صنعاء – «القدس العربي»: يمثل شهر رمضان الموسم التنافسي للقنوات الفضائية اليمنية لتقديم أعمالها الدرامية المحلية بهدف الفوز بأعلى نسبة مشاهدة محلية للحصول على عائد إعلاني مجز، وللأسف ما يتم عرضه هو من إنتاج هذه القنوات إلا ما ندر، وبالتالي فشركات الإنتاج المحلية ليست سوى منتج منفذ، وتلك مثلبة تسهم في حصر الدراما اليمنية في ميزانية إنتاجية بسيطة تنعكس سلبًا على الرؤية الإنتاجية والإخراجية، وبالتالي تراجع المهنية في التعامل مع التفاصيل الفينة.
تفرض القنوات الفضائية، بما تحدده من ميزانية للمنتج المنفذ، اختصارًا كثيرًا من التكاليف والاعتماد على عناصر أحيانًا تكون غير احترافية، وهو ما لا ننكر معه حصول تطور ملحوظ ومحدود نوعيًا في أعمال الثلاثة الأعوام الأخيرة.
استطاعت الدراما اليمنية أن تحقق تقدمًا كميًا في معظمه مع تطور نوعي بسيط خلال سنين الحرب، بفضل تزايد عدد القنوات الفضائية، التي فرضها تعدد سلطات الحرب، ولولا تعدد القنوات لظل الإنتاج الدرامي اليمني محصورًا في عمل أو عملين أو ثلاثة سنويًا، بينما صار عدد ما يتم إنتاجه لرمضان سنويًا يتجاوز العشرة أعمال، ومن بين هذه الأعمال يبرز عمل أو عملان بمستوى احترافي محدود لكنه لافت مقارنة بالواقع.
ما زال إنتاج المسلسل في الدراما اليمنية مقصورًا على مبالغ بسيطة تحددها القنوات الفضائية، إذ لا تصل كلفة إنتاج المسلسل إلى ربع مليون دولار أمريكي، باستثناء مسلسل “ماء الذهب” الذي وصل إلى نصف مليون دولار، علاوة أن المنتج المنفذ يريد مكسبًا لا يقل عن ثلث المبلغ، وبالتالي لا يلتزم بعناصر إنتاج احترافية وعوامل تجويد مهنية، ونتيجة لذلك يخرج العمل خفيف الوزن مهنيًا، مع استثناءات قليلة جدًا، لا يمكن الاعتداد بها كتحصيل تراكم عقود من عمر الدراما التلفزيونية في هذا البلد.
زهاء نحو عشرين قناة فضائية يمنية ويمكن أكثر، ومعظمها تنافس من خلال مسلسل أو أكثر، وبالتالي يتجاوز عدد الأعمال الدرامية التلفزيونية اليمنية الرقم عشرة، وهذا ما لم يكن معهودًا قبل الحرب الراهنة.
من أبرز مسلسلات هذا العام: مسلسل “ممر آمن” من إخراج ياسر الظاهري وإنتاج قناة يمن شباب، وسيعرض على قناة العربي 2 أيضًا، وهي القناة العربية التي تعرض مسلسلًا دراميًا يمنيًا للعام الثاني على التوالي، ومسلسل “لُقمة حلال”، وهو مسلسل اكشن وإثارة للمخرج محمد فاروق من إنتاج قناة السعيدة، ومسلسل “قرية الوعل” من إخراج معتز حسام وإنتاج قناة الجمهورية، ومسلسل “رمال ساخنة”، وهو مسلسل بدوي للمخرج وليد العلفي وإنتاج قناة السعيدة، ومسلسل “القريب بعيد” للمخرج عبدالرحمن دلاق من إنتاج مؤسسة الإمام الهادي، وسيعرض في قناة المسيرة، ومسلسل “خروج نهائي” للمخرج محمد الربع من إنتاج قناة المهرية، ومسلسل “حراس البحر”، وهو مسلسل درامي واجتماعي للمخرج عبدالعزيز الحرازي، وسيعرض على قناة اليمن الفضائية، ومسلسل” الخال والد”، وهو مسلسل كوميدي للمخرج عادل حزام، وسيعرض على قناة عدن المستقلة، ومسلسل “ثروة أبي” من إخراج جمال معوضة، وسيعرض على قناة عدن الفضائية الحكومية، ومسلسل “قرص حار” للمخرج محمد الأشولي، وسيعرض على قناة حضرموت الزرقاء، ومسلسل “المداراة” من إخراج عبدالرحمن بارباع، وسيعرض على قناة المكلا، ومسلسل “حارة فشفشي”، وسيعرض على قناة يمن شباب، ومسلسل “دروب المرجلة” من إنتاج قناة السعيدة وبطولة صلاح الوافي وعدد من النجوم.
بالإضافة إلى تلك المسلسلات، سيعرض مسلسل “ماء الذهب” الذي تأخر عرضه من السنة الماضية، على منصة “تلفز” ومنصات التواصل الاجتماعي، بما فيها يوتيوب مجانًا، ومن المرجح أن يمثل أبرز الأعمال الدرامية الرمضانية لهذا العام، وبالتالي فإن عائدات عرضه عبر “يوتيوب” في حال حقق نجاحًا لافتًا، ستشكل فارقًا في إنتاج الدراما اليمنية، لأنها ستدفع لتقديم أعمال منافسة بكلفة إنتاجية تضاهي ما يقترب قليلاً من الإنفاق على المسلسلات العربية في الحد المتوسط على الأقل، وهو ما سيعود إيجابيًا على أجور الكتاب والمصورين والممثلين وغيرهم من عناصر العمل الدرامي، وقبل ذلك وبعده ستتطور الرؤية الإنتاجية والإخراجية لهذه الأعمال. تأخر عرض هذا المسلسل من العام الماضي بسبب رفض القنوات شراءه بسعره، الذي حددته شركة الإنتاج دوت نوشن، كون القنوات اليمنية معتادة أن تفرض ميزانية إنتتج المسلسل مسبقًا وفق أرقام بسيطة، بينما طلبت دوت نوشن مبلغًا اعتبرته القنوات ضخمًا. وفي حفل تدشين عرض المسلسل في المركز الليبي بصنعاء، تجلت الرؤية الإنتاجية والإخراجية متطورة في تفاصيل العمل، مقارنة ما تظهر عليه في المسلسلات اليمنية الأخرى، مما سيجعل هذا المسلسل في حال نجاح عرضه منعطفًا في مسيرة الدراما اليمنية، وهو ما سيكون.
يقول الروائي والسينارست وجدي الأهدل، وهو أحد أهم كتاب سيناريو مسلسل ماء الذهب لـ”القدس العربي”: “مسلسل (ماء الذهب) هو مسلسل غموض وحبكة بوليسية، جرائم قتل متتابعة وفاعلها مجهول، والشكوك تتجه تارة إلى هذه الشخصية وتارة إلى تلك الشخصية، ثم يتضح أن هناك عصابة هي التي تقوم بتلك الجرائم، وشخصية قائد العصابة ستكون مفاجأة غير متوقعة للمشاهدين”.
وأضاف: ” تدور أحداث المسلسل في قرية يمنية، والأزياء يمنية تراثية، والحوارات كُتبت باللهجة اليمنية الوسطى، بحيث يمكن للمشاهد العربي فهم الحوارات، وهذه إحدى ميزات المسلسل. ومنذ البداية حرصنا على أن يكون مفهومًا لكل من يتابعنا من العرب. كذلك يقوم المسلسل على حبكة محكمة منذ الحلقة الأولى وحتى الحلقة الأخيرة، وذلك في سياق متصاعد من التوتر والتشويق الدرامي”.
لا يمكن في أي حال من الأحوال إنكار التطور الملحوظ في أعمال السنوات الأخيرة، وبخاصة في التصوير والإخراج، إلا أن ثمة ملاحظة هامة، وهي أن الدراما اليمنية لم تسطع أن تقدم جيلًا جديدًا من الممثلين والمخرجين يوازي ما قدمته في جيل الرواد، وهو الجيل الذي ما زال يؤدي دوره إلى اليوم، ويقف وجهًا لوجه مع الأجيال اللاحقة، وربما يعود هذا إلى ما يعانيه البلد من إشكالات سياسية واقتصادية وثقافية فرضت قصورًا في الوعي في التعامل مع الفنون، وبالتالي تعاني الفنون هناك بما فيها المسرح والدراما تعثرًا تتطور معه ببطء، والسبب في ذلك غياب الجرأة القادرة على تجاوز عوامل ذلك التعثر، والمبادرة في الاختراق وتجاوز المألوف.
وفي الأخير، ما زال الطريق أمام الدراما اليمنية مفتوحًا لتقول كلمتها، وتقدّم نفسها بما يتجاوز بها المشاهدة المحلية إلى العربية، وربما قبل ذلك هي ملزمة بإقناع المشاهد المحلي بأفضلية مشاهدتها على حساب دراما البلدان الأخرى، وعندما تصل إلى ذلك تكون قد وضعت قدمها على بداية الطريق صوب المشاهد العربي.