صنعاء – «القدس العربي»: ما يميز مساجد اليمن في رمضان وتحديداً صنعاء خلال هذا العام هو ارتباط كافة برامجها بغزة، وهو ارتباط لا يتوقف عند الدعاء، بل يمتد إلى الدعوة للمقاطعة والخروج في المسيرات ومباركة ما له علاقة بنصرة أهل غزة في ظل استمرار نهج التجويع والإبادة الجماعية.
يقول أحد أئمة المساجد، وهو يقف خطيباً بين صلاتي العصر والمغرب بأحد مساجدها: “كيف نتذوق طعامنا وأبناؤنا في غزة بلا طعام؟! كيف نعيش أجواء رمضان وأبناء غزة تحت النار؟! لم يسبق لهذه الأمة أن عاشت انكساراً يضاهي هذا الانكسار الذي نعجز فيه عن سد جوع إخوتنا هناك!”.
وصمة عار
وفي هذا الصدد، يتساءل الداعية جبري إبراهيم حسن، عضو مجلس الشورى، وكيل وزارة الأوقاف والإرشاد المساعد سابقاً: “هل يعقل أن هذه الدول العربية بقواتها وكذلك الدول الإسلامية بما تملك، لا تستطيع أن تُدخل قنية ماء إلى غزة (…) هذا أمر مشين ووصمة عار على جبين هؤلاء الحكام”.
وقال لـ “القدس العربي” إن “ما يعيشه قطاع غزه اليوم هو امتحان لحضارة الإنسان منذ فجر البشرية. العالم اليوم على محك غزة، وكأني أرى هذا العالم يسقط في هذا الاختبار، الذي ربما لم يسبق للبشرية أن تعرضت له بهذا المستوى المأساوي الدامي، وكأن قدر غزة أن تكون في هذا الموقف، وهو موقف يجد فيه كل فرد منا نفسه أمام جهتين وخيارين، وعليه أن يختار موقفه وجهته، ونحن لا جهة لنا سوى نصرة غزة.
يقين الدعاء
على الرغم من الظروف الاقتصادية بالغة السوء التي يعيشها اليمنيون جراء تداعيات حرب توشك أن تدخل عامها العاشر، ما زال اليمنيون على قدر من التماسك في علاقتهم بقضاياهم القومية والدينية، وفي مقدمة هذه القضايا قضية فلسطين.
وخلال رمضان تتموضع هذه القضية في مقدمة اهتماماتهم، وهو ما يلمسه المتابع في عدم تجاوزهم ما يشهده قطاع غزة من مأساة تفرض على الجميع استشعار واجبه، وعلاوة على المسيرات والمقاطعة الاقتصادية وغيرها من الأنشطة بما فيها برامج المساجد الرمضانية، حيث يتجلى الدعاء لفلسطين وغزة في جميع المساجد عامراً بيقين الاستجابة.
ويقول الداعية جبري إبراهيم: “اليمن مرتبط بغزة قولاً وفعلاً، وأثبت ذلك في البحر والجو، في الشارع والمتاجر، من خلال المقاطعة، كما هو في المساجد، وبخاصة في رمضان، إذ تحولت المساجد إلى صوت واحد يلهج باسم غزة والدعاء لغزة ومجاهدي غزة”.
وأضاف أن “مساجد اليمن مرتبطة ارتباطاً إيمانياً روحانياً بغزة، خاصة في هذا الشهر الكريم، الذي هو شهر العبادة وشهر الجهاد وشهر الغزوات الإيمانية، وها أنت تجده وتسمعه في المكبرات في كل مسجد، وبخاصة من خلال الدعاء في أثناء الفطور والسحور وطوال اليوم خلال الصلوات الخمس وفي غيرها، لأن فلسطين وغزة في عقيدة اليمنيين، ولذلك تجدهم مستشعرين وجوب نصرة غزة، إذ يستذكر اليمنيون إخوانهم وهم يعيشون تحت سياسة التجويع والإبادة الجماعية للشهر الخامس على مرأى ومسمع من العالم، ويرفعون أيديهم للسماء وكلهم رجاء بأن ينصر الله أهل غزة”.
وقال إن “شاء الله سنرى أهل غزة منصورين، ولعدوهم قاهرين، وعليه ظاهرين، بمعونة الحق المبين، وهو مما يتطلب النصرة كاملة لأهل غزة من جميع البلدان العربية والإسلامية، ليس من خلال الدعاء فقط، وإنما من خلال الخروج في المسيرات والمقاطعة الاقتصادية لمنتجات الداعمين للعدو الصهيوني، وبذل كل جهد في سبيل إبراء الذمة أمام الله تجاه هذه المظلومية”.
علماء المسلمين
وقال: “على علماء المسلمين في كل مكان، وفي كل وقت وزمان، وفي رمضان على وجه الخصوص، أن يعتنوا بالأمة وبقضاياها، وفي مقدمة هذه القضايا قضية فلسطين والمسجد الأقصى باعتبار ذلك جزءاً من عقيدتنا، التي لا ينبغي أن ننساها، ولا نتخلى عنها بإذن الله تعالى، وعلى علماء الأمة أن يتقوا الله في وجوب البيان الواضع وتبيين ما أنزل الله، وألا يكتموا ما أنزل الله “إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون”. فليكن العلماء بعيدين عن هذه اللعنة بتبليغ آيات الله، وتوضيح ما نزل من الحق، وأيضاً توضيح بوصلة الحق، ولمن يكون العداء بالذات في مثل هذه الظروف.
واعتبر جبري ما جاء من علماء المسلمين تجاه غزة لم يكن كافياً. وقال: “موقف علماء المسلمين حتى الآن مما يحدث في غزة ما زال غير كاف، ولم يكن الموقف الذي يرفع الرأس، لذا ينبغي أن يكون لهم مواقف صريحة حتى من حكوماتهم، أين نصرة أهل عزة الذين يُسحقون ليلاً ونهاراً وسراً وجهراً، ويقتل الأطفال والنساء، بل حتى القبور نبشت، وكذلك الأطفال الخدج لم يسلموا منهم؟! فينبغي للعلماء أن يؤدوا واجبهم تجاه هذه المظلومية غير المسبوقة”.
وتابع: “على الجميع استحضار معاناة أبناء غزة في كل وجبة، بما في ذلك في رمضان خلال الفطور والسحور، فكيف يهنأ لنا عيش بينما إخواننا في غزة يأكلون الأشجار. على الجميع أن يتقي الله تعالى، فالدين دين النصرة وليس دين الخذلان. النبي محمد صلى الله عليه وسليم يقول: المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله) فأين نحن من هذه الصفات التي ذكرها النبي (ص) وكذلك ما ورد في القرآن الكريم “إنما المؤمنون أخوة” فأين هذه الأخوة وأين هذا الترابط الذي بينه الله تعالى في كتابه وبينه الرسول (ص) في منهجه؟!”.
وأضاف: “ما يتعلق بالأنظمة العربية والإسلامية فقد غسلنا أيدينا من هذه الأنظمة، لأنهم نكثوا عهدهم وانسلخوا من دينهم وعروبتهم وإنسانيتهم كما تنسلخ الحية من جلدها، فيجب أن يتقوا الله ويعودوا، إن كان فيهم ضمير أو إنسانية إلى دينهم وأن يراجعوا حساباتهم”.