يضع إعلامي السلطة يده في جيب الجاكت ويسحبه، ويهرول إلى التلفزيون ليقدم برنامجه، أو يحل ضيفاً على برنامج، أو يهرول الى الصحيفة إذا كان كاتباً، وفي «السكريبت» لا بد من شيطنة حماس، ولهذا لم يجدوا مشكلة عند قيام الثورة المصرية، في أن يستدعوا «السكريبت» فتبدو حماس، كما لو أنها من قامت بالثورة، فهي التي اجتاحت الحدود بسيارات الدفع الرباعي، وفتحت السجون، ونشرت الفوضى في ربوع مصر، وهي التي صعدت أعلى البنايات في ميدان التحرير وقامت بالقنص، وهي بطلة موقعة «القلاع» وما أدراك ما موقعة المقلاع، ثم ما أدراك ما موقعة المقلاع!
والبعض، ولأنه انتقل من صفوف المعارضة، التي تم حسابه عليها بالخطأ، إلى جوار السلطة، فاعتبر أن هذا الحضور الجديد، يلزمه استخدام «السكريبت» السلطة، فمد يده في جيب جاكت رجال السلطة السابقة، وكرر الخطاب السلطي نفسه في مثل هذه الأحداث، والقائم على شيطنة حماس، ولأنهم أكثر خفة وانتهازية من الأذرع الإعلامية التقليدية للسلطة، فقد غازلوا تل أبيب بخطابهم هذا، فاحتفت به المنصات الإسرائيلية، وهو الأمر الذي لم يكن قائماً مع رجال السلطة في عهد مبارك، لأن أعينهم كانت على النظام المصري، وربما كان سيزعجهم أن يتداول الإعلام الصهيوني خطابهم.
القصف الإعلامي المصري لحركة حماس وللمقاومة بالجملة، كانت بواعثه داخلية خالصة، ويستهدف تحلل النظام الحاكم من مسؤوليته تجاه أهل غزة، ولأن العدوان الإسرائيلي كان يؤجج مشاعر المصريين، وكانت المعارضة هي من تنحاز لفلسطين، وتتهم النظام بالتقصير وبحصار أهل غزة، فكانت سياسة الشيطنة تمثل ذراع حماية للنظام ودفاعاً عنه، لكن الآن فإلى جانب هؤلاء فإن الذين استولوا على «السكريبت» بحكم مواقعهم أسرفوا في الهجوم، وتجاوزا الخطاب التقليدي، انظر إلى خطاب الإعلاميين المحسوبين على السلطة المصرية وحدها، كتاباً، ومقدمي برامج، وخطاب إبراهيم عيسى مثلاً، سيتبين لك الفارق الهائل، والجرأة منقطعة النظير بقدر تعدد من يستهدف بخطابه!
الحوار مع مبارك
عماد أديب قدم خطاباً متوازناً إلى حد ما، لكن لأسباب تخصه، وبدا مختلفاً عن عيسى، فإنه لم يسرف في القتل، ولهذا لم يستدع «السكريبت» المرحلة السابقة، الذي أراد أن يلتحق بها فكان الموعد قد انتهى، وأراد أن يدخل على الدولة العميقة من القصر الرئاسي، فابتلعته، ولأن الرئيس مبارك كان شأناً خاصاً من الناحية الإعلامية لصفوت الشريف، وما دون ذلك لزكريا عزمي، فقد ظهر أديب في القصر الرئاسي في عملية انزال ولم يدخل البيوت من أبوابها، ليدير حوارات الدعاية التلفزيونية له، ولم يفعل صفوت الشريف سوى أمر واحد ليدمر هذا الحوار متعدد الحلقات ويفرغه من قيمته، على النحو الذي كتبنا عنه في هذه الزاوية وقتئذ، فكان مانشيت «الأهرام» عن أن الرئيس سيفجر مفاجأة وحده كافياً بنسف الحوار. فانتظر الناس المفاجأة، فلما انتهت الحلقات دونها، هتفت الجماهير هتافها المتوارث: «سينما أونطة هاتوا فلوسنا» فمن شاهده كان ينتظر المفاجأة، ولا يشغله شيء آخر، ودون توفر معلومات لي، قلت إنه لا مفاجأة هناك، بل سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، فمبارك على مدى ثلاثين عاماً أثبت لنا أنه ليس رجل مفاجآت!
وعندما استضاف عمرو أديب شقيقه الأكبر عماد لبرنامجه على قناة «أم بي سي مصر» لم يقرأ من «السكريبت» مرحلة مبارك، لكنه أعاد انتاج خطابه هو عن حركة حماس، وإن سعى أن يكون متوازناً، وقد سبق له في عام 2018، أن قال في مقابلة على برنامج في قناة «الحياة» إن القناصة في ثورة يناير/كانون الثاني كانوا من حماس، وأعاد انتاج ذلك في اللقاء الأخير، بأن قال كلنا رأيناهم على أسطح العمارات في ميدان التحرير ضمن القناصة، وأحال الأمر الى شهادة اللواء حسن الرويني، القائد في الجيش، الذي كان موجوداً في الميدان!
ولأني قرأت شهادات القادة العسكريين في زمن الثورة، من أول المشير طنطاوي، فلم يكن فيها شيء من هذا، فالثورة اتهمت وزارة الداخلية بقنص الثوار، ونفت الوزارة أن يكون لديها قناصة، وفي أحد تجليات الثورة، ظهر قناص ينتمي للشرطة، فاقتنص عدداً من المتظاهرين، واقتنصته الكاميرا فلم تنف الوزارة أنه قناص، وفي الأولى والثانية لم يذكر أحد شيئاً عن «قناصة حماس» وغاية ما كتب ضمن الحملة على الرئيس مرسي، أن حماس قادت معركة المقلاع، بأن واجهت الشرطة المصرية في أيام الثورة بالمقلاع، وجاء هذا في جريدة «المصري اليوم» فأضحكت الثكالى، ثم خطت الصحيفة خطوة أخرى بأن قالت إنها تقدمت ببلاغ للنائب العام، لأنها تملك الأدلة والقرائن على معركة المقلاع هذه، ولم نسمع شيئاً بعد ذلك عن مصير هذا البلاغ الخاص بمعركة المقلاع!
الأمر الذي يؤكد أن وجود عناصر حماس في ميدان التحرير، هي حكاية من اختراع عماد أديب لم يسبقه إليها أحد، وقد جاءت شهادة الرويني خلواً من ذلك، فبقي أن يذكر مصدره الذي ضلله، ولا يجوز القول «كلنا شفناهم على أسطح العمارات في ميدان التحرير» لأن أحداً غيره لم يشاهد ذلك، وإعلام مبارك بقيادة الزعيم الخالد عبد اللطيف المناوي، لم يتوصل إلى مثل هذا الاختراع، ولم يكن موضوعاً في المحاكمات، والصحيح وباعتباري شاركت في الثورة منذ يومها الأول، أن هذا الكلام ليس صحيحاً جملة وتفصيلا.
ففي يوم جمعة الغضب 28 يناير/كانون الثاني، كانت الشرطة ترابط في ميدان التحرير في مداخل الميدان، وأعلى البنايات القريبة منه، وكانت من أعلى ومن أسفل تقصفنا بالقنابل المسيلة للدموع، والرصاص المطاطي الآتي من الأمام، وعندما سقط بجواري أحد المتظاهرين في هذا اليوم، كان بطلق ناري من أسفل آتياً من مدخل الميدان، الذي كان يقع بالكامل في قبضة الشرطة التي كانت قبل انهيارها تمثل قوة يعمل لها حساباً، وبعد أن تمكنت الشرطة من اخلاء الميدان تماماً من المتظاهرين بعد يوم حاشد في نهاية يوم 25 يناير/كانون الثاني وبعد منتصف الليل، صار الميدان في قبضتها تماما، وحضور الجيش كان بعد انهيار الشرطة، مساء 28 يناير/كانون الثاني، ولم يكن هناك أحد أعلى البنايات، لا من الشرطة أو من غيرها، والقصف الوحيد بعد دخولنا وانهيار الشرطة كان من اتجاه وزارة الداخلية، وكان بالقنابل المسيلة للدموع، «فمن من كلنا شاف القناصة» و»أين شافهم عماد أديب»؟!
الذراع الإعلامي لنتنياهو
بيد أن ما ذكره عماد في برنامج شقيقه، لا يمثل شيطنة كاملة، كالذي يفعله «بوق» قناة «القاهرة والناس» والتي سألنا المجلس الأعلى للإعلام عن اسم مالكها، ومصدر تمويلها، ولماذا يتم تمكينها من مخالفة القانون، والذي إذا كان جائزاً في الاقطاعيات الإعلامية لـ»لشركة المتحدة» فلا يجوز إذا كان المالك واحداً من آحاد الناس، ولا يمكن الرأي الآخر منها، وهو أمر تنفرد به عن الإعلام الإسرائيلي نفسه، وبعض العسكريين الإسرائيليين وبعض الإعلاميين في المنابر الإسرائيلية يعترفون بهزيمتهم في يوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول، ويتحدثون عن بعض هزائمهم في تحقيق أهداف الحرب، لكن خطاب القناة المذكورة، لم يجعل منها الذراع السياسي لإسرائيل، لكن الذراع السياسي لنتنياهو، الذي يؤكد انتصاره وقدرته الخارقة ويصور هذا الخطاب الجيش الإسرائيلي حتى بعد الهزيمة بأنه لا يقهر، ولا قبل للمقاومة به!
ولهذا كان طبيعياً أن تحتفي المنصات الإسرائيلية بخطاب «القاهرة والناس» وعندما تحول خطيب القناة المذكورة الى مذيع، وجاء بشخص معه ردد نفس الكلام، وعزف نفس اللحن، ويبدو أن عمرو أديب لم يحقق الغرض لشقيقه، فتم استدعاء نفس المطرب ليرقص على ذات ايقاع «القاهرة والناس»!
إن هذا الخطاب، لا يعترف بأن المقاومة حركة تحرر وطني، وأن الأرواح على كثرتها هي فداء للأوطان، وأن مقاومة المحتل هي شرف الإنسان وعزته، وأن مثل هذا المرجف فينا، لو كان إبان الاحتلال الأجنبي لمصر، لكان من جلادي دانشوي، ولكان مثله مثل أمين عثمان، الوزير الذي قال إن بيننا وبين المحتل زواجاً كاثوليكيا، ومثل القاضي الخازندار، الذي كان يجرم أي مقاومة للاحتلال ويحكم على من يحاكم أمامه بالإدانة!
رحم الله أحرار مصر في الثورتين العربية وثورة 1919، ورحم الله أجدادنا في الصعيد، الذين أوقعوا الهزائم بالثورة الفرنسية، ورحم الله شهداء الثورة الجزائرية، وكل الأحرار الذين قاوموا المحتل في طول التاريخ وعرضه!
واللعنة على المعلم يعقوب وذريته!
صحافي من مصر