عادل بكوان في «العراق، قرن من الإفلاس»: لا يمكن بناء عراق موحد في ظل نظام طائفي يحكمه فاسدون

سمير ناصيف
حجم الخط
0

خلال العقود الأخيرة من القرن الماضي، كان أساتذة العلوم السياسية والاجتماعية ينبّهون تلامذتهم إزاء عدم الوقوع في خطأ اعتماد منهج تحليلي في أبحاثهم عن الدول والمجتمعات مقتصر على انها مكونة حصراً من الطوائف الدينية والأثنيات القومية، وعن ضرورة توسيع الرؤية والحاجة إلى النظر للعوامل الاقتصادية والتكوين الطبقي فيها أيضاً، إذ أن الصراعات السياسية والحروب في سائر أنحاء العالم تتأثر عموماً بعوامل أيديولوجية واقتصادية معاً مرتبطة وهي ليست نابعة من منطلق أحادي ودافع واحد فقط.
أما هذه الأيام، فنجد أن معظم الدراسات وخصوصاً تلك المعنية بالشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي تركز إلى درجة أكبر على العنصر الأيديولوجي الديني والطائفي في تحليلاتها واستنتاجاتها وبالتالي، قد تتوصل إلى نظريات متشائمة بالنسبة لمستقبل الدول التي تتناولها بسبب استخدامها منهجا محدود الأفق.
صدر مؤخراً كتاب للدكتور عادل بكوان بعنوان: «العراق، قرن من الإفلاس من عام 1921 إلى اليوم» يعتبر بأن العراق يحاول أن يكون بلداً فعلياً منذ مئة عام ولا ينجح في ذلك بسبب عدم وجود ذاكرة اجتماعية وثقافة مشتركة تصبو لخلق «كيان قومي موحد» بين الأكثرية الشيعية في جنوبه والأقلية السنية في وسطه والأكراد في شماله.
المؤلف هو عالم اجتماع عراقي ـ فرنسي ومدير لـ«المركز الفرنسي للأبحاث والدراسات العراقية في فرنسا» (CFRI) وعضو في «معهد الأبحاث والدراسات المتوسطية والشرق أوسطية في فرنسا» وباحث في «المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية» (IFRI) وفي «المركز العربي للأبحاث في باريس».
بيد انه على الرغم من ان بكوان يشجب التدخلات الخارجية البريطانية والأمريكية والإيرانية في الشأن العراقي ويفضح انتشار الفساد لدى النخبة الحاكمة هناك، فإن منهجه البحثي يقوده إلى الاستخلاص بانه: «على النخب العراقية الحالية إجراء عملية مراجعة جماعية لكي تُشفى البلاد من أعراضها المزمنة» كما يقول في الصفحة الأخيرة في كتابه إن: «وصول الرئيس جو بايدن إلى البيت الأبيض في أمريكا ورغبته في تهدئة العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية قد يأتي بتداعيات إيجابية على المدى المتوسط بالنسبة إلى الساحة العراقية، ومن شأن هذه التهدئة أن تتيح السيطرة بشكل أفضل على الميليشيات في العراق وتخفيف حدة التصلب وتقليص الحرب بالوكالة على الأراضي العراقية». (ص 231).
لكن، معظم الخبراء المعنيين بقضايا الشرق الأوسط والعربي وبشكل خاص بالشأن الفلسطيني يتساءلون حول مواقف بايدن بالنسبة لما حدث في غزة مؤخراً وإذا يمكن اعتبارها مصدراً للأمل والتفاؤل بالنسبة إلى تحسن الأوضاع في فلسطين وفي المنطقة عموماً.
فبايدن وقبله دونالد ترامب ينظران إلى الشرق الأوسط وكأنه كتلة من الطوائف والعشائر المتناحرة والمتقاتلة وأن الطائفة اليهودية (الصهيونية) في إسرائيل هي الأقرب إلى طريقة عيش وديانات وطوائف العالم الأمريكي ـ الأوروبي وأن إسرائيل بشكل رئيسي هي الدولة التي ستحمي مصالح أمريكا وأوروبا ووجودهما في المنطقة بينما دول الجنوب الأخرى في أكثريتها (برأيهما) تعتنق القيم والمبادئ الإسلامية والثوروية التي تتعارض في توجهاتها مع القيم الغربية، ويعتقدان بأن هذا الموقف يناسب مصالحهما الرئاسية في أمريكا. وبالتالي، فإن منطق بايدن وترامب وكثير من قادة العالم الغربي ليس فقط منحازاً بل هو مخطئ فكرياً وواقعياً. فالعالم العربي يتكون من شعوب وطبقات اجتماعية لها تاريخها الحافل بالقيم والثقافة والنتاج الإنساني، ومن الخطأ الكبير الظن بأن كل إنسان عربي في العراق أو فلسطين أو لبنان وسوريا ومصر أو في آسيا وأفريقيا ينطلق في مواقفه من انتمائه الديني إلى الشيعة أو السنة أو الموارنة والروم الأرثوذكس، كما يعتقد بعض الأكاديميين والخبراء المبسطين للأمور في العالم الغربي وفي مؤسساته الأكاديمية البارزة، والأمر كذلك بالنسبة إلى القبلية والعشائرية المحدودة الأفق الإنساني التي يلبسونها للعرب.
الرئيس العراقي السابق صدام حسين (بنظر المؤلف) «استخدم عقيدة القومية العربية في سعيه لتحقيق أمة عربية سنية (تكريتية) بينما مواقفه المتقلبة من القومية العربية تحولت إلى عدوانية ضد الشيعة والأكراد في العراق ثم إلى مشروع عدواني ضد جيرانه العرب في الكويت والسعودية تحت مظلة حزب البعث التي اعتنقها». (ص 95). بينما قائد الانقلاب الدموي في العراق في عام 1958 الجنرال عبد الكريم قاسم الذي أعدم العائلة المالكة الحاكمة في البلد كان يسعى (بنظر الكاتب) إلى تحقيق عراق «الوطنية العراقية» بحيث يُحسن أوضاع الشيعة والأكراد، ولكن حليفه في انقلاب 1958 الجنرال «السني» عبد السلام عارف انقلب ضده وأطاح به وقتله لأن عارف كان منتسباً إلى «القومية العربية السنية» التي أطيحت لاحقاً من جانب حزب البعث «السني التوجه» بقيادة أحمد حسن البكر، ومن بعده صدام حسين. (ص 88 ـ 99).
لعله من المفيد السؤال أين التحليل الطبقي الموضوعي في هذا العرض الطائفي الوارد في الكتاب؟ وأين الموضوعية عندما يؤكد الكاتب انه من مؤيدي دور الملك فيصل الأول في عام 1921 في توحيد العراق ثم يعتبر بأن الشخص الذي أصدر قراراً باغتيال حفيده الملك فيصل الثاني وعائلته أي الجنرال عبد الكريم قاسم شخصاً كان يسعى إلى الوحدة الوطنية العراقية تخلصاً من الهيمنة السنية على البلد؟
ولعله يجب التساؤل عن صواب الرئيس بايدن لدى تعيينه السفير السابق ديفيد ساترفيلد «مبعوثا إنسانياً في غزة» مسؤولاً عن وصول المساعدات الإنسانية إلى أهل غزة بعد عملية طوفان الأقصى علماً ان ساترفيلد كان في أحد مناصبه السابقة نائباً لسفير أمريكا في العراق زلماي خليل زاد لدى إعدام الرئيس صدام حسين (المتسرع) في فترة كانت القيادة الأمريكية تتداول هذا القرار وهو أي ساترفيلد الذي أصدر قراراً منفرداً وشخصياً بتنفيذ الإعدام في غياب السفير خليل زاد أرضاء للميليشيات العراقية.
كيف يعيّن بايدن شخصاً من هذا التوجه لإدارة الشؤون الإنسانية في غزة ثم يقول الكاتب إن قرارات بايدن ستساهم في وصول العراق إلى أوضاع أفضل علماً ان حلفاء بايدن في العراق قاموا بالتنكيل بخصومهم بأبشع الوسائل وبينهم قيادات «حزب الدعوة العراقي».
وبالتالي، ربما حان الوقت لمنظّري شؤون العراق وفلسطين والعالم العربي عموماً في الأكاديميات الكبرى في أمريكا وأوروبا لإعادة النظر في مواقفهم. فكبار خبراء العراق وشؤونه في الجامعات الغربية الذين مجدوا وطنية عبد الكريم قاسم في العراق ربما بالغوا في عدم الادراك بان الانقلابات العسكرية الدموية في العالم العربي بعد نشوء إسرائيل ساهمت بشكل غير مباشر في تغذية بقاء الدولة العبرية. ولعله من الأفضل عدم تبسيط الأمور في هذا المجال وعدم تغطية الدور الأمريكي في صعود الأنظمة العسكرية إلى السلطة بواسطة الانقلابات في العالم العربي.
وبما انه من الضروري اعتماد الموضوعية في تقييم كتاب الدكتور عادل بكوان الذي نحن في صدده في هذا العرض فإنه من المفيد الاعتراف بان الكاتب كان موضوعياً في فصل الكتاب السابع الذي يتناول فيه دور الحزب الشيوعي العراقي وخصوصاً في فترة قيادة عبد الكريم قاسم وفي تأكيده بان هذا الحزب تواجه مع «حزب الدعوة الشيعي العراقي» الذي أصبح تحت قيادة السياسي العراقي نوري المالكي الذي قال الرئيس الأمريكي جو بايدن بانه على علاقة جيدة معه في أحد تصاريحه السابقة.
ويعترف المؤلف بأن الحزب الشيوعي العراقي لم يكتفِ بالمطالبة بحقوق المجموعات المهمشة العراقية (الكردية والشيعية والمسيحية وغيرها) بل طالب بالاستقلال التام للشعب العراقي عن مستعمريه الأجانب وإلى إعادة النظر في الأساس الذي وضعته الدولة البريطانية المستعمرة والذي استبعد هذه الفئات المهمشة في مشروع الانتداب، فيما شكّل أبناء هذه الأقليات الأكثرية المطلقة للحزب الشيوعي العراقي الذي تم قمعه وإعدام قياداته، وخصوصاً القائد يوسف سلمان يوسف (الرفيق فهد) الذي أصبح أميناً عاماً للحزب وأعاد تنظيمه وتنظيم علاقاته بالأحزاب والمجموعات الأخرى، ولكنه أعدم في شباط (فبراير) 1947 فيما «بقيت أفكار ومواقف حزن (حسب المؤلف) في الذاكرة الجماعية العراقية». (ص 120ـ121).
أما ألد أعداء الحزب الشيوعي العراقي في العقود الماضية فكانا حزب الدعوة وحزب البعث وخصوصاً (برأي الكاتب) لأن القيادات الشيوعية كانت تستقطب أبناء الأكثرية الشيعية في البلد الذين كان الحزبان يسعيان إلى استقطابهم بدعم خارجي وأجنبي، إذ كانت الدول الغربية تخشى انتشار العداء للغرب ولسياساته في المنطقة، وفي هذا الموقف كان بكوان واقعياً.
يعتبر الكاتب (في الجزء الثالث) ان سبب الاحتلال الأجنبي بعد الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003 لم يكن بحجة القضاء على ديكتاتورية الرئيس صدام حسين وامتلاكه الأسلحة النووية، بل كان جزءاً من خطة منظمة تبعت هجمات 11 أيلول 2001 وحاجة الرئيس جورج بوش الابن لإلصاق التهمة بالنظام العراقي.
وهنا تبرز الحاجة لاعتماد تحليل اقتصادي طبقي إلى جانب التحليل السياسي الأيديولوجي الواقعي. وهذا ربما ما يفتقد إليه هذا الكتاب، إذ انه كان بإمكان القيادة الأمريكية استخدام النظام العراقي بعد انتهاء حربه مع إيران وعدم خسارته تلك الحرب بين عامي 1980 و1988 لنشر الاستقرار في منطقة لدى أمريكا وحلفائها المصالح الكبيرة فيها. ولكن عكس ذلك حدث إذ تم غزو العراق وساهم بول بريمر الأمريكي المكلف بإنشاء أمة عراقية جديدة في تدمير الكيان العراقي. فقد اعتمد بريمر لحل مشكلة المكونات العراقية المختلفة استخدام دولة القهر بالقوة بعد غزو العراق، ولم يسعَ لتحقيق الانتماء الطوعي للأمة العراقية لدى الشعب. وبدل ذلك خلق أمة مفروضة على الشعب العراقي تجبر عناصر الشعب على التشابه والتعاون بالقوة وتحاول إلغاء الهويات المتعددة (الشيعية والسنية والكردية). (ص 159). ولكن السؤال يبقى: لماذا ينتظر الكاتب من بريمر ان يفعل ذلك وهو أتى عن طريق غزو دولة مستعمرة للعراق استخدمت حججاً كاذبة ومصطنعة لغزوه؟ وكيف ينتظر بكوان من دولة عظمى ترى العراق والعالم العربي من منظار منحاز على انه مكون من قبائل ومجموعات متخلفة طائفية متناحرة ولا يهمها أوضاع المهمشين في تلك البقعة من الأرض ان تفرض مشروعاً إنسانياً تنموياً وديمقراطياً فيها؟
وعندما يقول المؤلف إن المطلوب مشروع سياسي شامل نتابع التفاعلات بين الجهات المختلة في العراق ثم يؤكد وجود نخب فاسدة تستغل خيرات البلد ومجموعات أخرى ضخمة من الفقراء تندمج في الميليشيات سعياً لتأمين لقمة عيشها وقوتها اليومي وقوت عائلاتها، يظهر جلياً التناقض في التحليل وفي المنهج المتبع عموماً والمعتمد في هذا الكتاب وخصوصاً عندما يقترح بكوان بأن وجود الرئيس جو بايدن على رأس السلطة الأمريكية قد يشكل منفذاً للحل. فلا جو بايدن ولا دونالد ترامب بنظر كثير من المحللين، يهمهما مصير الشعب العراقي حالياً وسابقاً، كما لا يهمهما مصير الشعب الفلسطيني، الذي تعرض ويتعرض حالياً لمجزرة ضده من قبل القيادة الإسرائيلية. هذان القائدان الأمريكيان ومعظم القادة الذين حكموا في أمريكا وأوروبا لا يهمهما مصير الشعب الفلسطيني ولا الشعب العربي، وقراراتهما تركز على دعم إسرائيل وتبرير سياساتها الوحشية في المنطقة.
وبالتالي، فقرارات بول بريمر في العراق بعد الغزو الأجنبي في عام 2003 وخصوصاً إملاءاته لاستئصال البعثيين والعراقيين الذين تعاونوا مع السلطة العراقية قبل الغزو (ربما لأسباب معيشية مادية وحاجات عائلية) لم تأتِ عن جهل فقط بل على الأرجح أتت عن نية سيئة مرتبطة بالضغط الصهيوني في أمريكا وأوروبا على قرارات الغرب. وقد حققت قرارات بريمر نتائجها السلبية الخطيرة كما تحقق حالياً قرارات القيادة الأمريكية المؤيدة لوحشيات إسرائيل في غزة. وحقق القرار الأمريكي بتسريح حوالي الأربعمئة ألف عنصر عسكري عراقي هدفه السلبي وخلق هذا العدد وأكثر منه من الفقراء العراقيين المهمشين والمعرضين للجوع ودفعهم للانتساب إلى المجموعات الإرهابية هناك. إذن فليس الانقسام الطائفي والأثني وحده في العراق هو المشكلة بل المشكلة هي في الجهة التي ساهمت في تغذية ذلك لأسباب استعمارية غير إنسانية وغير أخلاقية.
عادل بكوان: «العراق، قرن من الإفلاس»
دار نوفل هاشيت، بيروت 2023
240 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية