بعد الأحداث المخالفة للقيم الإنسانية التي تعرض لها سكان غزة في فلسطين من جانب جيش إسرائيل لا يكترث لحياة الأبرياء، من الصعب جداً اعتماد تحليل أكاديمي منصف لكتب موضوعية أنجزها مثقفون رفيعو المستوى حول مواضيع حساسة مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر، بهذه الوقائع المؤلمة من دون ربط ذلك بما حدث ويحدث هناك.
كتاب البروفسور جلبير الأشقر، الذي صدر مؤخراً بعنوان «الحرب الباردة الجديدة» الذي يتطرق إلى دور الولايات المتحدة وروسيا والصين في الحرب الباردة في العالم وفي إيقادها أو إخمادها، يندرج في هذا السياق.
وبالتالي، فمن المفيد التركيز في مراجعة هذا الكتاب الشديد الأهمية بالنسبة للذين يرغبون بمعرفة خلفيات الحرب الروسية ـ الأوكرانية على النواحي الإيجابية فيه (وهي ليست قليلة) خصوصاً بالنسبة لتعرض شعوب ودول لاعتداءات دول أخرى تتجاوز الشرائع الدولية والإنسانية.
في مقدمة هذا الكتاب، يقول مؤلفه: «بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 على برجي نيويورك ووزارة الدفاع (البنتاغون) في واشنطن تصاعدت رغبة القيادة الأمريكية بالانتقام. ووقفت روسيا والصين على الحياد عندما هاجمت القوات العسكرية الأمريكية أفغانستان لإسقاط نظام طالبان. وكان الرئيس الروسي بوتين يمارس قاعدة من قواعد رياضة الجودو التي يتقنها جيداً ويدرك خفايا خططها بحيث يمتنع لاعب الجودو الماهر عن مواجهة خصم أقوى منه ويتركه يمعن في هدر قدراته بانتظار ان تتغير الأمور لمصلحته.
وآنذاك، كان بوتين يمارس غريزة (الجودوكا) آملاً في أن تنغمس أمريكا في مغطس وحل يصعب عليها الخروج منه في وقت يستعيد النظام الروسي خلاله قوته العسكرية تدريجياً بعد نزاله الصعب والمرير مع الشيشان في منطقته الجغرافية والذي كلفه الكثير».
والسؤال يطرح الآن (وطرح سابقا) عندما غزت الولايات المتحدة وحلفاؤها العراق في عام 2003 هل يقف بوتين والصين وحلفاؤهما على حياد مشابه لما حصل سابقاً واضعين الرئيس الأمريكي جو بايدن في مغطس وحل في المستقبل مماثل لما وضع نفسه فيه بتأييده غير المتحفظ لهجمات نظام بنيامين نتنياهو وجيشه المتوحش على غزة والإمعان في قتل الأبرياء والأطفال والسكان العزل وتوريط أمريكا في مجازر جماعية ستتم محاسبتهما عليها لاحقاً من جانب معظم شعوب العالم، على الأرجح؟
روسيا والصين فضلتا في مجلس الأمن عدم استخدام حق الفيتو ضد أمريكا في الماضي بعد أيلول (سبتمبر) 2001 وفي مناسبة أخرى عندما كان يتم إقرار حظر التحليق الجوي فوق ليبيا عام 2011 وتحول ذلك القرار بفعل تحويره وتبديل فحواه إلى السماح بالقصف العسكري في ذلك البلد واغتيال قائده معمر القذافي فيما كان الهدف المعلن منه إنقاذ الأبرياء الليبيين من الانتقام ونقل دفة الحكم من معمر القذافي إلى نجله سيف الإسلام القذافي، حسب ما قال الأشقر في الكتاب.
وفي مقاطع أخرى من هذا الكتاب الغني بالتفاصيل التاريخية المعمقة الواردة فيه، يقول المؤلف إن بوتين بسبب فرديته في السلطة وبراغماتيته (وليس نتيجة لديمقراطيته) غض النظر إلى حد ما عن الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 سعياً منه إلى التقرب من واشنطن وإلى طرح نفسه كطرف أوروبي متعاون مع أوروبا والغرب اقتصادياً، ولكن الفظائع التي ارتكبها الجيشان الأمريكي والبريطاني في العراق آنذاك أضرا بمصالح بلديهما وأفادا خصميهما روسيا والصين وبوتين بشكل خاص.
كما أن نائب الرئيس الأمريكي سابقا والرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن كاد أن يكرر فعلة أمريكا في ليبيا عندما طرح على رئيسه باراك أوباما ضرَب سوريا عسكرياً تحت حجة استخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية ضد معارضيه علماً انه في هذا الموضوع طُرحت تحليلات متناقضة ونظريات مختلفة ومورست تحقيقات غير محسومة النتائج، كما كان الأمر في قضية وجود أسلحة الدمار الشامل في العراق قبل عام 2003 وامكانية استخدامها من قِبل نظام الرئيس صدام حسين السابق. غير ان أوباما أرسل (حسب الكتاب) وزير خارجيته جون كيري الذي عالج أمر الكيميائي السوري مع بوتين وتقرر سحب جميع الأسلحة الكيميائية من سوريا وعدم ضربها عسكرياً ما مهد لتعزيز الدور الروسي في النظام السوري. وهذا أمر لم يحبذه الكاتب أشقر لأنه (خلافاً لما طرحه محللون آخرون) فإن بوتين، برأي المؤلف، لم يكن قائداً روسياً عقائدياً يعيد القيم الماركسية الإيجابية الأخلاقية إلى الحياة الروسية التي اضمحلت في عهد الرئيس بوريس يلتسين والشلة المحيطة به من بناته وأزواجهن والمقربين منهم، بل كان بوتين (برأي الأشقر) أحد أفراد هذه الشلة الفاسدة التي أعادت تضخيم دور التسلح والمؤسسة العسكرية الصناعية المتحكمة بالأمور والمستفيدة منها، وان بوتين خدع يلتسين وقدم إليه الولاء والوعود بالدعم فتم تعيينه رئيساً للوزراء ثم خليفة ليلتسين في الرئاسة ظناً من يلتسين أن بوتين سيكمل عهده وسيغطي ويحمي ويواصل عمليات الفساد الممارسة بكثافة فيه. غير ان بوتين كان (برأي الأشقر) يملك مشاريعه «القيصرية» المهيمنة على البلد بشكل مختلف، ولكن بنفس الانحراف في مجال القيم الأخلاقية.
تحليلات أخرى
بيد أن تحليلات أخرى لموضوع تسلل واختراق بوتين للسلطة الروسية في عهد يلتسين ومن بعده تعيدها إلى تحالفه مع رئيس الوزراء الروسي المخضرم الراحل يفغيني بريماكوف، الذي اعتبرته شعوب ودول عربية صديقاً لها، والذي كان يملك مشروعاً لإيصال وتوسيع نفوذ الدولة الروسية بزخم وقوة نحو ضفاف البحر الأبيض المتوسط. وهذه التحليلات تعتبر بأن بريماكوف كان عرّاب بوتين وانهما عملا سوياً (بخلسة إلى حد ما) في عهد يلتسين لإقصائه بسبب تجاوزاته الفاضحة على الصعيد الشخصي والمالي ولأنه تحول في نهاية عهده إلى مدمن على الكحول (وغيرها) وصار صديقاً لأمريكا وللدول الغربية وقادتها التي استغلت ضعفه الشخصي. وهناك فيديوهات أثبتت أن يلتسين أصبح شبه شخصية كاريكاتورية هزلية في نهاية عهده يروّج لها الغرب الإعلامي بسبب مصلحته في ضعف روسيا سياسياً واقتصادياً، بينما كان بوتين وبريماكوف يعيدان إحياء الاتحاد السوفييتي السابق ومبادئه.
بالنسبة للأشقر (مؤلف الكتاب) فهو يعتبر بوتين من أكبر المتراجعين عن مبادئ القائد الحقيقي للثورة البولشفية (وهو فلاديمير لينين) الذي خلافا لما يظنه الذين لم يقرأوا أهم كتب كارل ماركس «داس كابيتال» والذي التزم به لينين، فالدولة الشيوعية، بنظر لينين، ليست وسواسية في تمسكها بشأن حدودها، وأي دولة تقبع على حدودها فهي لا تعتبرها مصدر خطر عليها ولا أرضاً جغرافية للتوسع ضدها. والبرهان على ذلك ان نيكيتا خروتشيف، الأمين العام للحزب الشيوعي بعد لينين وجوزيف ستالين ومن دون أي تحفظ قرر إعطاء شبه الجزر (على البحر الأسود) التي يتمسك بها بوتين ويشن الحروب بسببها إلى أوكرانيا! كما ساهم خروتشيف بنظر الكتاب في نشوء دولة أوكرانيا، على عكس بوتين الذي يتصرف كقيصر روسي متمسك بكل شبر من الأرض التي يعتبرها الأرض الروسية ويسعى إلى إعادة توسيعها ويأمل (كما يأمل بعض المتحدثين باسمه في الإعلان عنه في الإذاعات الدولية) في عودة الاتحاد السوفييتي السابق حيث كانت أيام العز للـ «كي.جي.بي» الذي كان بوتين وبريماكوف من أبرز أركانها.
ثورات الربيع العربي
ويوضح الأشقر، ان كوندوليزا رايس صدّقت في عام 2008 وعوداً وطروحات لروسيا والصين حول مبادرتهما للتعاون مع أمريكا وعدم رغبتهما في نشوء حرب باردة جديدة.
ولكن، عندما شن بوتين حرباً على جورجيا في عام 2008 وبعدها بست سنوات حرباً على أوكرانيا لأنه اقتنع بانهما يسعيان للانتساب السلبي إلى «الناتو» ولتهديد الأمن الروسي، قرر (حسب الأشقر) تأديبهما، فشن حرباً على جورجيا ثم على أوكرانيا متهماً الغرب بمحاولة محاصرة روسيا عسكريا بواسطة «الناتو» ونشر الأسلحة الخطيرة على حدود بلده وتهديد أمنها.
وينتقد الأشقر اعتبار روسيا بأن «ثورات الربيع العربي» التي انطلقت في تونس ومصر وامتدت إلى بلدان أخرى، بينها سوريا تشكل مشاريع نظمتها السلطة الأمريكية لأضعاف الوجود والنفوذ الروسي في المنطقة.
غير ان بوتين ظل متحفظاً (برأي الكاتب) إلى ان انتقلت هذه الانتفاضات إلى أوكرانيا ومن ثم إلى الساحات الرئيسية في روسيا.
ولولا هذه الحملة التي شنتها أمريكا وحلفاؤها ضد روسيا لربما استمر بوتين في السعي (عبر قادة أوروبيين) للتعامل معهم بنجاح وإلى توثيق العلاقة الاقتصادية مع أوروبا. وفي طليعة هؤلاء القادة كانت المستشارة الألمانية انغيلا ميركل والمشروع الأوروبي.
وفي النهاية، إلى ماذا يدعو المؤلف؟ فهل هو يلوم أوباما لأنه لم يضرب سوريا عسكرياً بناء لنصائح نائب رئيسه آنذاك جو بايدن الذي يشهد حالياً العالم العربي إلى ماذا أوصل بايدن ونتنياهو الشعب الفلسطيني، وهل يعارض الأشقر ان يتمكن بوتين من التوصل إلى ترميم التعاون الروسي ـ الصيني مع العالم الغربي وأمريكا اقتصادياً وسياسياً؟
المؤلف يطرح أفكاراً هامة وإنسانية وأخلاقية ومنها أن الغرب بحاجة دائماً إلى وجود أعداء خبثاء له ليهيّج شعبه ضدهم.
وحالياً العدو الخبيث هو بوتين وحليفته الصين. وهذا هو الموديل الرائج في الإعلام الغربي والإعلام المؤيد لإسرائيل في العالم. العدو برأي هؤلاء هو ما قامت به المقاومة الفلسطينية في التهجم على المستوطنات (غير الشرعية) الفلسطينية التي أعادوا تسميتها «الكيبوتز» مع ان سكانها مسلحون ويسرقون الأراضي ويهدمون البيوت ويقتلون الأبرياء.
كل ذلك لا ينفي ان كتاب الأشقر كتاب أكاديمي رفيع المستوى وأن له الحق كسائر المثقفين في العالم في طرح أفكارهم المفيدة للأجيال المقبلة وخصوصاً عندما يتطرق للمواقف المتبدلة لبوتين في الحقب المختلفة لرئاسته روسيا.
ويشمل الكتاب معلومات وافرة عن علاقة عمليات التمويل الضخم للتسلح في أمريكا وروسيا وتأثيره على التطورات السياسية والأمنية والاقتصادية في العالم ترتبط في موضوع الكتاب وهو الحرب الباردة الجديدة. وهذه المعلومات القيمة تتطلب مراجعة في حد ذاتها، خصوصاً ذات طابع اقتصادي.
إلا ان خلاصة الكتاب ترتبط إلى درجة أكبر في بعض مقاطعها بهذه المراجعة الواردة هنا حيث يقول الأشقر: إن قضية تعزيز تسليح «منظمة حلف شمالي الأطلسي» (الناتو) اختلفت أهميتها في عهود رؤساء أمريكا في العقود الماضية، فقد سعى جورج بوش الابن إلى تعزيز هذه المنظمة واستخدامها ضد الذين اعتبرهم خصوم أمريكا، وجاء من بعده باراك أوباما ليخفف من التركيز على هذا التوجه ويفتح مبادرات التفاهم مع روسيا في السياسة الدولية عموماً وإلى حد ما في سياسة الشرق الأوسط. أما دونالد ترامب فاعتبر بأن المنظمة ليست فاعلة بما فيه الكفاية والمطلوب تمويل أكبر لها من الدول الأوروبية إلى جانب تمويلها الأمريكي الضخم، علماً ان ترامب كان (وما يزال) على علاقة جيدة ببوتين ولكنه يرى الخطر الأكبر من الصين وحلفاء الصين في شرقي آسيا.
الرئيس جو بايدن، الذي ظهر في الأيام الأولى لرئاسته على أنه سيكمل سياسة الرئيس السابق أوباما، الذي ساهم في دعمه بين المرشحين للحزب الديمقراطي على الرئاسة، ورجّح كفته على حساب بيرني ساندرز واليزابيت وارين وغيرهما، يبدو وكأنه عاد إلى صقوريته وميوله غير المتحفظة لدعم الخيارات والتحديات العسكرية والحروب ضد مَن يعتبرهم خصوم أمريكا الذين أصبحوا أقوى الآن مما كانوا عليه في العهود السابقة، فقام بفتح جبهات مختلفة في العالم جارا لتحت مظلته التصعيدية حلفاء أمريكا الأوروبيين (ربما رغما عنهم).
وبالتالي، قد تُطرح بعض التساؤلات حول حظوظه في الفوز في الانتخابات الرئاسية الأمريكية نهاية عام 2024.
Gilbert Achcar: “The New Cold War”
The Westbourne Press, London 2023
356 Pages.