سمير ناصيف
إحدى القضايا الرئيسية التي يعالجها علم الاجتماع السياسي هي قضية انتقال المجتمعات والأنظمة السياسية من الطور التقليدي إلى أطوار أخرى متقدمة بالوسائل السلمية، وليس فقط عن طريق الحروب والأزمات المصيرية الخطيرة والثورات الدموية.
لعل أفضل مَن تطرق إلى هذا الموضوع بين المفكرين الكبار في علم الاجتماع كان الكاتب الألماني ماكس فيبر عندما طرح مفهوم “القائد الكاريزماتي” ودوره في تحقيق التبديل الاجتماعي والسياسي الجذري في بلد أو منطقة أو حتى في قارة من قارات العالم.
وقد استند عدد كبير من الباحثين والكتّاب والاختصاصيين في العالم في هذا الحقل إلى مفهوم “القائد الكاريزماتي” ونظريات ومفاهيم ماكس فيبر الأخرى في معالجة قضايا بلدانهم ومجتمعاتهم.
وبين هؤلاء، الكاتبة والباحثة اللبنانية حياة الحريري في دراسة أجرتها حول دور رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري في تطوير النظام اللبناني السياسي والاجتماعي عبر شخصيته الكاريزماتية ومبادراته في المشاريع الخيرية قبل أن يصبح رئيساً للحكومة وذلك بين عامي 1979 و1990. هذا الأمر أثر على تطور لبنان منذ مطلع التسعينيات من القرن الماضي وحتى اغتيال الحريري في عام 2005 أي بعدما أصبح رئيساً للحكومة والرجل الأقوى في لبنان بنظر الكثيرين.
عنوان الكتاب، الذي استندت فيه الكاتبة على أطروحة قدمتها في أواخر عام 2022 ونالت بفضلها شهادة دكتوراه دولة من جامعة القديس يوسف في لبنان، هو “القيادة السنية في لبنان، بروز رفيق الحريري” وقد تناولت فيه أوضاع الطائفة السنية المسلمة في لبنان قبل نيل لبنان استقلاله وبعده ودور قيادات تلك الطائفة التي كانت وما زالت تمثل أبناءها في الحكومة ومجلس النواب، بالإضافة إلى تطرقها لأدوار العائلات التي كانت قادرة مالياً وفاعلة اجتماعياً في محور تلك الطائفة قبل الحريري وخصوصاً في مدينة صيدا الجنوبية التي ولد ونشأ رفيق الحريري فيها وكيفية تعامله مع قادة العائلات النافذة وهو آتٍ من عائلة متواضعة اجتماعياً ومادياً نسبياً وبعدما أصبح لاحقاً أحد أغنى رجال الأعمال في العالم العربي إثر سفره وعمله في حقل البناء والإنشاءات في المملكة العربية السعودية حيث حظي بدعم شخصيات نافذة سياسياً واقتصادياً حاكمة هناك.
كما يتطرق الكتاب إلى الصعود التدريجي للحريري إلى الواجهة السياسية والاجتماعية في صيدا، وبعد ذلك في بيروت العاصمة، عن طريق استخدام ثروته في المشاريع الخيرية والمبادرات الاجتماعية والتعليمية، وكيف نجح في انتشال مدينته صيدا ولبنان في مطلع ثمانينيات القرن الماضي من حالة الخراب التي أحدثها الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 عبر “مؤسسة الحريري” التي أنشأها في هذا المجال بدعم من السعودية.
كما يشير الكتاب إلى علاقات رفيق الحريري الدولية المثمرة وخصوصاً مع فرنسا في ظل قيادة الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك، الذي أصبح صديقاً وشريكاً للحريري سياسياً واقتصادياً.
ومن الأمور الأخرى التي تتناولها المؤلفة كانت مشاركة الحريري في وضع وتحقيق (اتفاق الطائف) في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، ذلك الاتفاق الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية التي بدأت في عام 1975 وهدأت في عام 1990.
لعل الكثير من هذه الأمور عن الحريري الراحل كُتب عنها ويعرفها الكثيرون ولكن هناك منحى في شخصية رفيق الحريري لا يعرف تفاصيله الدقيقة إلا قلة من المقربين منه أو الذين قاموا بدراسات وأبحاث حوله وهو انه وفي شبابه كان ينتمي إلى “حركة القوميين العرب” وانه تأثر كثيراً بالمقاومة الفلسطينية ضد إسرائيل وبمواقف الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر قبل وبعد سفره للعمل في المملكة العربية السعودية.
فتؤكد الكاتبة أن رفيق الحريري الشاب كان عضواً فعالاً في “حركة القوميين العرب” وانه نظم وشارك في تظاهرات واضرابات وتحركات شعبية ضد عمليات إسرائيل العسكرية في لبنان، وانه تعاطف مع ثورة القائد الصيداوي العروبي الثائر (الشهيد) معروف سعد في ثورة لبنان ضد النظام الحاكم والتي تابعها نجلاه مصطفى ثم أسامة سعد برغم بعض خلافاته معهما لاحقاً.
ولم يقتصر دور رفيق الحريري في شبابه على التظاهر أو الكتابة في الصحف المعارضة بل تم تدريبه عسكرياً من جانب الجناح العسكري السري في “حركة القوميين العرب” وقام بعمليات مقاومة بالتنسيق مع قادة هذه المقاومة، وبينهم القائدان الفلسطينيان جورج حبش ووديع حداد. (ص130 ـ 131).
وقد استمر رفيق الحريري في اتصالاته مع القادة القوميين العرب (حبش وحداد وغيرهما) من مرحلة الستينيات إلى الثمانينيات حتى خلال تحوله إلى رجل أعمال ثري ناجح في السعودية، وكان في الوقت نفسه يتابع ممارسة أعماله الخيرية والتنموية في صيدا. وتشير الكاتبة إلى أنه وفي إحدى المراحل وعندما انطلقت مواجهات بين مجموعات صيداوية جنوبية مسلمة ضد ميليشيات مسيحية مقربة من إسرائيل في منطقة شرقي صيدا في عام 1985 كان الحريري يمول بعض عمليات شراء الأسلحة للمقاومين الصيداويين ضد تلك الميليشيات التي كانت تحاول بسط هيمنتها على أراض في تلك المنطقة كان الحريري ينوي إنشاء مشاريع تنموية فيها. (ص 137).
أما النقطة ذات الأهمية من الناحية النظرية الفكرية في علم الاجتماع التي تناولتها المؤلفة فظهرت عندما وصفت تعامل القائد الكاريزماتي الحريري مع الزعماء التقليديين في بلدته صيدا وخصوصاً مع الصيداويين المنتمين سياسياً واجتماعياً إلى عائلة آل البزري من الطبقة المرتاحة نسبياً اجتماعياً ومالياً من جهة، والمجموعات الأخرى المنتمية إلى عائلة آل سعد التي كانت تناصرها الفئات والعائلات ذات الدخل المحدود والانتماء الأيديولوجي عموماً لليسار. فمع أنه كان من الأسهل على الحريري استقطاب مؤيدي آل البزري عن طريق دعم المشاريع الاقتصادية التجارية والعمرانية والطبية والتعليمية التي يعملون فيها فإنه لم يبخل في تقديم الأموال وتوفير القدرة على دخول المؤسسات التعليمية والاستشفاء في مستشفيات جيدة لمؤيدي آل سعد، حتى ان الحريري تكفّل بتقديم المال لتغطية نقل مصطفى معروف سعد إلى الخارج للمعالجة بعد تعرضه لعملية محاولة اغتيال نظمتها إسرائيل ضده وفقد بنتيجتها نظره وبترت أصابع إحدى يديه وذلك في كانون الثاني (يناير) عام 1985.
وبما أن المؤلفة استخدمت منهج المقابلات الشخصية مع الباقين على قيد الحياة بين زعماء صيدا من العائلات الكبيرة كآل البزري وآل سعد وآل حريري وغيرهم بالإضافة إلى مناهج بحث أخرى فإن أحدهم وهو النائب الحالي الدكتور عبد الرحمن نزيه البزري أبلغها بأن “رفيق الحريري نجح في استقطاب والدي واختراق المنظومة السياسية في صيدا عبر أعماله الترميمية بعد الغزو الإسرائيلي وعبر تعزيز دور بلدية صيدا ومقدرتها على القيام بعمليات تنموية، وبدأ بتوزيع الأموال للمحتاجين بدعم من أمواله الخاصة ومن المملكة العربية السعودية”. وقال لها بالتحديد إن والده الوزير الراحل الدكتور نزيه البزري عبّر إليه عن رأيه في هذا المجال قائلاً: “علينا ألا نتعامل مع رفيق الحريري كخصم بل كشخص اكتسبته مدينتنا”. (ص 150).
ومن جهة أخرى، تعرضت عملية جذب الحريري لمصطفى معروف سعد نحو الحريري لتعقيدات حسب قول المؤلفة، فصار الحريري يحاول استمالة بعض مؤيدي سعد في بلدية صيدا بتقديم الخدمات الخاصة والحوافز لهم مباشرة مما أغضب سعد.
وبرأي شقيق الراحل مصطفى معروف سعد، النائب الحالي عن صيدا أسامة سعد (حسب قوله للمؤلفة) فإن شقيقه مصطفى كان ممتناً للحريري على مساعدته في العلاج في الخارج، ولكنه استمر في موقفه المعارض له سياسياً وعلى الصعيد الداخلي في صيدا لأسباب عديدة، والسبب الأساسي كان خلافهما حول طبيعة تكوين الحركة المسلحة المناوئة (آنذاك) للميليشيات المقربة من إسرائيل في معارك شرقي صيدا في مطلع الثمانينيات، فكان رفيق الحريري يفضل ان تكون أكثرية أعضائها من أبناء طائفة واحدة مسلمة فيما أراد مصطفى سعد ضم إليها طوائف متعددة ومن مؤيدي الحركة الوطنية اللبنانية. وهذا الخلاف استمر لاحقاً بحيث اتهم رفيق الحريري بانه يُنفذ مصالح إقليمية محددة فيما كان مصطفى سعد مقرباً من جهات إقليمية وأيديولوجية أخرى في توجهها العروبي.
وبالنسبة لتعامل الحريري كقائد كاريزماتي مع زعماء بيروت، تقول المؤلفة إنه واجه في البداية معارضة من الساسة التقليديين في العاصمة اللبنانية ومن بعض العائلات التي اعتادت على احتلال المناصب القيادية المخصصة للطائفة المسلمة السنية. فلعب الحريري اللعبة السياسية المحنكة للدخول في المعترك البيروتي الزعائمي في مسارات عديدة أهمها إطلاقه مشاريع تمويل تعليم أبناء بيروت ودعم تخصص بعضهم في الخارج عن طريق مؤسسة الحريري وتقوية دور مفتي الجمهورية السني في اختيار الممثلين المرشحين لرئاسة الوزراء والتنسيق في ذلك بشكل رئيسي مع جهة عربية محددة بالإضافة إلى تعزيز دور مؤسسة المقاصد الخيرية الإسلامية والتحالف مع الزعيم السني البيروتي صائب سلام في هذا المجال وغيره، علماً أن سلام كان الزعيم البيروتي الأقوى في المجال السياسي والاجتماعي إلى جانب الدكتور عبد الله اليافي والرئيس حسين العويني في تلك الفترة.
بالنسبة لعائلة آل صلح التي أنجبت أول رئيس لحكومة لبنان بعد الاستقلال وهو رياض الصلح الذي ينحدر من أصل صيداوي، فإن دورها كان أقوى في عهدي الرئيس بشارة الخوري وكميل شمعون. أما زعامة طرابلس فكانت في يد آل كرامي وخصوصاً الرئيس عبد الحميد ونجلاه الرئيسان رشيد كرامي وعمر كرامي، وبالتالي، فإن الحريري لم يتجه للمواجهة مع تلك العائلة بل تركزت جهوده على التنسيق مع صائب سلام (حسب المؤلفة) والإشارة في معظم الأوقات إلى انه يسعى إلى العمل الخيري والتنموي، وليس هدفه الوصول إلى القيادة السياسية على الرغم من انه وفي شبابه أظهر شغفاً والتزاماً بالسياسة والمبادئ السياسية القومية العربية.
وفي خلاصة الكتاب، تؤكد الكاتبة أن رفيق الحريري أدرك أهمية وصول قائد كاريزماتي في لبنان للحكومة ليملأ الفراغ الذي تركه غياب الرئيس جمال عبد الناصر بعد وفاته ومن بعده قادة عرب مسلمين آخرين، فركب الموجة السياسية بنجاح ووصل إلى موقع استطاع من خلاله الدفاع عن القضايا التي كان يؤمن بها منذ شبابه. ولكن بدلاً من اعتماده المواجهة السلبية مع الأنظمة الخليجية العربية المحافظة، فعل العكس، إذ اعتمد على دعم الدول العربية الخليجية له بالإضافة إلى حصوله أيضاً على دعم قادة العالم الغربي الفاعلين. كما تهادن مع القادة العرب الآخرين في سوريا والعراق وغيرها، ولكن بعض القادة العرب وأزلامهم الذين أتوا إلى السلطة بواسطة الانقلابات، قلقوا من توسع دوره وحجمه بعد قيادته الحكومة في لبنان، كما خشيت إسرائيل توسع دوره ونفوذه في العالم وتأثيره على القرارات السياسية المصيرية فتقرر التخلص منه ومن مشروعه التنموي والسياسي في لبنان الذي كانت إحدى نتائجه شرعنة المقاومة ضد إسرائيل وامكانية انطلاقها من لبنان التي أقرت دولياً في عام 1996 في قرار أممي.
Hayat EL Hariri: ‘The Sunni Leadership in Lebanon”
Zamakan Publications, Beirut 2023
531 pages.