الإصرار على تنظيم الانتخابات على دورتين جعل البلد، ينفق مالا إضافيا ويضيع الوقت عوض الانصراف لإيجاد الحلول الاقتصادية والاجتماعية للمشاكل العاجلة التي لا تحتمل الانتظار.
تونس ـ «القدس العربي»: يستعد التونسيون لإجراء الدورة الثانية من الانتخابات «المحلية-التشريعية» إذا جاز التعبير، والذي ستكون فيه المنافسة بين المُرشحيْن الحاصليْن على المرتبتيْن الأولى والثانية في كل دائرة انتخابية ممن لم يحصلا على عدد معتبر من الأصوات يجعل أحدهما يحسم الأمر منذ الدورة الأولى. ويرجح أن يجري التصويت في بداية شهر شباط/فبراير المقبل بعد أن أنهت المحكمة الإدارية البت في الطعون المتعلقة بالدورة الأولى وهي قليلة وليست بالعدد الذي يمكن أن يؤثر على الموعد المحدد سلفا وبصورة تقريبية للدورة الثانية من هذه الانتخابات المثيرة للجدل.
ويرى البعض أنه كان من الأفضل لو اقتصر الأمر على دورة واحدة يفوز فيها المتحصل على المرتبة الأولى مباشرة دون الحاجة لإجراء دورة ثانية وذلك حفاظا على الجهد والمال، وحتى لا يشعر الناس بالإرهاق والملل جراء كثرة المواعيد الانتخابية. فالقول بأنه من الضروري أن يكون الفائز حاصلا على عدد معتبر من الأصوات يؤهله معنويا وأخلاقيا لتمثيل سكان دائرته، كذريعة لتنظيم انتخابات على دورتين، هو قول متناقض ولا معنى له، لأنه في حالة الدوائر التي يترشح فيها مرشح وحيد يفوز هذا المترشح آليا دون اشتراط حصوله على عدد محدد من الأصوات.
وبالتالي فإن الإصرار على تنظيم هذه الانتخابات على دورتين جعل البلد، حسب هؤلاء، ينفق مالا إضافيا ويضيع الوقت عوض الانصراف لإيجاد الحلول الاقتصادية والاجتماعية للمشاكل العاجلة التي لا تحتمل الانتظار وهي كثيرة. كما كان من الأفضل، حسب هؤلاء دائما، لو تم ترك هيئة الانتخابات تستعد لمواعيد مقبلة أخرى على غرار الانتخابات الرئاسية التي بدأ الحديث عنها باكرا من خلال إعلان البعض عن عزمهم خوض غمارها منافسة على عرش قرطاج.
ويرى أصحاب هذا الرأي أنه كان من الأجدى لو تم دمج المجلسين البلدي والمحلي في مجلس واحد وتنظيم انتخابات واحدة متعلقة بهما خاصة وأن صلاحيات كل منهما ستكون متداخلة مع صلاحيات الأخرى خاصة في المجال التنموي وسيحصل تنازع اختصاص. فنسبة هامة من التونسيين كانت تعتقد أن الانتخابات التي حصلت في تونس منذ أسابيع قليلة ودورتها الثانية التي ستحصل مع بداية شهر شباط/فبراير المقبل هي انتخابات بلدية باعتبارهم قد اعتادوا على التصويت لانتخاب مجلسهم البلدي ولم يعرفوا هذا المجلس المحلي على مدى تاريخهم.
لقد حصل التباس حقيقي في أذهان البعض كان بالإمكان تلافيه منذ البداية لو تم إبقاء التنظيم الإداري مثلما كان أو تم دمج المجلسين في مجلس واحد لتكون البلدية وحدها السلطة اللامركزية على المستوى المحلي ودون منازع في كل المجالات بما في ذلك المجال التنموي. وبالتالي يتم تجنب هذا الالتباس الحاصل من جهة ويتم التخفيف من الإجهاد الانتخابي للتونسيين المطالبين بالتصويت في دورة ثانية في الانتخابات المحلية بعد أسابيع ثم العودة مجددا إلى صناديق الاقتراع بعد أشهر قليلة لانتخاب مجلس بلدي.
دولة موحدة
كما يرى البعض أن تونس دولة موحدة على مر تاريخها، وحتى عندما كانت أكبر مساحة مما هي عليه الآن، أي قبل أن يتلاعب العثمانيون والفرنسيون بأراضيها التاريخية ويتم قضمها لصالح آخرين، كما أنها لم تكن يوما ما دولة فيدرالية أو دولة مغرقة جهاتها الداخلية في اللامركزية الإدارية، بل على العكس من ذلك تماما، كان الارتباط بالمركز أي العاصمة، سواء أكانت مدينة قرطاج أم القيروان أم مدينة تونس في الوقت الحاضر، قويا ومتينا. وبالتالي لم تكن هناك حاجة قوية لإنشاء غرفة ثانية للبرلمان تمثل فيها الجهات والأقاليم خاصة وأن مجلس نواب الشعب تمثل فيه الجهات على أساس دوائر انتخابية ضيقة وبإمكان نوابه أن يعبروا جيدا عن حاجيات الجهات الداخلية التنموية وتشخيص مشاكل سكانها تشخيصا دقيقا خاصة وأن المطالب تكاد تكون واحدة لكل الجهات الداخلية المحرومة.
ويرى هؤلاء أنه كان بإمكان الراغبين في إنشاء غرفة برلمانية ثانية من خلال إيصال المنتخبين في المجالس المحلية لعضويتها، وأصروا على ذلك، أن يعملوا لتكون في هذه الغرفة تمثيلية لحكماء البلاد وأصحاب الخبرة والتجارب الواسعة وذلك لترشيد عمل الغرفة الأولى وتأطيره. فقد أثبتت التجربة في السنوات الأخيرة أن نواب البرلمان الذين يتم انتخابهم نسبة هامة منهم تفتقد إلى الخبرة والكفاءة اللازمتين والواجب توفرهما في نائب الشعب الذي سيشرع القوانين ويراقب العمل الحكومي وأداء الوزراء.
ماراثون انتخابي
ويرى الناشط الحقوقي صبري الثابتي لـ«القدس العربي» أن من أسباب عزوف التونسيين على التصويت في الانتخابات المحلية الأخيرة (بالإضافة إلى أسباب أخرى) هو كثرة المواعيد الانتخابية التي دعي التونسيون إلى التصويت فيها منذ سنة 2011 تاريخ الإطاحة بنظام الرئيس بن علي. فقد صوت التونسيون بداية في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي سنة 2011 ثم انتخبوا ثلاثة مجالس نيابية في سنوات 2014 و2019 و2022 وانتخبوا مجلسا أعلى للقضاء ومجالس بلديات في 2015 وانتخبوا رئيسين للجمهورية على دورتين وذلك في سنتي 2014 و2019.
وتواصل الذهاب إلى الصناديق للاستفتاء حول مشروع دستور سنة 2022 وتم حل بعض المجالس البلدية فأجريت انتخابات جزئية في الدوائر التي تم حل البلديات فيها. ويتم الآن انتخاب أعضاء المجالس الجهوية والمحلية والغرفة الثانية للبرلمان أي مجلس الجهات والأقاليم وذلك على دورتين وتنتظر أبناء الخضراء انتخابات رئاسية العام القادم وأيضا انتخابات أعضاء المجالس البلدية.
إرهاق وملل
ويرى هشام الحاجي الكاتب والسياسي والباحث التونسي في علم الاجتماع، في حديثه لـ«القدس العربي» أن أسباب عزوف التونسيين على صناديق الاقتراع عديدة منها شعورهم بعد أكثر من عشر سنوات من الثورة أن الديمقراطية والانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة لم تحقق لهم العيش الكريم مع فساد طبقة سياسية لم تكن أفضل ممن سبقها في حكم في البلاد. ومن الأسباب أيضا، حسب محدثنا، هو كثرة المواعيد الانتخابية التي تشعر المواطن التونسي بالملل وتصيبه بالإرهاق والتي تجعله مطالبا سنويا تقريبا بالذهاب إلى صناديق الاقتراع والإدلاء بصوته لانتحاب ممثليه في مختلف المجالس.
ويضيف قائلا: «هناك دول اختارت التقليل من أعداد المواعيد الانتخابية وهي دول ديمقراطية ولا غبار على ديمقراطيتها ولا يمكن التشكيك في مراكمتها للتجارب الديمقراطية ولا في ممارسة شعبها واقعيا لحكم نفسه بنفسه. وبالتالي فإن كثرة الانتخابات ليست دليلا قاطعا على أن هذا النظام أو ذاك هو نظام ديمقراطي، والتخفيف من عدد الاستحقاقات الانتخابية من خلال دمج بعض المجالس أو التخلي عن أحدها أو اقتصار بعض الاستحقاقات الانتخابية على دورة واحدة يمكن أن تمثل بعض الحلول لإعادة الناس إلى صناديق الاقتراع».