في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات قدم عادل إمام مجموعة من الأفلام السياسية مع الكاتب وحيد حامد والمخرج شريف عرفة، اتسمت بالجرأة والنقد اللاذع لسياسات الحكومة المصرية والنظام الحاكم آنذاك، وربما كان أبرزها فيلم «المنسي». فقد وجه البطل فيه خطاباً صريحاً لرئيس الدولة، في سياق الأحداث، اتسم بالجرأة الشديدة، إذ تخيل البطل نفسه رئيس جمهورية، وأمعن في توجيه الرسائل المُشفرة أحياناً، والواضحة أحياناً أخرى، عن غياب العدالة الاجتماعية، وعن الظُلم الواقع على المواطنين البسطاء، في ظل هيمنة الكبار، وعدم وجود حماية اجتماعية، أو أي نوع من أنواع الكفالة.
كما قدم عادل إمام أيضاً فيلم «اللعب مع الكبار»، الذي قام بنفس المهمة، وتناول المُعطيات والتوصيات السياسية والاجتماعية المهمة. وكرر المحاولة أكثر من مرة في أفلام أخرى لها الاعتبار ذاته، مثل «السفارة في العمارة» و»هالو أميركا» وغيرها. لكن فيلما آخر، كان نوعياً ومُختلفاً، لم يلتفت إليه النُقاد بالشكل المطلوب، واغترب معه الجمهور اغتراباً بدد الهدف، وأضعف الاتصال بين المُرسل والمُستقبل.. هذا الفيلم هو «رسالة إلى الوالي»، الذي كتبه بسام إسماعيل، وأخرجه نادر جلال، وأنتج عام 1998، وشارك في بطولته محمد الدفراوي وسعيد عبد الغني ومصطفى متولي وعلاء ولي الدين وعلاء مرسي.
ولأن الفيلم ينطوي على فكرة مُركبة إلى حد كبير، لم يسهل استيعابه. فهو يقدم بأسلوب فانتازي كوميدي ساخر حكاية جندي مصري يُلقب بفارس فرسان رشيد، اسمه حرفوش ابن برقوق الراكب دار، يتم إيفاده من قبل أعيان مدينة رشيد إلى والي مصر محمد علي باشا، في سنة 1805 ميلادية، ليطلب منه المدد والحماية، لمواجهة الغزو الانكليزي لمصر عبر البحر المتوسط.
وبالتقاط الخيط الدرامي التاريخي ينسج الكاتب أحداث الفيلم على منوال الكوميديا والسخرية، مُستخدماً لغة الإسقاط السياسي على الواقع المُعاصر، في أواخر القرن العشرين، ليربط الماضي بالحاضر، مُستغلاً دلالة الأثر الموجود بالفعل لبيت حرفوش ابن برقوق، الكائن في حي الجمالية في القاهرة.
وعلى قاعدة التشابه الافتراضي بين الزمنين يبدأ الكاتب بسام إسماعيل مع المخرج نادر جلال صياغة الأحداث بصورة كوميدية عبثية، مفادها أن العدو المُتربص بمصر ومُقدراتها واستقرارها لم يتغير منذ مئات السنين، فما تزال القوة الخارجية الاستعمارية تُمارس هوايتها في محاولات الاستبداد بالشعب، ونهب ثرواته، وتهديد أمنه واستقراره.
فعلى الرغم من تغير الشكليات والآليات والأزمنة، تبقى الأطماع هي الأساس في علاقة مصر بالدول الغربية والقوى الامبريالية، وينسحب ذلك على كافة دول المنطقة العربية، إذ لا فرار من سيطرة الطامعين في الثروات والمُقدرات.
فحرفوش الجندي الوطني المصري، القادم من عمق التاريخ، بثقافته الفطرية البدائية، والمُغترب في زمن الحضارة والحداثة، جاء ليحذر من مغبة التفريط والتهاون، ويسعى بكل ما أوتي به من قوة للوصول إلى الحاكم، الذي يتصور أنه ما يزال موجوداً في القلعة، التي تُمثل محل الإقامة والحصن الحصين للدولة ونظام الحكم في الأزمنة الماضية.
ويلعب الكاتب على التناقضات الثقافية، والمُفارقات الزمنية والعصرية، فيبدو البطل كائناً غريباً همجياً، لم يجد من يتواصل معه، وهو يرتدي الملابس التقليدية للفارس القديم، ويتقلد أسلحته البدائية: الدرع والخنجر، ويواصل تحركاته وهو على ظهر فرسه القوي المُطهم، مُتطلعاً إلى الناس في دهشة واستغراب، وهم يرمقونه بعيون حائرة، تُطل منها عشرات الأسئلة عن طبيعة ذلك الإنسان المُختلف، الذي هبط عليهم فجأة، مُتجاوزاً هوة الزمان والمكان.
يعتمد الفيلم في لغة التوضيح والاستفسار على شخصية الممرضة إيناس (يسرا)، التي تستوعب ما يحدث، وتُدرك طبيعة الزائر الغريب، الذي تخطى حدود التاريخ وحواجزه، وجاء لينبه من الكوارث القادمة، ويجدد عهد المقاومة، ويبدل سياسات التطبيع والمُهادنة، بوقفات الدفاع والتصدي والمقاومة، كأنه يُشير للدروس المُستفادة من التاريخ، بدعوته لتوحيد الصفوف، برغم استهجان العامة من الناس، واتهام السُلطات العصرية له بالعنف والإرهاب تارة، والجنون تارة أخرى، كونه مُغايراً في شكله ومظهره ولغته وسلوكه.
ربما في هذه الجزئية بالذات يمد الكاتب بسام إسماعيل خط الرمزية، مُنتقداً أساليب التعامل الأمني مع المُعضلات الرئيسية، حين يستعصي حل المشكلة. فالتفسيرات الجاهزة للمُعطيات الدالة على الأزمة، لم تكن أبداً في صالح القضية أو الوقائع المراد تدارسها بحكمة ووعي، فغالباً ما يحدث سوء تفاهم بين السُلطة والناس، على هذه الخلفية، في ظل فقدان البوصلة الحقيقية للاتجاهات.
ولأن تحقيق التوازن الكامل في معيار العلاقة بين الحُكام والمحكومين غاية مستحيلة، تنتهي أحداث الفيلم، الذي جمع بين الكوميديا و»الأكشن» والخيال نهاية مفتوحة، إذ يعود البطل حرفوش ابن برقوق الراكب دار، إلى غياهب الماضي والتاريخ، بعد فشله في توصيل رسالته إلى الوالي، أي والي، وأي رئيس، ليبقى المعنى واضحاً: أننا لسنا في زمن الفرسان، فلا مكان إذن للرمح والدرع والسيف والفرس!
كاتب مصري