تونس ـ «القدس العربي»: ينظم مسرح أوبرا تونس، قطب المسرح والفنون الركحية، الدورة الرابعة لملتقى مسرح الهواية وذلك بقاعة المبدعين الشبان بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي بالعاصمة. والملتقى هو موعد سنوي للمسرحيين الهواة من مختلف أنحاء الجمهورية للقاء وعرض أعمالهم والتعريف بها. وتنتمي هذه الفرق المسرحية الهاوية بالأساس إلى تازركة من ولاية نابل وبوحجلة من ولاية القيروان وجربة من ولاية مدنين وتالة من ولاية القصرين وغيرها.
عروض متنوعة
وافتتحت هذه الدورة الرابعة بعرض لمسرحية «الوصايا العشر» وهي من إخراج عبد القادر بن سعيد وإنتاج ورشات قطب المسرح والفنون الركحية بمسرح أوبرا تونس. وشهد هذا الافتتاح حضورا لافتا من جمهور المسرح من مختلف الأعمار والمشارب الفكرية جاء للاطلاع على مسرح هاو كثيرا ما كان المنطلق نحو النجومية والاحتراف.
وتنطلق العروض على الساعة السابعة مساء مراعاة لتوقيت العمل في تونس الذي يتواصل إلى وقت متأخر مساء، ويتضمن البرنامج مسرحيات عديدة بالإضافة إلى مسرحية «الوصايا العشر» الافتتاحية على غرار مسرحية «بارتيرو» وهي من إخراج ايمن الطهاري، وإنتاج ميميزيا للمسرح بتازركة من ولاية نابل. كما يتضمن البرنامج عرضا لمسرحية «الشريط الأسود» وهي من إخراج صابر السالمي وإنتاج دار الثقافة بوحجلة بالقيروان.
كما يتضمن البرنامج عرضا لمسرحية «غبيش» وهي من إخراج مفتاح بوكريع، وإنتاج جمعية النهوض المسرحي بجربة، وأيضا مسرحية «الخضراء» وهي من إخراج وليد قصوري وإنتاج جمعية «نتنفس فنا» من تالة من ولاية القصرين. ويتضمن البرنامج أيضا مسرحيات أخرى عديدة شدت انتباه جمهور مدينة الثقافة الشاذلي القليبي التي انتقد البعض احتضانها لأغلب التظاهرات الثقافية وهجران المبدعين لفضاءات ثقافية أخرى هامة على غرار المسرح البلدي بالعاصمة، الصرح التاريخي للثقافة والمثقفين التونسيين.
الكوميديا الساخرة
ومن أهم المسرحيات التي شدت انتباه الجمهور مسرحية «القلب مسكون» وهي مسرحية كوميدية ساخرة من إنتاج التياترو وستوديو 2023 ونص وإخراج وليد العيادي بمساعدة يسري عموري. أما التمثيل فإنه لكل من بولبابة هذلي ومحمد الطاهر منديلي ولمين حمزاوي وأمينة بديري وسليمة عياري وسيرين بن يحيى وسهير مزيو وفاطمة صفر واسكندر براهم وسفيان بوعجيلة وهالة بن صالح وخولة الدالي.
وتتحدث المسرحية عن عائلتين متجاورتين تعيشان بحي شعبي متعدد السكان هما عائلة محسن الفياش وعائلة المنصف. وتتكون العائلة الأولى من الشاب عادل الذي يعاني اضطرابات نفسية والفتاة الغبية نجمة والفتاة الطائشة زهرة والمرأة قمرة الباحثة عن شريك لحياتها. أما عائلة المنصف فتتشكل من باديس المستهتر الذي لا يقيم وزنا لأي شيء والخادمة سوار والزوجة زبيدة والطفلة منال.
تنقطع الكهرباء عن العائلتين في ليلة شتاء ممطرة، ويحاول أفراد العائلتين إيجاد متطوع من بينهم للصعود وتفقد سطح المنزل الذي تظهر فيه امرأة غريبة يذهب في الظن أنها جنية. ويبدأ التنافس بين العائلتين على توظيف قدرات هذه الجنية للفوز بالانتخابات، كل طرف يحاول الاستئثار بها وبقدراتها الخارقة لنفسه، وكأن التفكير البسيط لهؤلاء قد التقى مع الأحداث السياسية التي عاشها البلد ومنها كثرة الانتخابات فأفرز هذا السلوك الغريب الناتج عن منح الديمقراطية لمن هو غير مؤهل لها بعد.
فالعالم المتخلف بمعتقداته البالية وبالجن الذي سكن عقله البسيط يرغب في خوض استحقاق انتخابي هو من مظاهر التقدم والتطور الفكري والحضاري ومن ممارسات الأمم الراقية. فعوض خوض غمار الاستحقاق الانتخابي بالطرق المشروعة والسعي للفوز من خلال العمل وتقديم البرامج وإقناع الناخبين بها، يتم التفكير في الاستعانة بما يعتقد أنها جنية خارقة قادرة على تحقيق الفوز، وبالتالي بدا الأمر شبيها بمن استعان في تونس بقوى خارجية معتقدا أنها قادرة على إيصاله إلى سدة الحكم.
تناقضات عجيبة في هذه المسرحية وداخل هذا الحي الشعبي، وخصومات وصراعات وفوضى عارمة ومفاهيم خاطئة ومغلوطة في انتقاد للأوضاع السياسية والاجتماعية، وفي معالجة لقضايا عديدة على غرار الجهل والتخلف والأزمات الاجتماعية والوعود الانتخابية الزائفة وعدم مصداقية بعض وسائل الإعلام. وقد تم إيصال هذه الأفكار بالاستعانة بالمؤثرات الصوتية والضوئية ما ساهم في نجاح العمل من حيث الشكل رغم أنه عمل هواة في بداية مسيرتهم المسرحية والفنية بوجه عام.
صراع الخير والشر
ومن المسرحيات التي لفتت الانتباه أيضا مسرحية «الشريط الأسود» التي تم عرضها بقاعة المبدعين الشبان بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي وهي من إنتاج دار الثقافة ببوحجلة من ولاية القيروان التي تلفت الانتباه بإبداعها وحضورها الهام على مستوى الولاية وخارجها. وقد كتب نص هذه المسرحية وأخرجها صابر السالمي، وشارك في التمثيل فيها كل من هيفاء السهيلي وآدم ضيفاوي ونادين هاني وشرف الدين حراثي. وتقع أحداثها في عمارة قديمة وسط العاصمة التونسية، وفي ليلة من ليالي الصيف الحار حيث يلتقي يحي مع عائشة ونضال وصابرة وتنطلق الأحداث.
وتروي المسرحية قصة يحي رجل الأعمال الأناني والفاسد وعديم الضمير الذي يأوي عائشة الفتاة الشريرة التي تشبهه في الانتهازية وفي عدم الاهتمام لمشاعر الآخرين والتي تعود إلى تونس بعد وفاة خالتها وتسعى إلى الاستيلاء على منزل العائلة من خلال التقرب من يحي لإيقاعه في شراكها. فتنجح في ذلك وحين يعرض عليها الارتباط والزواج تشترط عليه أن يتنازل لها عن المنزل وهو ما يدفعه إلى الرغبة في التخلص من شقيقه نضال شريكه في البيت ومن بقي له من أفراد العائلة على قيد الحياة وذلك تلبية لرغبة عائشة.
وبعاني نضال شقيق يحي من أزمة نفسية بعد وفاة والدته وشقيقه الآخر وهو ما جعل يحي وعائشة يستغلان حالته النفسية ويخططان لإيداعه بمستشفى الأمراض العقلية بنذالة غير مسبوقة تجعل الشقيق يتخلص من شقيقه تلبية لرغبات حثالة من سقط المتاع همها التملك لما للآخرين. وفي سبيل تحقيق هذا المخطط القذر يقرر كل من يحي وعائشة التخلص أيضا من الخادمة صابرة التي باتت مصدر إزعاج لهما في سبيل ما يطمحان إلى تحقيقه، ويدل اسم صابرة على معاناتها وصبرها وحياتها البائسة التي انقطعت فيها عن الدراسة وعاشت صراعات عائلية كثيرة وتوفي زوجها، مثلما أخذ نضال أيضا الكثير من اسمه شأنه شأن يحي وعائشة العاشقين للحياة والعيش الرغيد.
وللإشارة فقد ساهمت الموسيقى المصاحبة للمسرحية في التعبير عن المشاعر المتضاربة للممثلين فكانت أحيانا صاخبة وأحيانا أخرى هادئة تماما مثل الحالة النفسية لأبطال هذه المسرحية. كما شكلت الإضاءة أحد عناصر نجاح المسرحية فكان العمل متكاملا يصعب تخيل أنه من إنجاز فرقة مسرحية هاوية تتحسس خطاها في عالم الفن.