مع تعدد الشركات الإنتاجية وفرص الأسواق المفتوحة لاستيعاب المزيد من الأعمال الدرامية تم استحداث ما يُسمى بالأوف سيزون أو السباق خارج المواسم التقليدية المُعتادة للعب مع الجمهور المضمون بعيداً عن زحام رمضان وكثافة المُسلسلات وانشغال النجوم وغيرها من سمات المواسم الرئيسية التي تتصاعد فيها نسب المشاهدة وتضيع معايير التقييم الموضوعي ليظفر الكبار ويخسر الصغار بعد أن يختلط الحابل بالنابل وتنتهي التصفيات بدون نتائج حقيقية.
البعض يُفسر ظاهرة الإنتاج الإضافي بأنها انعكاس لحالة الكساد التي تسببت فيها الحرب الأوكرانية والحرب الإسرائيلية على غزة ومحاولة من شركات الإنتاج لدعم الحركة الفنية وتنشيط الأسواق بالدفع ببعض الأعمال الدرامية الجديدة لسد العجز وتقليل الخسائر الناجمة عن اندلاع الحربين المتزامنتين وهو تبرير يحمل بعض الوجاهة كون الصناعة الدرامية أصبحت جزءً من مكونات الاقتصاد المصري والعربي ومن الطبيعي أن تتأثر بالأحداث الجارية ولا غضاضة في بذل الجهود لإنقاذها من الهبوط في بوصة المال وتأثيرها على الدخل القومي للبلاد.
وللظاهرة الدرامية الجديدة المعروفة بالأوف سيزون عدة أوجه إيجابية، أولها تُشكيل مستوى آخر من المنافسة بين الكُتاب والمخرجين وبقية صُناع الأعمال، بالإضافة إلى أنها تسمح بتصعيد الجيل الأصغر من المُمثلين الشباب وتؤهلهم لأدوار البطولة المُطلقة والاستعداد للنجومية مع كسر حاجز الاحتكار والسماح بعمليات الإحلال والتبديل بين المواهب المُختلفة عملاً بالقانون الطبيعي للحياة الفنية التي تخضع للمُتغيرات المستمرة.
كما أن دورة الإنتاج الموسمية أصبحت لا تكفي لسد حاجة الجمهور إلى التنوع الإبداعي ونهمه الدائم لكل جديد، خاصة بعد تعدد الفضائيات والمنصات الإلكترونية واتساعها لأكثر من لون وشكل درامي ما بين قصير وطويل ومتوسط تلبية لجميع الأذواق وإرضاءً لكل الأعمار، حيث نسب المتابعة وزيارة الأعداد الكبيرة من المُتعاملين لم تعد مُرتبطة بسن معينة أو ذوق خاص، لذا يتعين على المُختصين بقياس الرأي العام ملاحظة هذه الفروق ووضعها في الاعتبار لأنها باتت تُمثل أهمية قصوى في معادلة الربح والخسارة ولابد من الخضوع لشروط السوق الافتراضي والحقيقي في عالم الميديا والفنون.
المواسم البديلة
وقد أسفرت عمليات التكثيف الإنتاجي أو المواسم البديلة عن خلق تيارات نوعية في الوعي الجماهيري العام إذ ارتبطت شريحة من المشاهدين بالقضايا السياسية والثقافية وانعكس ذلك على طلباتها الفنية والإبداعية فأصبحت راغبة في رؤية ما يُستجد على الساحة السياسية في صور درامية وهو ما فطن إليه صُناع الدراما بالفعل وحاولوا ترجمته في نماذج فنية محدودة كنوع من جس النبض إيذاناً بتعميم التجارب الصغيرة في حال نجاحها واكتسابها تأييداً شعبياً يُذكر لتنتقل من مرحلة التجريب إلى مرحلة التأكيد.
إن شيئاً من هذا القبيل ظهر على استحياء في التعامل مع الحرب الإسرائيلية على غزة كما ورد في مسلسل «زينهم» من جُمل حوارية عابرة ذات دلالة قوية كقول أحد الأبطال إن فلسطين قضية وليست محتوى وتشجيع مبدأ المُقاطعة للمنتجات الأمريكية بالتركيز على السلع المصرية كبديل صحي عن المُنتجات المستوردة وهو ما يُعد تلميحاً مقصوداً للدفع بالقوة الدرامية إلى التوعية بمثل هذه التفاصيل الصغيرة.
كذلك ظهور فتاة باسم رام الله بين أبطال مسلسل «حالة خاصة» وهي تحمل حقيبة على شكل خريطة فلسطين وهو تجسيد آخر للقضية الفلسطينية باستخدام الإسقاط السياسي الدال على المعنى شكلاً وموضوعاً بما يوحي بانشغال صُناع العمل كافة، من الكاتب والمخرج والأبطال إلى الفنيين مروراً بأصحاب دورة رأس المال الإنتاجية الذين لولاهم ما خرج المُسلسل بهذه الكيفية ليُعبر عن هم حقيقي يشغل الرأي العام المصري والعربي ويؤرق الملايين من أصحاب الضمائر الحية.
ولعل اللافت في الأمر والمُرضي في ربط السياسة بالتوظيف الدرامي على هذا النحو هو التوقع بأن القادم من الأعمال سيحمل الكثير من آيات التأييد الكامل وبشكل صريح للشعب الفلسطيني وبالقطع سيُمثل صحوة حقيقية على مستوى الاستقبال والاستيعاب الجماهيري في نطاق أوسع وأشمل من مجرد التلميحات وإدراج الجُمل العابرة على لسان بعض الشخصيات.
إنها نُذر الثورة الدرامية على السكون المقيت وقد بدأت مع الأوف سيزون لتكون الكلمة والصورة هي إشارة البدء لإنجاز أعمال موسمية وغير موسمية جادة تُعلي من قيمة الصدق كناتج لإبداع حقيقي مُختلف ومُثير وناطق بالخطاب العادل المؤيد والداعم بقوة لقضية فلسطين أرضاً وشعباً ووطناً.