الوزير شارل رزق في «اللحظة القومية العربية»: إسرائيل تسعى لاستخدام القرار 1701 كوسيلة ضغط على العرب

سمير ناصيف
حجم الخط
0

صدر مؤخراً كتاب بعنوان: «اللحظة القومية العربية» للوزير اللبناني السابق الدكتور شارل رزق تناول فيه المراحل المختلفة التي مرت بها الدول والشعوب العربية منذ نشوء الإسلام وحتى عصرنا الحالي ووضع لبنان والمنطقة حالياً.
والدكتور رزق ضالع في الشؤون العربية واللبنانية ليس فقط لكونه احتل مناصب سياسية بارزة في لبنان واختبر العمل السياسي في مرحلة قيادة الرئيسين فؤاد شهاب وشارل حلو في ستينيات القرن الماضي، كما كان وزيراً للعدل لاحقاً ما بين عامي 2005 و2008 بل لأنه يحمل شهادات أكاديمية متميزة بينها الدكتوراه في الحقوق من جامعة باريس واجازتين علميتين، الأولى من «معهد العلوم السياسية في باريس» والثانية، من «جامعة ليون الفرنسية».
ينقسم كتاب رزق إلى قسمين رئيسيين، الأول تحت عنوان: «العرب من نشوء الدولة الإسلامية إلى الاستعمار الأوروبي» والثاني عنوانه: «الحلم القومي العربي» الذي يشمل في فصوله الأخيرة تحليل رزق لانعكاسات انطلاق الثورة الإسلامية في إيران على الدول العربية، والذي سنبدأ بتناوله نظراً لشدة أهميته بالنسبة إلى الأوضاع الحالية في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي وفلسطين ولبنان خصوصاً.
يعتبر المؤلف في الفصل السابع من القسم الثاني للكتاب أن: «إسرائيل أملت بانسحابها من جنوب لبنان في عام الألفين حرمان حزب الله اللبناني من حجة قيامه في لبنان، لكن حزب الله وحكومة لبنان لم يعتبرا الانسحاب الإسرائيلي كاملاً بحجة بقاء قسم من الأراضي اللبنانية في مزارع شبعا وبلدة الغجر تحت الاحتلال الإسرائيلي. فردت إسرائيل بان الانتداب الفرنسي على المنطقة ولدى انتهاء فترة سلطته، اعتبر بان هذه المناطق تشكل جزءاً من الجولان السوري، وبالتالي، يجب التفاوض عليها مع سوريا، غير ان سوريا أعلنت في موقف لاحق لحكومتها، بانها أراض لبنانية». (ص 288).
وهذه المواقف هامة، حسب رزق، بالنسبة للدعوات الأخيرة لتطبيق القرار الدولي (رقم 1701) الذي تطالب أمريكا وإسرائيل وحلفاؤهما الأوروبيين حالياً بتطبيقه، فيما تطالب الحكومة اللبنانية وحزب الله بانسحاب إسرائيل من تلك الأراضي اللبنانية المحتلة وعدم خرق إسرائيل لبنود القرار 1701 عن طريق الاستمرار في احتلال الأراضي والقرى اللبنانية وعدم وقف تحليق طائراتها الحربية فوق الأراضي اللبنانية والارتكاب بواسطتها اعتداءات في لبنان بحجة الدفاع عن أمنها.
يعتبر رزق أن «القرار 1701 لم يطبق عملياً، إذ أن هدفه الأساسي بالنسبة لإسرائيل وحلفائها كان الضغط على الرأي العام اللبناني والسوري لتكبحا جماح حزب الله، لكون لبنان فقدَ مقومات الدولة المستقلة ما سهّل لحزب الله السيطرة على مقدرات الدولة اللبنانية». (ص 290 و291).
وفي القسم الأول من الكتاب، تتجلى مواقف رزق المتعاطفة مع الشعوب العربية عموماً، ومع الشأن الفلسطيني بشكل خاص، بحيث يقول في مطلع الفصل الخامس من هذا القسم وعنوانه «الاستيطان الإسرائيلي»: «تلازمَ الانتداب البريطاني في فلسطين مع وعد بلفور ما يعني ان هذا الانتداب قام في الأساس من أجل إقامة ما سمي الوطن القومي اليهودي وليس لتحضير العرب للاستقلال. فصك الانتداب الصادر في 24 تموز (يوليو) 1922 لم يأتِ ولو مرة واحدة على ذكر العرب. ولم يشِر إلى الشعب العربي بل إلى اللغة العربية كواحدة من اللغات الرسمية الثلاث للبلاد. أما بالنسبة إلى اليهود، فقد أشار ذلك الصك إلى العلاقة التاريخية بين الشعب اليهودي وفلسطين وحق الشعب اليهودي في إعادة بناء وطنه القومي في البلد. والهدف من الانتداب كان أن يوفر الظروف السياسية والإدارية والاقتصادية التي تضمن إنشاء وطن قومي يهودي. ونصت المادة السادسة في الصك انه على الدول المنتدبة ان تسهل هجرة اليهود وتشجع إقامتهم على أرض فلسطين. صك الانتداب وُضع بشكل حصري لمصلحة اليهود». (ص 72).
ويفضح رزق ازدواجية السياسة البريطانية في تلك الفترة (عهد الانتداب) إذ كانت تقدم وعوداً للشريف حسين بإنشاء دولة عربية واسعة وموحدة تحت قيادته وفي الوقت عينه تعد حاييم وايزمان، القائد الصهيوني وداعميه اللورد روتشيلد وامثاله، بالدولة اليهودية على أرض فلسطين. يقول رزق في ذلك: «الأشد غرابة هو اعتقاد بريطانيا آنذاك ان تمضي في سياسة مزدوجة عربية وصهيونية، وانه من المسموح للورد هنري ماكماهون المعتمد البريطاني في مصر أن يقطع الوعود للشريف حسين بدولة عربية واسعة ومستقلة تحت قيادته في حين يقدم اللورد آرثر بلفور وزير الخارجية البريطاني آنذاك، التزامات بإنشاء الوطن القومي اليهودي لوايزمان وروتشيلد. هذا الأمر يُظهر قلة اكتراث بريطانيا في مطلع القرن الماضي لشعور العرب القومي وباحتمال معارضتهم للمشروع الصهيوني». (ص 73). ويضيف الكاتب: «الأمير فيصل نجل الشريف حسين كان قلقاً إزاء الانتداب الفرنسي على سوريا ومشاريعه المخفية أكثر من قلقه على اتفاقية سايكس بيكو ولذلك اجتمع مع حاييم وايزمان في العقبة عام 1918 و1919 وقد نصحه الكولونيل الإنكليزي لورانس بذلك سعياً للحصول على اعترافه بوعد بلفور. غير ان الأمير فيصل اشترط تنفيذ حصول العرب على استقلالهم الموعود قبل أي خطوة عملية إزاء وعد بلفور». (ص 74).
ويأسف رزق لكون الخلافات العربية ـ العربية سهلت الأمور على إسرائيل في عام 1947 في حين أدركت القيادات الصهيونية آنذاك أهمية تصاعد نفوذ ودور الولايات المتحدة على حساب بريطانيا في تلك الفترة، ومالت القيادات الصهيونية لتصعيد تحالفها مع الأمريكيين على حساب البريطانيين فيما فعل القادة العرب عكس ذلك واستمروا في اتخاذ مواقف سلبية حتى في علاقتهم بالبريطانيين. (ص82 إلى 89).
ويتحدث الكاتب في الفصل الأول من القسم الثاني من الكتاب عن نشوء حركة الإخوان المسلمين في مصر بسبب سياسة بريطانيا المتقلبة بالنسبة إلى النظام المصري والعرب في مطلع القرن الماضي وحتى منتصفه.
وفي مطلع القسم الثاني أيضاً، يتناول أسباب صعود وسقوط الرئيس جمال عبد الناصر والحلم القومي العربي الناصري.
ومن أبرز الأسباب، برأي الكاتب، كانت الأخطاء التي ارتكبها عبد الناصر في تعامله مع القيادات السورية في فترة الجمهورية العربية المتحدة (1958 ـ 1961). إذ ان ناصر اختار إعطاء الأولوية في اتخاذ القرارات في سوريا إلى مبعوثيه المصريين وحلفائه في النظام السوري على حساب الأحزاب السورية التي كانت تسعى للتعاون مع النظام المصري من دون فقدانها لاستقلالية قراراتها ومواقفها وعدم ذوبانها في المد الناصري في السلطة الذي قد يختلف معها اقتصادياً وسياسياً في عدد من المجالات. كما يحلل رزق بإسهاب أسباب الانقسامات في حزب البعث العربي وخصوصاً في سوريا في فترة قيادة اللواء صلاح جديد ومن بعده الرئيس حافظ الأسد.
يقول المؤلف إن تحالف حزب البعث السوري مع الاتحاد السوفييتي اشتد وقوي بعد الانقلاب الذي أطاح بالجمهورية العربية المتحدة وأعاد استقلال سوريا عن مصر. فقد كانت السلطة في ستينيات القرن الماضي بيد مجموعة من الضباط من الأقليات السورية النافذة في الجيش. وحاول القائد صلاح جديد تعزيز نفوذه في بلده والمنطقة بالتحالف مع القيادات الفلسطينية ودعم المواقف الفلسطينية، فيما كان حليفه السابق وزير الدفاع حافظ الأسد أكثر تحفظاً في هذا المجال على الرغم أن الإثنين كانا من الأقلية المسلمة العلوية التي كانت الأقوى في الجيش. فانقسمت القيادة بين جناح داعم للأسد خصوصاً في الجيش وآخر داعم لجديد وخصوصاً لدى الجهات المتماهية مع القيادات الفلسطينية ومع الرئيس جمال عبد الناصر.
وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 1970 نفّذ حافظ الأسد انقلاباً ضد حليفه صلاح جديد وأقصاه عن السلطة وسجنه بعد فترة قصيرة من انتهاء المواجهة في الأردن بين الملك حسين والمجموعات الفلسطينية في عملية أيلول الأسود. (ص207).
وبوفاة الرئيس عبد الناصر المبكرة في أيلول (سبتمبر) 1970 بدأت مرحلة جديدة في العالم العربي تصاعدت فيها أدوار الرؤساء المصري أنور السادات والسعودي الملك فيصل بن عبد العزيز والسوري حافظ الأسد، وانتقلت الزعامة العربية (حسب رزق) من الأحادية الناصرية إلى التعددية وتراجعت القومية العربية وأحيا الرئيس السادات الخصوصية المصرية ووقّع سلاماً مع إسرائيل بعد حرب 1973». (ص208 و209).
أما بالنسبة للحرب الأهلية التي انطلقت في لبنان عام 1975 بعد مواجهة مصر وسوريا مع إسرائيل، فيقول المؤلف عنها: «انغمست سوريا بعد (حرب أكتوبر 1973) في الحرب اللبنانية التي نشبت في لبنان في نيسان (ابريل) 1975 ومرت بمرحلتين فصل بينهما نشوء حزب الله اللبناني والتحالف السوري ـ الإيراني بعد الثورة الإسلامية في إيران عام 1979. (ص 261).
ويضيف: «تكونت قناعة لدى المجتمعين الدولي والعربي بأنه لا بد من اخضاع الأراضي اللبنانية لمرجعية سياسية ما تعيد إليها الحد الأدنى من الأمن. ونمت هذه القناعة أيضاً في إسرائيل نفسها التي خشيت من ترك المنظمة الفلسطينية سيدة الموقف في جنوب لبنان، وأدركت بأن حلول سلطة الدولة السورية محل الدولة اللبنانية الغائبة أقل خطراً عليها من استمرار الفوضى اللبنانية ـ الفلسطينية، فتقاطعت بالتالي المصالح الإسرائيلية والدولية والسورية في لبنان آنذاك وبقي على دمشق أن ترفع اعتراض اللبنانيين على انتشار قواتها في بلادهم. وأمام خيار مسيحيي لبنان أما القبول باستمرار الفوضى في بلادهم أو التأقلم مع الأمن السوري، اختار زعماؤهم، ولا سيما رئيس الجمهورية آنذاك سليمان فرنجية، الطريق الثاني، ولكنهم تراجعوا عنه لاحقاً بسبب تقلب النظام السوري في تعامله معهم.

شارل رزق: «اللحظة القومية العربية»
دار النهار للنشر، بيروت 2023
319 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية