فيلم «العملاق» وجرائم الشيطان الذي يسكن المُثقف!

المُثقف ليس هو دائماً الشخص المثالي الموثوق فيه، لكنه كغيره من البشر يُحتمل أن يكون طرفاً في جريمة ما فهو إنسان تحكمه غرائز وشهوات وأطماع، فإذا لم يقاوم كل هذه النوازع، صار مُنحرفاً، ربما أكثر ضراوة من غيرة بحكم تميزه الثقافي ووعيه الفارق في التصرف والسلوك والتدبير.
تلك هي الفكرة المحورية التي دارت حولها أحداث فيلم «العملاق» للمخرج أحمد السبعاوي، الذي أنتج في عام 1987 وأسندت بطولته إلى عادل أدهم وصلاح السعدني ورغدة وسوسن بدر. فالصراع بدأ بين البطلين الرئيسيين في موطن العقاب، حيث اجتمع الاثنان عادل أدهم «زكي رياض» المُلقب بالأستاذ، وصلاح السعدني «حسن» المُثقف المثالي الذي ترتبط حياته بالكتب والاطلاع الدائم بحكم عمله كعامل طباعة مُتخصص يتأثر كثيراً بآراء الكُتاب والمُفكرين، ويقبض على جمر الاستقامة ويرفض التهاون والمُقايضة على مبادئه بالمال الحرام، والثراء السريع بطُرق ملتوية وغير مشروعة.
بدأت التحولات السلبية أثناء قضاء عامل الطباعة فترة العقوبة داخل السجن لأسباب تتصل بطبيعة عمله، ولم يتم الإفصاح عنها بشكل مباشر، إذ يحاول رفيق الزنزانة عادل أدهم وهو الكاتب الأشهر الحصول على إفراج مؤقت لبضع ساعات ليتمكن من رؤية ابنه المريض، ونظراً لأنه سجين يتظاهر بحُسن السير والسلوك تتم الموافقة على طلبه من مأمور السجن، وهنا تكون بداية المؤامرة من شريكته رغدة التي ترتب لهروبه خارج مصر بمعاونة أصدقائها بغرض الحصول على المجوهرات المسروقة.

في الوقت نفسه يحصل صلاح السعدني أيضاً على إجازة لمدة 12 ساعة لرؤية والده المريض «عبد السلام محمد» فهذا التزامن بين خروج السجينين في ظرف استثنائي مُتشابه يسمح للمثقف الكبير عادل أدهم بالتدبير لتوريط زميله وتلميذه النجيب في الهروب من السجن، قبل انتهاء العقوبة، مُبرراً ذلك بالعديد من الآراء الفلسفية الخادعة والدافعة إلى ارتكاب جريمة أخرى، محاولاً تفعيل مهاراته في السفسطة والمراوغة والتضليل، لكن صلابة المُثقف الآخر «حسن» أو صلاح السعدني تحصنه من الوقوع في الجريمة وتمنحه القوة الكافية لمقاومة الانحراف، وهي إشارة إلى إيجابية الشخصية السوية، حتى لا يتم تعميم المفهوم السلبي عن طبيعة المُثقف كعنصر يمتلك مقومات الفساد والإفساد، تبعاً للحالة الدرامية الافتراضية والجدلية.
التناول الدرامي بهذه الكيفية والتعرض لقضية من هذا النوع، مثّل في حينه قفزة إبداعية استهدفت تشريح الفئة المتميزة والأكثر وعياً والمنوط بها التفتيش في خبايا المجتمع، والبحث عن مكامن الأزمات، ما يعد نقداً ذاتياً وجهه صُناع الفيلم في وقت مُبكر لمجتمع المُثقفين عبر السينما كوسيط جماهيري شديد التأثير وساري المفعول. ومن دواعي الإقناع والعمل على تعزيز متانة القاعدة الاجتماعية العريضة وتدعيمها أن الشخصية النسائية المُنتمية للمستوى الشعبي البسيط، التي جسدتها سوسن بدر كزوجه لصلاح السعدني، كانت هي الأقوى مقارنة بنظيرتها رغدة، سيدة الأعمال الضالعة في عملية التهريب ومحور الارتكاز في خُطط التآمر والسرقة، وكل أشكال الخروج على القانون، الأمر الذي يُعيد النظر في دور المرأة الثرية كشخصية غير متوقعة في الجريمة، وفق قناعات الغالبية العُظمى من أبناء المجتمع الأرستقراطي الذي يستبعد تورط الهوانم في مثل هذه المُشكلات والعمليات الجنائية.
قدم فيلم «العملاق» المُقتبس في نسخته المصرية الثانية، الذي جاء عنوانه مرادفاً لعملقة الأفكار والجرائم، نموذجاً لجسارة البطل المُثقف المُنحرف بقدراته الخارقة في التلون السلوكي ما بين إدعاء الفضيلة والنزاهة، والجبروت في تنفيذ جرائمه بثبات انفعالي مُنقطع النظير. وبامتداد المعنى الكلي عن الفساد الذي طال الحياة الثقافية وانسحب على مُعظم فئات المُجتمع، ألمح المخرج أحمد السبعاوي إلى سوء الأحوال وتغير المفاهيم الاجتماعية، في عدد من المشاهد مُشيراً إلى دور حسين الشربيني صاحب المطبعة، الذي اتجه إلى طباعة الكتب الصفراء وغيرها من المطبوعات الاستهلاكية الأخرى، كبديل للروايات والقصص وكتب البحث العلمي والمطبوعات التربوية، حيث تسببت سياسة الانفتاح الاقتصادي قبل عدة سنوات في تراجع القيم والأخلاق وإهمال العلم والفكر والثقافة، ما أتاح الفرصة للنشاطات المعادية للازدهار والنهوض.
لقد كانت الرسالة السينمائية قوية واضحة، لا تحتمل اللبس أو التأويل، رغم أن الفيلم اعتبر إبان عرضه الأول في ثمانينيات القرن العشرين، واحداً من الأفلام التجارية ولم يحظ بالتقييم النقدي، الذي يُدرجه في قائمة الأعمال المهمة، باعتباره وجّه نقداً صريحاً للسياسات الاقتصادية والأجهزة الداعمة لها آنذاك، غير أنه هاجم الانفتاح وحمله مسؤولية المُتغيرات السلبية الحادة التي طرأت على المجتمع المصري، وغيّرت من تركيبته القيمية والثقافية والإنسانية، وأودت بمستقبل الفقراء فزادتهم فقراً على فقرهم وقضت على طموحهم الجماعي في تحقيق الرفاهية بشكل طبيعي وبطريقة عادلة وسوية.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية