أخذ التعاون المصري السعودي في مجال الثقافة والفنون شكلاً رسمياً على مستوى البلدين، بعد تبلور الفكرة ووضوح معالمها الإبداعية، وهو ما يعد مكسباً اقتصادياً وفنياً كبيراً من شأنه أن يعم المنطقة العربية بأكملها، إذ لم يعد الفن مجرد مادة للتسلية والترفيه، وإنما صار، بفعل الحسابات الجديدة والدقيقة للمؤسسات، يُمثل مشروعات ربحية فائقة العائد إذا ما تمت العناية به وأحسن توظيفه.
وفق هذه القواعد دخلت الاتفاقات الفنية والإبداعية بين مصر والمملكة العربية السعودية حيز التنفيذ، إذ أقيم حفل كبير في دار الأوبرا المصرية مؤخراً، حضرته نيفين الكيلاني وزيرة الثقافة المصرية وعدد كبير من رجال الفكر والثقافة، وقد رحبت دار الأوبرا بالمستشار تركي آل شيخ راعي المشروع ووزير الثقافة السعودي ومجموعة كبيرة من صُناع الفن والإبداع من البلدين الشقيقين.
ويمكن القول إن غالبية نجوم الوسط الفني المصري حضروا الحفل بالفعل، بما يُشير إلى إجماع مُعظم الآراء على مشروع الشراكة المصرية السعودية في المجال السينمائي والمسرحي والغنائي والدرامي، وذلك لتحويل المُنتج الثقافي العربي إلى صناعة ثقيلة مضمونة العائد والنتائج، وهي خُطة استثمارية مدروسة، من المتوقع أن تؤتي ثمارها في السنوات القليلة القادمة.
وتفتح هذه الشراكة في المجالات الإبداعية آفاقا جديدة تستوعب الطاقات الإبداعية البشرية في القاهرة والرياض، وتشمل بالطبع العواصم العربية الأخرى، لا سيما أن التجربة من الممكن أن يتم تعميمها بعد قياس درجة نجاحها والتثبت من صلاحيتها المُستدامة.
وبشكل ما ستُنافس التجربة الثقافية العربية المشتركة مُنتجات الاتحاد الأوروبي المُماثلة في السينما، باعتبار أن السينما هي الضلع الأساسي في منظومة الإبداع المشترك، وهو الأمر الذي يضع الناتج الإبداعي في الصدارة العالمية، ويؤكد اعتباره وجدواه على مستويات أكبر بكثير من التأثير الإقليمي.
اللافت أن النجوم المُراهن عليها في السينما والغناء والمسرح هم من حضروا الحفل الكبير في دار الأوبرا مثل عمرو دياب ومحمد ثروت ومحمد الحلو وشيرين عبد الوهاب وأنغام وليلي علوي ودُرة وكريم عبد العزيز ومدحت صالح ومحمد منير، والأخير أصر على الحضور على الرغم من إصابته بكسر في ذراعه، وذلك لاحترامه الدعوة وتأييده للمشروع الجديد، الذي تُعلق عليه النخبة المُثقفة آمالاً عريضة، بوصفه مشروع القرن الثقافي والفني والإبداعي المُعزز للعلاقات المصرية السعودية والعلاقات العربية – العربية، في ضوء استهدافه لاستغلال القوة الناعمة وتحويلها إلى قوة استثمارية اقتصادية فاعلة.
ومن دواعي الاهتمام بالمشروع المصري السعودي أنه يُمثل حماية قوية للنشء الجديد من تيارات الإسفاف والابتذال والسوقية، التي تهدد الثقافة الغنائية والسينمائية والمسرحية وتؤدي إلى «تهييفها» وتدنيها وافتقادها لكل تأثيراتها الإيجابية المأمولة والمنشودة.
وفي ما يخص المحاور الأخرى المُتصلة بالمشروع الفني الكبير المُزمع إقامته بين مصر والمملكة العربية السعودية يُمكن التنبؤ بحدوث مُتغيرات تطرأ كانعكاس أو صدى لنجاح الشراكة، حيث إشعال المنافسة بين العواصم العربية الأخرى، التي تسعى لاكتساب مزايا مهمة في هذا المضمار كدولة الإمارات العربية، على سبيل المثال، خاصة أنها تهتم بالجانب الثقافي، وتعمل منذ سنوات على إقامة المهرجانات السينمائية والغنائية لتعزيز دورها الثقافي، في إطار التنشيط المستمر له بطُرق تطويرية مختلفة.
ولا شك أن ذلك سيُحفز دولا عربية مماثلة كالكويت وقطر والبحرين على الاهتمام بالمُصنفات الإبداعية ذات العائد الثقافي والربحي، مثل الدراما التليفزيونية، باعتبارها سلعة رائجة بقوة الآن، في ظل تعدد نوافذ العرض، والحاجة القوية لإشباع رغبات الجمهور في الفرجة والاطلاع على نماذج مُتعددة في موضوعاتها ومعانيها وجوهرها.
وربما المُتابع للجديد في الخريطة الدرامية المصرية والعربية المُرتقبة يُمكنه استيعاب ما يترتب على صياغة الأفكار الإبداعية في المجال الدرامي من قفزات اقتصادية، يتوقع أن تكون غير مسبوقة، وأنها ستؤدي إلى سد العجز في الميزانيات المُتعلقة بأوجه الإنفاق المُغايرة، وهناك مشروعات مُماثلة في دول محدودة الموارد، استطاعت أن تُنقذ اقتصادها وتوفر أرباحا هائلة من خلال الاستثمار الدرامي على مدار العام كله.
ولعل تجربة «الأوف سيزون»، التي تم تطبيقها مؤخراً في مصر أثبتت دقة المُعادلة الاقتصادية، وأحدثت توازناً حقيقياً في ميزان المصروفات والأرباح، التي فاقت الحدود المتوقعة، بعد نجاح المُسلسلات، التي تم إنتاجها وعرضها على مدار العام كله، وكسرت طوق الاحتكار للمنتجين التقليديين، الذين اعتادوا على إنتاج الأعمال الرمضانية بشكل دوري، باعتبار شهر رمضان هو الموسم الرئيسي، وفق القاعدة القديمة المعمول بها منذ سنوات طويلة، قبل أن تتفتق الأذهان عن أوجه الاستثمار والمُراهنات غير التقليدية.
كاتب مصري