«يجب أن تستمر الحياة حتى وأنت تموت»، هكذا باتت قناعة الفلسطينيين مع استمرار وحشية آلة القتل على قطاع غزة والتي امتدت لتشمل مناطق الضفة الغربية، ليستمر حصد الأرواح في ظل صيحات من بعيد لايقاف المجازر، بعضها رفعاً للعتب، وأخرى خانعة مع كلمات «ما في اليد حيلة»!
لكن في خضم هذا القتل، كانت هناك بوادر حياة لفلسطينيين، في ملاعب كرة القدم، رغم فقدان رمزية معنى «الجهاد»، من جهة القتال او الصمود أو حتى الاستشهاد، لكن شبان المنتخب الفلسطيني قاموا بما عليهم أن يفعلوه، في هذا التوقيت الصعب، وهو تمثيل اسم فلسطين في مباراة ضمن تصفيات أهم بطولة رياضية على الاطلاق، نهائيات كأس العالم، حيث تعادل يوم الخميس الماضي مع منتخب لبنان الجريح. وارتدى لاعبو المنتخب الفلسطيني كوفيّات بلادهم التقليدية خلال أداء النشيد الوطني، قبل المباراة التي أقيمت في الشارقة التي اختارها لبنان أرضاً بيتية له، بغياب الجمهور بسبب عقوبة الفيفا على «رجال الأرز»، فتواجد 200 مشجع فقط للمنتخب الضيف فلسطين بحسب اللوائح، لكن تفاعلهم كان جيداً وألهب «حماس» لاعبي «الفدائي».
رغم رمزية هذه المباراة في ظل معاناة لا توصف لأهالي قطاع غزة، فان ممثلاً لهذه الأمة الرافضة للموت والاستسلام ما زال يعمل ويقاوم، بل كان على مدى سنوات مثالاً للصمود والتحدي في ظل الكثير من العراقيل التي واجهها اللاعبون أو الاتحاد الفلسطيني، لكن أيضاً مثلما هي قذارة السياسة، فان مسؤولي الفيفا يغضون الطرف دائما عن الكيان الصهيوني، حيث أجل مباريات منتخبه ضمن تصفيات يورو 2024، بل أعيد موعد اقامتها في دول أوروبية في أوقات ملائمة، بدل الضغط والعمل على معاقبة الاتحاد الاسرائيلي وتجميد نشاط منتخبه وكل فرقه المشاركة في المنافسات الاوروبية، بل توسيع ذلك لشمل كل الرياضات التي يشارك فيها ممثلو هذا الكيان، تماماً على غرار ما فعلته الاتحادات الرياضية الدولية بالفرق والمنتخبات الروسية، حتى قبل عدوانها على أوكرانيا، وفقط لاتهامها بالتنشط. طبعا الكيان الصهيوني لا تكرهه أمريكا والدول الغربية، مثلما تفعل مع روسيا، فلذلك لا عقوبة ستطاله ولا توبيخ سيردعه، ولا هذا القتل الهمجي غير المسبوق في العصر الحديث، سيعتبر خطاً أحمر لدى الاتحادات الرياضية العالمية.
الرياضة الفلسطينية عانت على مدى سنوات طويلة من القمع الصهيوني، اما بالتضييق او الخناق او وضع العراقيل على تنقل أفراد فرقها، او حتى بقصف المراكز والملاعب، فمثلاً في مايو/أيار 2014، حقق منتخب فلسطين لقب كأس التحدي الآسيوي، ليتأهل إلى كأس أمم آسيا للمرة الأولى في تاريخه، وهو أكبر إنجاز في تاريخ الكرة الفلسطينية. وقتها لم يتقبل الاحتلال رؤية ذلك فشن غارات عنيفة بعدها بشهرين فقط على المنشآت الرياضية، واستهدف الرياضيين ليقتل منهم أكثر من 20، فضلا عن تدمير المنشآت والبنية التحتية في غزة التي كان سكانها يكافحون لبنائها منذ سنوات. أحد أبرز شهداء ذلك القصف كان عاهد زقوت، لاعب منتخب فلسطين السابق، الذي استشهد في غارة استهدفت منزله الذي يحتوي على العديد من الكؤوس والجوائز الخاصة به. المثير للاهتمام هو النشاط الذي كان يمارسه زقوت في ذلك الوقت، إذ إنه من بين أبرز الأسماء في كرة القدم الفلسطينية، ولكن الأهم أنه بعد اعتزاله اتجه إلى التدريب وساهم في إنشاء العديد من المدارس الكروية، وهو ما جدد الأمل في أن كرة القدم الفلسطينية يمكنها أن تقاوم. ولطالما تعذر على المنتخب الفلسطيني جمع أفضل لاعبيه، من القطاع والضفة، ومن النوادر ان ينجح أفضل لاعبيه في المشاركة معاً في معسكر خارجي، او في بطولة دولية، بسبب منع الاحتلال في منح تأشيرات خروج او دخول للاعبين، ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2006، حرم جميع اللاعبين من الحصول على تأشيرات خروج للمشاركة في المباراة الاخيرة لتصفيات كأس أمم آسيا 2007. وبعدها بعام تكرر الأمر ذاته قبل مباراة مهمة في تصفيات كأس العالم 2010 أمام سنغافورة، فألغى الاتحاد الآسيوي والفيفا المباراة واعتبر المنتخب الفلسطيني خاسراً 0-3 بالانسحاب. وفي 2008 منع كامل أعضاء المنتخب من السفر للمشاركة في كأس التحدي. وفي 2011 وبعد خوض مباراة ضد تايلند في بانكوك وفي طريق العودة منع نجما الفريق محمد سمارا وماجد ابو سيدو من الدخول. وهناك العشرات من لاعبي كرة القدم قتلوا على يدي قوات الاحتلال على مر السنوات، بينهم ايمن الكرد وشادي سباخ ووجيه مشتهي، بل بعدها صار الاحتلال يتعمد اصابة اللاعبين في ركبهم وأرجلهم لضمان عدم تعافيهم واستئنافهم لمسيراتهم، كما اعتقل المئات من اللاعبين، فقط لحرمان المنتخب من نجومه، لتظل معاناة الكرة الفلسطينية أزلية وأبدية.
عاجلاً أو آجلا، ستتوقف الابادة الحاصلة حالياً، وستهدأ الأمور، وسيصرخ الجميع بشعارات «الحرية لفلسطين» و«الحياة من حق الجميع» في كل مدن العالم، وقد تكون الأعلى صوتاً في تاريخها، لكن في النهاية سيكون هناك من يهمس «الحصانة لاسرائيل»، لنتيقن أن المشكلة ليست في احتلال واحد فحسب.