لندن ـ «القدس العربي»: مثلت إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية الأسبوع الماضي لأول مرة في تاريخها من أجل محاسبتها على جرائم الحرب التي ارتكبتها في قطاع غزة خلال الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاثة شهور، وسط تساؤلات كبيرة عما إذا كان لدى المحكمة سلطة فعلية لمعاقبة دولة الاحتلال، وما إذا كانت هذه المحاكمة ستتجاوز مستوى الإعلام والسياسة لتصبح أداة لإجبار إسرائيل على وقف جرائمها بحق الفلسطينيين.
ورفعت جنوب أفريقيا دعوى قضائية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية متهمة دولة الاحتلال بارتكاب جريمة «الإبادة الجماعية» في غزة، خلافاً لاتفاقية مناهضة الإبادة الجماعية التي تُعتبر جزءاً من القانون الدولي الإنساني، كما طالبت جنوب أفريقيا بإلزام إسرائيل فوراً بالتعليق الفوري لعملياتها العسكرية في غزة، فيما دعا ممثل جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية إلى ملاحقة دعاة الإبادة في إسرائيل. وقال الفريق القانوني لجنوب أفريقيا إن إسرئيل تكثف جرائمها ضد الفلسطينيين منذ عام 1948 وإنها تُخضع الفلسطينيين لنظام فصل عنصري، مضيفاً أن المجتمع الدولي فشل في منع الإبادة الجماعية في غزة.
وأشار إلى أنَّ أفعال إسرائيل في حرب غزة تشير إلى نية ارتكاب إبادة، وإن مئات من العائلات في غزة قُتلت بالكامل ولم يبقَ منها أي فرد على قيد الحياة.
وأضاف الفريق القانوني لجنوب أفريقيا أن إسرائيل تتعمد خلق ظروف تحرم الفلسطينيين من المأوى والمياه النظيفة، كما أنها فرضت عن عمد ظروفا في غزة لعدم السماح بالعيش والتدمير الجسدي للفلسطينيين.
وأثارت هذه المحاكمة جملة من التساؤلات لدى ملايين المتابعين الفلسطينيين والعرب، أهمها: هل تستطيع هذه المحكمة أن تُعاقب إسرائيل في حال إدانتها بارتكاب هذه الجرائم؟ وما هو شكل العقوبات التي يُمكن فرضها على دولة الاحتلال؟ وإذا كانت إسرائيل لا تلتزم أصلاً بقرارات الأمم المتحدة بما فيها قرارات مجلس الأمن الدولي التي تتخذ صفة الإلزام فهل ستستجيب لأي قرار سيصدر عن محكمة العدل الدولية؟
ورداً على أسئلة «القدس العربي» قال رئيس منظمة «العدالة الواحدة» في باريس المحامي الفرنسي من أصول فلسطينية خالد الشولي إن «الدعوى أمام محكمة العدل الدولية ضد دولة الاحتلال الإسرائيلي تشكل خطوة مهمة في طريق المحاسبة ونهاية الإفلات من العقاب».
وأكد أن «هذا الإجراء الذي تقدمت به جنوب أفريقيا يُضاف إلى الإجراءات الأخرى لدى القضاء الدولي ممثلاً أيضا بمحكمة الجنايات الدولية، إضافة إلى مجموعة الشكاوى المقدمة أمام القضاء الوطني في بعض الدول الأوروبية، وحتى إن هناك إجراء ضد قادة الولايات المتحدة أمام القضاء الأمريكي لهذه الغاية».
وحسب الشولي، وهو محام متخصص في القضاء الدولي ومعتمد لدى «الجنائية الدولية» فإن «هذه الخطوة تأتي في إطار مسؤولية دولة الاحتلال الإسرائيلي كدولة، ويمكن أن يكون هناك قرار باتخاذ إجراءات عاجلة واحترازية من أجل إيقاف أعمال الإبادة الجماعية التي تمارسها في قطاع غزة وذلك قبل الدخول في موضوع الدعوى فيما بعد».
لكن الشولي يعترف بأن «طريق المحاسبة طويل ويمكن أن يستمر لسنوات، ولكنه بدأ» ويضيف: «أعتقد أن ما قامت به دولة الاحتلال في هذه المرة من جولات الجرائم قد بدأ بوضع العدالة الدولية على طريق الإنجاز والتحقق».
ويتابع الشولي: «يبقى أن المحكمة ستصدر قرارات، وقرارات المحكمة نافذة وملزمة ولا تحتاج لأي تدخل آخر من أجهزة هيئة الأمم المتحدة من أجل إنفاذها، ولكنَّ الكل يعلم بأن دولة الاحتلال تتصرف وكأنها هي من يملك القانون ويملك الحقوق بشكل حصري وتتصرف كأنها دولة فوق القانون وهي تتمرد على تطبيق قواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني منذ أن تم قبولها كعضو في هيئة الأمم المتحدة».
ويرى الشولي أن إسرائيل «دولة مارقة، ولذلك يمكن أن ترفض تطبيق قرارات المحكمة وحينها يحق لدولة جنوب أفريقيا اللجوء إلى مجلس الأمن والجمعية العامة من أجل فرض تطبيق هذه القرارات».
وعلق على المرافعة التي قدمتها جنوب أفريقيا بالقول «إنها قوية ومعززة ولها سند قوي» مضيفاً: «أما ما قدمه جانب الاحتلال الإسرائيلي فهو هزيل وينم عن عدم ثقة فيما يقدمه الفريق ولذلك ستكون هناك وحسب البينات والسوابق القضائية للمحكمة قرار باتخاذ تدابير احترازية مستعجلة وقد تكون خلال الأيام المقبلة، وخاصة أن هناك دولا قدمت كما يبدو مذكرات داعمة لموقف جنوب أفريقيا».
وأثات المحاكمة التي انعقدت في لاهاي اهتماماً حقوقياً وإعلامياً واسعاً على مستوى العالم، حيث أشادت منظمة «هيومان رايتس ووتش» بجنوب أفريقيا لمقاضاتها إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، وقالت إن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية إلزام إسرائيل بالخضوع لقرارات المحكمة.
وقالت مديرة «هيومان رايتس ووتش» تيرينا حسن: «جنوب أفريقيا مثال مهم للقيادة. وقد اغتنمت هذه الفرصة المهمة» وأضافت: «إذا لم تلتزم إسرائيل بتدابير وقرارت المحكمة، فإنه يتعين على المجتمع الدولي ممارسة ما يمكنه من ضغوط لإلزام إسرائيل بتنفيذ هذه القرارات».
يشار إلى أنَّ العديد من دول العالم أعلنت دعمها للدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا، حيث عبّرت تركيا والعديد من بلدان العالم، فضلا عن منظمة التعاون الإسلامي وغيرها من المنظمات الدولية والمدنية، عن دعمها للدعوى التي طلبت فيها جنوب أفريقيا أيضاً «تدابير مؤقتة من أجل الحماية من الضرر الإضافي الجسيم وغير القابل للإصلاح لحقوق الشعب الفلسطيني بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية».
كما أعلنت طهران دعمها للدعوى، ووصف بيان صادر عن وزارة الخارجية الإيرانية خطوة جنوب أفريقيا بأنها إجراء «مسؤول وشجاع ومشرف» وأنه يستند إلى القانون الدولي للدفاع عن الشعب الفلسطيني. وطالبت الخارجية الإيرانية المجتمع الدولي بدعم المبادرة من أجل ضمان محاسبة مرتكبي الجرائم في غزة.
وصرحت نائبة رئيس الوزراء البلجيكي بيترا دي سوتر، بأن بلادها لا يمكنها أن تبقى صامتة ضد تهديد إسرائيل بـ«الإبادة الجماعية» في غزة.