صنعاء ـ «القدس العربي»: أكدت ندوة سياسية شهدتها صنعاء، الخميس، في مقر حزب اتحاد القوى الشعبية اليمنية (إسلامي) صوابية خيارات المقاومة باعتبارها أعادت القضية الفلسطينية إلى طريقها ومسارها، بعدما كانت قد أُخرجت وصارت هامشا، ونوهت بأهمية التصعيد الشعبي العربي والإسلامي انتصارا للقضية الفلسطينية، لاسيما في ظل خفوت الصوت الرسمي إزاء ما يرتكبه الاحتلال الإسرائيلي من جرائم ومجازر في قطاع غزة، و«آخرها ما يحضر لمدينة رفح في ظل صمت عربي واسلامي رسمي مخزٍ».
وأكد المشاركون في الندوة، التي تناولت قضية فلسطين في فكر وأدبيات حزب اتحاد القوى الشعبية اليمنية، أن السابع من أكتوبر أعاد ترتيب أولويات القضية الفلسطينية، وأعادها وفق رؤية واضحة وجلية إلى مقدمة اهتمامات الوعي العربي والاسلامي الراهن، بعدما كانت قد تراجعت، بفعل عوامل عديدة استجابت لها الأنظمة العربية الإسلامية، وصولاإلى تماهي بعض هذه الانظمة مع مشروع التطبيع، الذي لا يمكن اعتباره سوى اعترافا عربيا بالهزيمة أمام إسرائيل، وتحييدا للقضية الفلسطينية وتهميشها تمهيدا لتصفيتها تماما. وفي السياق توقف المشاركون أمام دور اليمن في علاقته بالقضية الفلسطينية انطلاقا من علاقة مؤسسي الاتحاد بالقضية وقيادات فلسطينية تاريخية.
ذكرى الحسيني وياسين في اليمن
وأشاروا إلى أن أعمال المقاومة كرّست حق الفلسطينيين في التحرر والاستقلال على مستوى العالم، بعدما كانت هذه القضية قد أصبحت ملفا أمنيا واقتصاديا.
ونوهوا بالموقف العالمي في عواصم مختلفة في الغرب والشرق، الذي صار يتصاعد داعما لمظلومية فلسطين، في مواجهة الموقف الغربي الرسمي، الذي مازال ينتهج سياسة الكيل بمكيالين في علاقته بمظلومية يتجاوز عمرها سبعين عاما.
في كلمة مسجلة لنائب رئيس المجلس الأعلى للاتحاد، زيد بن علي الوزير، بعنوان «فلسطين من خلال نظرة الحاج أمين الحسيني والشهيد أحمد ياسين» توقف أمام محطات من حياة الحُسيني وياسين، وما حققاه للقضية الفلسطينية. وقال:» كان الحاج أمين الحسيني زعيماً إسلامياً بكل معنى الكلمة، وكان مجاهداً فلسطينياً بكل ما يعني الجهاد من معنى، وقف ضد الاحتلال البريطاني مقاوماً صلباً واعياً يدرك أبعاد المؤامرة الغربية، وما ترمي إليه من احتلال فلسطين، فقاومها بكل جهده وطاقته، وحشد لها علماء المسلمين من انحاء العالم، وعقد مؤتمرا لهم في القدس أظهر وحدة الشعوب الإسلامية وتعاونها، لكن البريطانيين أدركوا إنه إذ ظل هذا الزعيم يقود القضية الفلسطينية بهذه الرؤية الإسلامية، فلا مجال للصهيونية أن تحل في فلسطين، ولكي ينهو هذا التوجه المقاوم حكموا عليه بالإعدام، لكنه تمكن من الخروج من فلسطين، ومضى يضرب في الأرض مجاهدا من أجلها يتلمس العون من كل محل لإنقاذها، غير غافل عما يدور في عالمه الإسلامي من مؤامرات وخطوب، فيعمل من أجل خلاصها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً».
وأضاف: ولما دخل الصهاينة فلسطين قام الحاج أمين – وكان وقتها في دمشق- بجهد مشكور في قيام المقاومة الشعبية الباسلة، التي شنت الغارات وقاومت الصهاينة وبريطانيا بكل قوة، وسقط شهداء كثيرون منهم ابن عمه البطل عبد القادر الحسيني، ولما بلغه استشهاده لم يوقفه الحزن عليه لحظة واحدة للتفتيش عمن يخلفه.
وأكد: كان الحاج أمين الحسيني يرى أن أي مشكل في العالم العربي أو الإسلامي يضر بالقضية الفلسطينية، ولهذا نراه عندما اندلعت الحرب بين الإمام يحيى حميد الدين والملك عبد العزيز، هبَّ مع مجموعة من الزعماء للصلح بينهما، ونجح في إيقاف الحرب.
وقال: «غنم الحاج أمين وجوده في اليمن فالتقى بزعمائها، وشرح لهم أبعاد القضية ومراميها وترك وراءه الكثير من الأصدقاء «.
أطلقوا دعوة للتصعيد الشعبي العربي والإسلامي انتصارا للقضية الفلسطينية
وأشار إلى أن «مؤسس حزب اتحاد القوى الشعبية اليمنية إبراهيم بن علي الوزير كان يتابع نشاط الحاج أمين الحسيني من خلال الراديو والجرائد، التي تصل إلى أبيهما من فلسطين ومصر فيتأثر بخطاه، ويعجب بمسعاه، ويتمسك بطريقه، ومن ثم تأثرنا نحن الصغار بما كنا نسمع منه، ومن ابنيه، فأكبرنا جهاده الأمين في نفوسنا الصغيرة. وبقيت تلك البذور تنمو مع نمونا. ولما غادرنا اليمن فيما بعد، كان همنا الأول هو أن نجتمع بهذا الزعيم الفذ، وفي بيروت كانت لنا اجتماعات دورية بسماحته في مائدة بيته الكريمة أو في محل إضافته لأصدقائه الكثر الذين يفدون الى بيروت. كنا نجتمع به ونستمع بشغف إلى حديثه العذب العميق، فنزداد إكبارا واعجابا بصموده رغم ما يحيط به من أخطار جسام. وإلى جانب ذلك كنا نقرأ مجلته ومنشوراته ورسائله».
وقال: كان كل عام يعقد مؤتمرا إسلاميا، فكان يدعونا إليه، ونلبيه بسعادة غامرة، وكان يحضر المؤتمر علماء وشخصيات من كل أنحاء العالم الإسلامي، مؤكدا بذلك إسلامية القضية الفلسطينية.
ويستطرد: يلتحق الحاج أمين بربه وتمر بضع سنين، وبينما القضية الفلسطينية تراوح مكانها بل وتتأكل، يظهر إلى الوجود الشهيد الشيخ أحمد إسماعيل ياسين، الذي يُعد من أعلام الدعوة الإسلامية في فلسطين، ومؤسس ورئيس أكبر جامعة إسلامية فيها «المجمع الإسلامي» في غزة، ومؤسس حركة المقاومة الإسلامية، وزعيمها حتى استشهاده في 22مارس/اذار 2004.
وتابع: كان الصهاينة والصليبيون يرون في حركة هذا الزعيم خطرا داهما على مخططهما، وفي دعوته امتدادا لحركة الرعيل الأول من أمثال الزعماء الكبار الحاج أمين والقسام وغيرهما، وأن هذه الدعوة الجديدة تسري بين الفلسطينيين بسرعة، وتتجاوب معها الشعوب الإسلامية بسرعة، فكان الحل عند العدو هو اغتيال الشيخ أحمد ياسين ظنا أن قتله سيطفئ حركته، ولم يعلم أن القضية الوطنية قد شبت عن الطوق، وأن التعامل معها ليس مثل غيرها، ولهذا فالحركة المباركة قد ازدادت نمواً، وكبرت حجماً، وتوثقت عقيدة، حتى نراها اليوم ممثلة في أبطال جدد: السنوار ونخالة و الضيف، وغيرهم حيث نراهم اليوم يقاومون الصهيونية والصليبية معا بثبات لم تعرفه البشرية من قبل».
محاولات تمييع القضية
السياسي لطف قشاسة، أحد قيادات الاتحاد استعرض في ورقته واقع القضية الفلسطينية في فكر وأدبيات حزبه، وقال: لقد ظلت القضية الفلسطينية الشغل الشاغل للشعوب العربية والاسلامية الحرة منذ النكبة عام 48، حيث اعتبرتها تلك الشعوب القضية المركزية الأولى، وتفاعلت بإيجابية تامة مع تحركات الانظمة الرسمية منذ الوهلة الأولى، بل وتدافعت المجاميع في القتال على أرض فلسطين، فيما عُرف بحروب التحرير بعد النكبة وما بعدها.
وأشار إلى أن الشعب اليمني كان من تلك الشعوب التي أرسلت المقاتلين إلى فلسطين. وقال: «إلى جانب الحراك المسلح كان هناك حراك سياسي وثقافي قادته النخب السياسية والفكرية والثقافية ممثله بقادة الأحزاب والمنظمات الجماهيرية وعلماء الدين دعما ومساندة للحق العربي في استرداد الأرض المغتصبة، ومقاومة جميع وسائل تمييع القضية، وحرف الإرادة الجماهيرية للأمة، التي ظلت متمسكة بثوابتها الرافضة لحرف بوصلة الصراع العربي الصهيوني إلى القبول بالأمر الواقع، والتسليم بحقيقة وجود الكيان الغاصب، وضرورة التعايش معه، بعدما تراجعت مواقف الكثير من الانظمة والحكومات العربية والاسلامية عن مساندة هذا التوجه الثابت، الذي يعتبر قضية فلسطين هي القضية الأولى».
وأضاف: «صحيح أن القضية الفلسطينية ومنذ النكبة إلى اليوم قد مرت بمؤامرات خطيرة أوصلتها في آخر المطاف إلى أن تُحشر في زاوية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني،، خاصة بعد مؤتمر مدريد وأوسلو، وعملية الأرض مقابل السلام، مرورا بتدافع عجلة التطبيع من قبل ما يُعرف بدول الاعتدال العربي، التي سلمت القضية الأم ليتلاعب بها الكيان الغاصب مع سلطة ضعيفة، إلا أن جميع تلك المحاولات قد باءت بالفشل، بعد أن نهضت من ثنايا عمليات البيع والتخاذل العربي جماهير الأمة لتحمل مشروع الجهاد والمقاومة، بعد أن اعتقد الجميع أن القضية الفلسطينية أصبحت أثرا بعد عين، وهو ما نشهده اليوم من نتائج توحي بقرب زوال الكيان الغاصب، خاصة عقب عملية السابع من اكتوبر (عملية طوفان الأقصى) وما احدثته من تداعيات أعادت للذاكرة البدايات الأولى للقضية بأنها القضية المركزية الاولى للامتين».
فيما تناول أمين عام الاتحاد، محمد سلطان، القضية الفلسطينية ضمن أولويات حزبه وباعتبارها القضية المركزية للأمة العربية والإسلامية ومنها الشعب اليمني، لافتا «إلى أن الجرائم التي يرتكبها الكيان الصهيوني في قطاع غزة قد كشفت نفاق القوى المتحكمة، وأسقطت كل أقنعة الأنظمة الغربية والعربية المطبعة، وهي تقدّم نفسها كأداة رخيصة لخدمة الصهيونية على حساب الدم الفلسطيني العربي والمسلم».
لماذا طوفان الأقصى؟
وفي ورقة ممثل حركة المقاومة الإسلامية (حماس) معاذ أبو شمالة، أجاب فيها على سؤال «لماذا طوفان الأقصى؟» واستعرض ما كانت عليه القضية الفلسطينية، والمراحل التي مرت بها، بدءا من أهمية فلسطين كأرض الإسراء والمعراج، وتضم المسجد الأقصى أولى القبلتين، كما أنها قضية شعب أُخرج من أرضه بالقوة والنار، وعجز العالم عن ضمان حقوقه، ولازالت أرضه تعاني من أسوأ احتلال في هذا العالم.
وقال: المشروع الصهيوني هو مشروع احتلالي عنصري تأسس على تصريح باطل، وهو امتداد للصراع الحضاري بين الأمة والمشروع الغربي الاستعماري.
وأشار إلى أن «حركة حماس هي حركة تحرر وطني فلسطيني تهدف لتحرير فلسطين ومواجهة المشروع الصهيوني، ومرجعيتها الإسلام في منطلقاتها وأهدافها ووسائلها».
واستعرض الواقع الفلسطيني قبل 7 أكتوبر/ تشرين الأول بدءًا من قيام الثورة الفلسطينية منذ 1920 ضد الاستعمار البريطاني، ثم ضد الاحتلال الصهيوني، وصولا إلى خروج المقاومة من بيروت عام 1982، وارتفاع صوت ما يسمى «الواقعية السياسية» والبحث عن الحلول السلمية، ثم توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993م، «وأصبح هناك مشروعان (التسوية أو المقاومة)».
وقال إن المشروع «المقاوم» في غزة أدى إلى حصار قطاع غزة منذ 2007، وصولا إلى احتضان مشروع المقاومة وتطورها، بينما بقي مشروع «التسوية» في الضفة لم يقدم للفلسطينيين أي مكاسب، ولم تقم دولة فلسطينية، مع زيادة عدد المستوطنين في الضفة، فكانوا 80 ألف في عام 2012 وصاروا 500 ألف مستوطن في عام 2023، وزيادة عدد المستوطنات، وصعوبة تنقل المواطنين الفلسطينيين، واستباحة القدس والمقدسات، وفشل مسار التسوية في انجاز الحد الأدنى من الحقوق الوطنية، وتآكل شرعية السلطة، وانحصارها في الوظيفة الأمنية للاحتلال.
وأضاف: على الصعيد الصهيوني، صعد التيار المتطرف لقيادة الحكومة الإسرائيلية، وظهر الوجه القبيح للمشروع الصهيوني، وأسهمت الحكومة المتطرفة في زيادة الشرخ في المجتمع الصهيوني ذاته، وكان من أهداف الحكومة السيطرة على المسجد الأقصى، وبناء الهيكل المزعوم، وزيادة في عدد الاقتحامات والمقتحمين، والاعتداء على المرابطين والمرابطات في الأقصى، والسيطرة على القدس، كعاصمة موحدة للكيان، وإفراغ الأحياء الفلسطينية من سكانها، وظهور مشاريع استيطانية كبرى في الضفة (2 مليون مستوطن) ودعم مشاريع التطبيع في المنطقة، وإحداث اختراقات في أمتنا العربية بعيدا عن استحقاقات القضية الفلسطينية، وتعامل بعض العرب مع القضية الفلسطينية كقضة اقتصادية وأمنية.
وقال: لكل ما سبق كانت معركة طوفان الأقصى خطوة ضرورية لمواجهة ما يُحاك من مخططات تستهدف تصفية القضية الفلسطينية، وتهويد الأرض وحسم السيادة على الأقصى، وانهاء الحصار على قطاع غزة، واستعادة الحقوق الوطنية وإنجاز الاستقلال والحرية كباقي شعوب العالم.
وأكدت أوراق ومداخلات الندوة، أن الموقف اليمني منذ البداية، كان داعما للقضية الفلسطينية، ويوليها جل الاهتمام باعتبارها في صدارة قضاياه واهتماماته القومية والإسلامية.