في معرض القاهرة للكتاب… الإبداع العربي والأمنيات المنسية

 شهدت الأيام الأولى لفعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب حضوراً مميزاً للثقافة العربية، التي فرضت نفسها كمكتسب إبداعي وحضاري شديد الأهمية والخصوصية، فقد توافدت أعداد كبيرة من الرواد على القاعات الرئيسية المُخصصة لندوات كبار الكُتاب والمُفكرين والأدباء، إذ تمت مناقشة أحدث الإصدارات لبعض المُبدعين العرب وحظي الإبداع النسائي تحديداً بأهمية خاصة، حيث تم في اليوم الأول للمعرض توقيع ديوان الشاعرة الكويتية الشيخة أفراح محمد الصباح «شغف أزرق» بحضور وزيرة الثقافة المصرية نيفين الكيلاني، وتم التوقيع في أجواء احتفالية اتسمت بالحفاوة والتكريم، والتركيز على الإبداع الأدبي الكويتي بوصفه رافداً ثقافياً عربياً خالصاً، يهدف إلى إثراء الوعي والفكر العربيين ويصل الشعر الكويتي بأطرافه الأخرى في البلدان الشقيقة.
ويأتي عنوان الديوان «شغف أزرق» مُعبراً عن حالة إبداعية خاصة تموج بها مشاعر وخيالات الشاعرة، التي تجنح بمفرداتها الشعرية الرقيقة إلى مسايرة التيار الحداثي الجديد، من غير إخلال بمعايير اللغة والقواعد الأساسية للشعر، فهي تُمعن في تطوير الصورة الخيالية المُرتبطة بالتضمينات الإنسانية، وتحرص على ضبط الإيقاع والموسيقى بما يلائم الجو النفسي للقصائد.
كما يبرز الإسهام الثقافي والإبداعي أيضاً في مشاركة سلطنة عُمان بجناحها الموحد الشامل لكل ألوان الطيف الفني والفكري والمعرفي، إذ يضم الجناح كل صنوف المعرفة التي تحتويها كتب الفلسفة والرواية والقصة والشعر والعلوم المُتخصصة لكبار الرموز الثقافية العُمانية، ومن بينهم أحمد بن سعود الروحي مدير معرض مسقط الدولي للكتاب، الذي وجهت إليه الدعوة من معرض القاهرة لحضور الفعاليات السنوية والمُشاركة فيها، بوصفة أحد عناصر التنظيم الثقافي والأدبي المهم في المنطقة العربية.
وبالطبع كان حضور الشاعر المصري أحمد عبد المُعطي حجازي للأمسية الثقافية، التي خُصصت له وتمت استضافته بها، بالغ الأثر والأهمية، لاسيما أنه ألقى قصيدته المهمة «أمنيات للشيء المنسي» عن فلسطين راوياً عبر أبياتها الانسيابية الشجية المؤلمة مسيرة النضال الفلسطيني، وعناد الشعب الأبي في زخم الحرب الدائرة وعنفوان القتل والدمار والتربص الصهيوني والغياب العربي، اللهم غير الظلال التي تظهر وتخبو كأنها شُهب تلمع ثم سرعان ما تنطفئ! كان للأمسية الشعرية الحجازية وقع دلالي خاص، وللقصيدة الفلسطينية روحاً ودماً وإحساساً ونبضاً، وهج أضفى حرارة وطابعاً فريداً بعث على الحزن والفرح في آن واحد، وفجّر طاقات التأييد للواقفين في خندق المقاومة العازمين على انتزاع الحق الفلسطيني بالنار والبارود والأناشيد، كأنها كل مقومات النصر يوقظها الشعر ويُفعل أدواتها ويضعها على جبهة المواجهة قبالة العدو.
وتأتي المشاركة الرسمية على الصعيد الدبلوماسي بين مصر والمملكة النرويجية قوة داعمة على طريق التعاون الثقافي المُشترك بين البلدين، وتلوح في الأفق ملامح الترويج للأدب العربي، مُتمثلة في إنتاج الأديب نجيب محفوظ، الذي تحدثت عنه كاتبة النرويج الشهيرة هانه أورستافيك بإكبار وانبهار شديدين، ذاكرة بالأخص الثلاثية المعروفة والمطبوعة في ثلاثة روايات هي، «بين القصرين وقصر الشوق والسكرية» والمصورة أيضاً في ثلاثة أفلام تحمل العناوين نفسها. لقد صرحت الكاتبة عبر العديد من وسائل الإعلام المصرية والأجنبية أن تلك النماذج من أدب نجيب محفوظ كانت دليلها إلى معرفة المجتمع المصري والإحاطة بتفاصيله الإنسانية التي لا تعرف العنصرية وتقاوم الجهل ولا تقف عند حدود جغرافية معينة، بل تتجاوز بمضامينها كل الحواجز فهي تُعبر عن هموم الإنسان وشجونه وتطلعاته وأحلامه مهما كانت ثقافته أو انتماءاته الفكرية والعقائدية، وهذه هي رسالة الأدب السامية وجوهرة الخلاق النافذ بمعانيه إلى آخر النقاط والحدود على الكرة الأرضية. ومن دواعي تعزيز العلاقة الدبلوماسية الثقافية بين مصر ومملكة النرويج أيضاً، زيارة زوجة ولي عهد المملكة، الأميرة ميت ماريت للقاهرة وحضورها افتتاح المعرض بصحبة وزيرة الثقافة نيفين الكيلاني، وقيامها بجولة خاصة تفقدت خلالها الجناح النرويجي للمطبوعات والمؤلفات الأدبية والمعرفية والكُتب المُتخصصة في شتى المجالات العلمية وغيرها، بالإضافة إلى ما أبدته من سعادة فائقة بالتنوع الثقافي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي يشمل على حد قولها العديد من ألوان الطيف، ما بين إبداعات عربية وأوروبية وشرق أوسطية وافريقية في خليط متجانس يسهم في دعم الحركة الثقافية العالمية بكل أفرعها وانعطافاتها المُختلفة، وهو ما يُمثل ذروة الانسجام بين ميول الشعوب المُسالمة الراقية ووحدتها الثقافية التضامنية، وفق المعاني الإيجابية المُستنتجة من الفن والإبداع وكل أشكال الابتكار.

كاتب مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية