أكثر من 60 عملا في دورة خاصة من «أيام قرطاج المسرحية» تعانق فلسطين

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: تختتم اليوم الأحد فعاليات الدورة الـ24 من أيام قرطاج المسرحية الذي يصادف هذا العام عيده الأربعين، وتمكن خلال كل هذه الأعوام من ترك بصمته كأحد أعرق وأقدم مهرجانات المسرح في المنطقة. وقد تواصل طيلة الأسبوع الماضي بعد أن مكّن أحباء المسرح في تونس من عدد هام من العروض المسرحية الهادفة التي تم انتقاؤها بدقة للمشاركة في هذا المهرجان العريق. وقد مثل المهرجان فرصة جيدة لعشاق الفن الرابع للاطلاع على جزء من آخر إنتاجات المسرح التونسي والعالمي في أجواء طغى عليها البعد التضامني مع القضية الفلسطينية التي ألقت بظلالها على هذه الدورة فبدت دورة فلسطينية بامتياز.
لقد زينت ”الكوفية الفلسطينية” ثياب الحاضرين في الافتتاح وقرأت الفنانة اللبنانية الملتزمة حنان الحاج علي نصّا للشاعر الفلسطيني حيدر الغزالي بعنوان “هنا غزة” وقرأ المسرحي التونسي رؤوف بن عمر قصيدة “أيها المارون بين الكلمات العابرة” لمحمود درويش تحية إلى فلسطين وشعبها المقاوم. وكانت هذه الدورة التي افتتحت يوم السبت 2 كانون الأول/ديسمبر قد رفعت شعار “بالمسرح نحيا… بالفن نقاوم” دعما لفلسطين وذلك بحضور مسرحيين من 28 دولة وسفراء لدول أجنبية معتمدين بتونس، وقد تزامنت هذه الدورة مع الذكرى 40 لانبعاث المهرجان وتأسيس المسرح الوطني التونسي.

اعتراف بالجميل

كما تضمن الافتتاح فقرات موسيقية مع الفنانة السورية الملتزمة لين أديب ومجموعتها وتم تكريم عدد من صناع المسرح في تونس من بينهم وزير الشؤون الثقافية الأسبق والأستاذ المسرحي عبد الرؤوف الباسطي والممثلة المسرحية ناجية الورغي والممثل والمخرج المسرحي حسين محنوش. كما تم تكريم المسرحيين اللبنانيين روجيه عساف وحنان الحاج علي والإعلامية المصرية هالة سرحان، والفنانين المسرحيين الإيرانيين أمين زندكاني وإلهام إينالي حميدي والفنان العرائسي المالي يايا كوليبالي. كما كرمت الدورة 24 من أيام قرطاج المسرحية، مسرحيين تونسيين فارقوا الحياة لكنهم رسخوا في ذاكرة الفن الرابع وهم الفنان عبد الغني بن طارة والفنان محمد كدوس والفنانة ريم الحمروني والعرائسي الأسعد محواشي.
وقد سبق الافتتاح الرسمي عرض ”فينال” من إسبانيا الذي أقيم على واجهة المسرح البلدي بشارع الحبيب بورقيبة بقلب العاصمة، وتشكل العرض من راقصتي باليه قدمتا حركات استعراضية وهما مشدودتان بحبلين وتقفان على واجهة مبنى المسرح. وكأن قوانين الفيزياء تغيرت فأصبحت الجاذبية في واجهة المسرح في مشهد غريب جعل رواد الشارع الرئيسي للعاصمة يتجمهرون حوله لمشاهدة ما يمكن تسميته بـ “الرقص الكلاسيكي على الواجهات”.

أعمال عديدة

شهدت هذه الدورة من أيام قرطاج المسرحية عرض أكثر من 60 عملا من بلدان تنتمي إلى مختلف القارات وخصوصا أفريقيا وآسيا حيث بلدان العالم العربي، وتوزعت العروض على مجموعة من الأقسام حيث تتضمن المسابقة الرسمية 11 عرضا، والعروض الموازية 24 عرضا، ومسرح العالم 18 عرضا، وتعبيرات مسرحية في المهجر 4 عروض. ويتنافس على الجوائز 11 عملاً مسرحياً من تونس والكويت والأردن والمغرب ومصر وسوريا والإمارات والعراق والجزائر وساحل العاج.
ومن بين عروض المهرجان “كتاب الأدغال” للمخرج روبرت ويلسون من فرنسا، و”تراب الجنون” للمخرج حسن مختار من الجزائر، و”بلا عنوان” للمخرج روميو كاستيلوتشي من إيطاليا، و”حلمت بيك لبارح” لإبراهيم جمعة من تونس، و”الخنزير” لسيد ماجد السيهاني من السعودية، و”ذا هوي” لعلي شحرور من لبنان، و”الأشجار ترقص أحيانا” لأسامة جلال من لبنان وسوريا، و”آخر البحر” للمخرج الفاضل الجعايبي من تونس، و”رهاب” لمؤيد الغزواني من تونس، و”اليوم تسأل” لسامي جويني من تونس. ويضم محور برنامج مسرح العالم عدة عروض منها “أفريكان بارتي” من إسبانيا، و”هذه سلام” من فنزويلا، و”كلاش ديجيتال” من سويسرا، و”ما زالت في طنجة” و”أنا ممنوع من السفر” من النمسا و”بلا دولة” من البرازيل و”المدينة العالمية” من إيطاليا و”دراكولا” من النرويج و”الدب” من روسيا، وغيرها.

عروض عالمية

كانت البداية مع عرض “كتاب الأدغال” للمخرج العالمي الشهير روبرت ويلسون وذلك في قاعة الأوبرا بمدينة الثقافة، حيث قدّم المخرج المسرحي الأمريكي روبرت ويلسون المعروف أيضا ببوب ويلسون العرض الأول عربيا وأفريقيا لمسرحيته “كتاب الأدغال” وهو عمل من إنتاج مسرح مدينة باريس. وأعاد ويلسون في هذا العرض المسرحي تصفح المجموعة القصصيّة “كتاب الأدغال” التي ألفها الكاتب البريطاني رديارد كيبلينغ وتتعلق بمغامرات الفتى “ماوكلي” صحبة رفاقه الحيوانات في الغابة المنعزلة كثيفة الأشجار حيث صراع الخير والشر.
كما عالجت المسرحية المخاطر التي تتهدد الطبيعة وخاصة الغابات التي تعتبر رئة الكرة الأرضية وهي المهددة اليوم بالاندثار بسبب مافيات تجارة الخشب وبسبب التغيرات المناخية وانبعاث الغازات السامة والاحتباس الحراري وندرة الأمطار. فهذه الغابات هي التي تزود الكوكب الأزرق بالأكسجين والهواء النقي وهي التي تحفظ الكائنات الحية من نبات وحيوان من الاندثار حيث تتكاثر داخلها في محيط طبيعي يحافظ على التوازن البيئي والسلسلة الغذائية.
وقد جمع هذا العرض العالمي الاستثنائي بين الكوريغرافيا المتقنة باحترافية استثنائية، والغناء والألحان الشجية فكان رائعا بكل ما للكلمة من معنى أذهل الحضور من جمهور أيام قرطاج المسرحية والذي كان من مختلف الأعمار. فهناك شبه إجماع على أن هذا العرض كان الأفضل من الناحية التقنية بما تضمنه من عناصر أضفت عليه صبغة جمالية افتقدتها عديد العروض الأخرى التي حاولت تعويض ضعف هذا الجانب بالسيناريو الجيد وحسن أداء الممثلين على الركح. ومن العروض التي نالت إعجاب جمهور أيام قرطاج المسرحية عرض “بأم عيني 1048” للمسرحي الفلسطيني غنام غنام، والمسرحية من تأليفه وإخراجه، ويهتم العرض بالقضية الفلسطينية من خلال توثيق مسرحي لزيارة “غير معلنة” للأراضي الفلسطينية سنة 1948 قام بها غنام سنة 2017. لقد وثق صاحب العمل المعاناة اليومية للفلسطينيين وانتصارهم على عدو أحاط بهم من كل جانب، كما وثق مسرحيا زيارة للبيت الذي ولد فيه غسان كنفاني سنة 1936 وتم تهجيره منه سنة 1948 وما زال إلى اليوم يسمى بيت غسان.

دورة ناجحة

كانت دورة هذا العام من مهرجان أيام قرطاج المسرحية ناجحة بكل المقاييس وفية لعراقته وعراقة الأرض التي يقام عليها والحضارة التي يعتبر امتدادا لها وذلك رغم الظروف الاستثنائية. فقرطاج المسرحي خلق للقضايا العادلة ومن أجل القضايا العادلة وهو خير نصير فني للقضية الفلسطينية وأثبت ذلك على الدوام منذ النشأة الأولى. كما مثل مناسبة لاطلاع جمهور المسرح في تونس على تجارب مسرحية جديدة من مختلف أنحاء العالم ومثل فرصة للتلاقي بين المسرحيين لتبادل الخبرات وربما للتأسيس لإنتاجات مشتركة. وقد أكد معز المرابط، مدير المهرجان في كلمته الافتتاحية أن أيام قرطاج المسرحية نحتت على امتداد دوراتها السابقة ملحمة فنية تزخر بالمسرح في أرقى تجلياته وفي مختلف أبعاده وجمالياته، مضيفا أن هذه التظاهرة لطالما مثّلت موعدا إقليميا وعالميا بارزا لاستكشاف تجارب الفن الرابع وخاصة منها التجارب العربية الأفريقية التي تمثل جزءا لا يتجزأ من الهوية التونسية. وأفاد المرابط أيضا أن دورة هذا العام تختلف في أجوائها عن الدورات السابقة إذ يمتزج الفخر ببلوغ مرتبة النضج والاكتمال، بمشاعر الألم والغضب والقلق والانشغال، لا سيما وأنها دورة تحتفي بمرور 40 سنة على تأسيسها لكنها تتزامن مع عدوان الاحتلال الإسرائيلي على غزة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية