تونس ـ «القدس العربي»: يلقي الوضع الاقتصادي الصعب بثقله على معيشة المواطن التونسي الذي أرهقته الجباية. ولئن سجلت البلاد مؤشرات اقتصادية هامة خلال الأشهر الماضية إلا أن عديد الخبراء الاقتصاديين يؤكدون بأن كل هذه المؤشرات ستذهب إلى سداد الديون، ما دامت لا توجد نفقات تنمية كافية واستثمارات ومشاريع تخلق الثروة وتساهم في القضاء على البطالة.
فهذه الديون تحديدا هي أصل الداء وهي التي تعيق التعافي الاقتصادي، والإصرار على سدادها في الآجال دون البحث عن إعادة جدولتها أو تحويلها إلى استثمارات هو إصرار على الدوران في حلقة مفرغة وعلى عدم الخروج من المستنقع الذي غرق فيه البلد.
وكانت وزيرة المالية التونسية سهام البوغديري قد أكدت بمناسبة الملتقى الوطني السنوي لشرح أحكام قانون المالية لسنة 2024 أن هذا العام سيكون عام انطلاق التعافي الاقتصادي في تونس على كافة المستويات. وأشارت إلى أن الحكومة نجحت في تحقيق العديد من الإنجازات وتجاوزت تحديات كثيرة خلال العام المنقضي وتمكنت من الإيفاء بتعهداتها المالية الداخلية والخارجية.
ويرى البعض أن الوزيرة لم تجانب الصواب فيما يتعلق ببعض المؤشرات الاقتصادية الجيدة التي تحققت في سنة 2023 ومنها تراجع عجز الميزان التجاري بفعل ارتفاع الصادرات وتراجع الواردات، وتراجع نسبة التضخم، وارتفاع مداخيل السياحة وتحويلات المهاجرين التونسيين خارج البلاد وارتفاع احتياطي البلاد من العملة الصعبة وغيرها، لكن ذلك لا يعتبر كافيا لتحقيق التعافي الاقتصادي الذي تحدثت عنه الوزيرة.
فالمداخيل كانت هامة خلال العام الماضي، ومن المتوقع أن تكون أهم خلال هذا العام مع التعافي المنتظر للقطاع الزراعي وإمكانية مواصلة القطاع السياحي لنموه وارتفاع الصادرات الصناعية وصادرات قطاع الفوسفات، لكنها جميعا غير كافية مع كثرة المصاريف والنفقات التي تبدو الدولة مطالبة بسدادها.
ديون العشرية
فمداخيل السياحة وتحويلات التونسيين بالخارج، وعوض أن تذهب إلى التنمية يتم إنفاقها لسداد ديون العشرية الماضية التي تم فيها الاقتراض بشكل مبالغ فيها دون أن تذهب أموال القروض إلى إنجاز المشاريع الكبرى التي تحقق نسب النمو المطلوبة. كما أن مداخيل الصادرات الصناعية والفلاحية والمنجمية سيكون مصيرها، إما خلاص أجور الموظفين الذين ارتفعت أعدادهم بشكل لافت خلال العشرية الماضية مع انتدابات المحاباة في الوظيفة العمومية، وإما لشراء الطاقة من النفط والغاز في ظل تراجع الإنتاج الوطني منهما في السنوات الأخيرة نتيجة انقطاع نشاط التنقيب وعدم تجديد وصيانة الآبار والحقول وبسبب تأخر مشاريع الطاقات البديلة التي عجزت الدولة عن تفعيلها بالنسق المطلوب.
وبالتالي يرى البعض أنه ما دامت الدولة لم تجد حلا لمسألة الديون التي تستنزف المداخيل من العملة الصعبة ومطالبة الدائنين بجدولتها أو بتحويلها إلى مشاريع تنموية عوض الحرص على سدادها في الآجال كما تفعل اليوم حرصا على سمعتها في الخارج، ولم تسرع في نسق الاستثمار في الطاقات البديلة، ولم تجد حلا عاجلا لكتلة أجور موظفي القطاع العام، وإنفاق تلك الأموال في المشاريع التنموية يصعب الحديث عن التعافي الاقتصادي في الوقت الراهن. فما يتم تحصيله طوال العام من جهد التونسيين وعملهم وعرق جبينهم يذهب لخلاص الديون ولأجور الموظفين ولاستيراد جزء من حاجيات البلاد من الطاقة ومن الغذاء، ولا يتبقى منه شيء لإنجاز المشاريع التنموية التي تحقق الثروة والتشغيل وترفع في نسبة النمو الاقتصادي.
وأمام انصراف الدولة إلى تغليب التزاماتها المالية الخارجية لم يبق سوى التعويل على القطاع الخاص «لتحقيق القيمة المضافة القادرة على تحقيق نسب نمو جيدة وخلق فرص عمل جديدة وتحسين دخل المواطن التونسي» على حد تعبير الوزيرة. ولكن هذا القطاع بجد يدوره صعوبة في الاستثمار باعتبار وأن السيولة المالية المودعة في البنوك التونسية، والتي هي أموال هذا القطاع وباقي التونسيين المودعة بالبنوك، يتم استنزافها بدورها من قبل الدولة التي باتت أهم المقترضين من البنوك المحلية.
غياب التنمية
يرى الباحث التونسي في الاقتصاد السياسي رضوان المشري في حديثه لـ«القدس العربي» أن ما جاء على لسان الوزيرة والذي مفاده بأن سنة 2024 ستكون سنة انطلاق التعافي الاقتصادي في تونس ليس دقيقا بالنظر إلى المؤشرات الاقتصادية المعلومة. فحسب المشري فإن ميزانية سنة 2024 تتضمن 77 في المئة من النفقات، تم تخصيص 31.8 منها لخلاص الديون و30.5 في المئة لخلاص أجور موظفي القطاع الحكومي و14.6 في المئة للتعويضات، ولا تخصص الميزانية سوى 6.8 في المئة للاستثمار والتنمية وهي نسبة ضعيفة وزهيدة جدا ولا تحقق النمو المطلوب.
ويضيف محدثنا قائلا: «من المنتظر أن يرتفع دين تونس مع نهاية سنة 2024 إلى 140 مليار دينار مقابل 127 مليار دينار سنة 2023 ما يشكل زيادة بقرابة 13 مليار دينار وهي ديون أغلبها متوارث عن العشرية السابقة التي اقترض حكامها كثيرا دون أن ينجزوا شيئا يذكر في المجال التنموي. وبحسب التقديرات فإن ديون تونس ستبلغ مع 2024 قرابة 80 بالمئة من اجمالي الناتج المحلي مقابل 80.2 بالمائة سنة 2023 وأكثر من نصف هذه الديون هي ديون خارجية تم اقتراضها من دول ومن مؤسسات مالية.
وبالتالي مهما ارتفعت مداخيل السياحة وتحويلات التونسيين بالخارج ومهما تطورت الصادرات الصناعية والفلاحية لن تتمكن الدولة من رصد مبالغ هامة للتنمية والاستثمار وخلق مواطن الشغل. ربما لو تمكنا من إعادة جدولة ديوننا ومن الاستثمار أكثر في الطاقات البديلة ومن العودة إلى الأرقام المسجلة في سنة 2009 فيما يتعلق بإنتاج وتصدير والفوسفات قد نحقق التعافي الاقتصادي المنشود، لكن ذلك يبدو مستحيلا خلال هذا العام باعتبار وأن إعادة الجدولة تحتاج وقتا طويلا من التفاوض مع الدائنين وتسريع الاستثمار في الطاقات البديلة يحتاج إلى وقت أيضا شأنه شأن العودة إلى تحقيق أرقام سنة 2009 فيما بتعلق بتصدير الفوسفات».
معيشة المواطن
من جهتها تعتبر الصحافية التونسية لمياء الشريف أن سنة 2024 ستشهد تحسنا في المؤشرات الاقتصادية خاصة في المجال الزراعي حيث يبدو أنها سنة واعدة مختلفة عن سنوات الجفاف السابقة وسيواصل القطاع الصناعي في تنمية صادراته وستواصل تونس عودتها لتتصدر المراتب المتقدمة كأهم الوجهات السياحية العالمية، وهناك توقعات بارتفاع صادرات الفوسفات. كما تتوقع محدثتنا بأن يؤدي ذلك إلى مواصلة تراجع العجز في الميزان التجاري، وأن تنخفض نسبة التضخم أكثر فأكثر وهي التي بدأت بالانخفاض خلال سنة 2023 وأن يتحسن سعر صرف الدينار التونسي بارتفاع احتياطي البلد من العملة الصعبة.
وتضيف: «هناك بعض الحلول لتنمية المداخيل ومنها تغيير قانون الصرف الحالي وتشجيع التونسيين بالخارج على فتح حسابات بنكية والاستثمار في بلدهم لكن هناك طرفا ما يعيق المصادقة على مشروع مجلة الصرف منذ فترة طويلة رغم أهميته للنهوض بالاقتصاد. هناك أيضا طرق عديدة لتشجيع المستثمرين المحليين والأجانب على الاستثمار في تونس وخلق الثروة ومواطن الشغل لكن الأولوية يبدو أنها لآلية الصلح الجزائي الذي لا يمكنه جمع السيولة الكافية لتحقيق التعافي الاقتصادي الذي تحدثت وزيرة المالية مؤخرا».